عودة الأحزاب الصهيونية للشارع العربي

عودة الأحزاب الصهيونية للشارع العربي

تندرج عودة الأحزاب الصهيونية، بما فيها الليكود، إلى الشارع العربي في سياق تفكيك الكتلة الانتخابية العربية المتمثلة بالقائمة المشتركة وبعثرة أصواتها، ليتسنّى للسياسة الإسرائيلية - التي لم تستطع "هضمها" واستيعابها بسبب كبر حجمها ووعورة تركيبتها - ابتلاعها كمفردات سياسية وأصوات متفرقة.

هناك من استنتج أنّ وجود الأصوات العربية في كتلة واحدة كبيرة (المشتركة) لن يساهم سوى في تحييدهم عن معادلة التوازنات الإسرائيلية، لأنّ كتلة عربية بهذا الحجم سيكون من الصعب عليها أن تحظى بشرعية سياسية تمكنها من ترجيح كفّة طرف إسرائيلي على طرف إسرائيلي آخر، خاصّة إذا كان الحديث يدور عن "اليسار" أو "اليسار- الوسط" مقابل اليمين.

وأنا لا أميل إلى تحميل منصور عباس ونهجه كامل المسؤولية عن تفكيك المشتركة، بل أعتقد أنّ القضية اختمرت في رؤوس من ابتدعوا نهج التأثير واستغلال وزن العرب الانتخابي وتحويله إلى مكاسب سياسيّة واقتصادية، بعد أن فشلوا في تسويق هذه الكتلة وتحول نجاحهم الكبير إلى ما يشبه الكيد المرتد عليهم ("بوميرانغ").

ويستدل على ذلك من رد فعل الأطراف الأخرى، وخاصة الجبهة، الرافضة بالمطلق ليس لخطوة منصور عباس فقط، بل لمطالبته بالتوافق على ما يسميه بميثاق اجتماعي وميثاق سياسي ونهج مستقل للقائمة المشتركة، وذلك عوضا عن اللجوء إلى مراجعة النهج والتجربة المشتركة وتصحيحها بالاستفادة من أخطائها والاتفاق على برنامج يضبط جميع أطرافها.

وفي هذا المقام، فإنّ الإصرار على عودة عباس "صاغرًا" إلى سقف المشتركة ونهجها وكأنه الخاطئ الوحيد، دون اعتراف الأطراف الأخرى بأخطائها المدمرة المتمثلة بشعار إسقاط نتنياهو والتوصية على غانتس، حتى بعد انكشاف غانتس على حقيقته بدخوله وانسحابه من حكومة نتنياهو ورجحان انضمامه لحزب بينيت، هذا التعنت يسعى إلى الوصول بوحدة المشتركة لطريق مسدود وتفكيكها.

وفي ما يتعلق باستفادة الأحزاب الصهيونية من هذا الوضع، فمن غير المؤكد أن يرشّح الليكود مواطنًا عربيًا في مكان مضمون أو أنّه يراهن في الحصول على مقعد أو اثنين من العرب، ولكن من المؤكد أن "ميرتس" قد رشحت عضويين عربيين في أماكن متقدمة في قائمتها لاصطياد آلاف الأصوات العربية، كما أن قائمة حولدائي من شأنها أن تدرج مواطنًا عربيًا أو أكثر على لائحتها الانتخابية.

ومن المرجح أن تفعل ذلك "يش عتيد" أيضا، بعد أن صحّح يائير لبيد تصريحه حول "الزعبيز"، وأوضح أنّه كان يقصد حنين زعبي تحديدا وليس العرب أجمعين، وهذا يعني أنّ الـ4 - 5 أعضاء الذين سينقصون من القائمة المشتركة سيعودون إلى "المعسكر" عن طريق الأحزاب الصهيونية، بينما ستحصل القائمتان العربية - اليهودية بقيادة الجبهة والقائمة العربية الموحدة بقيادة الإسلامية من 4 - 5 مقاعد لكل منهما، ما يسهل ابتلاع العرب و"مضغهم" في حكومة يسار- وسط أو وسط- يمين مقبلة ( بدعم من الخارج).

إنّه ما يسمى "فتح اللعب" أو الملعب العربي أمام الجميع وتفكيك مركباته، بما ينسجم مع سياسة إسرائيل التي رفضت التعامل معنا في مختلف السياقات كمجموعة واحدة صلبة ومتماسكة، وأثّرت معاملتنا كمجموعات متفرقة ومنهارة، وعندما تحدّينا منطقها نزعت الشرعية القانونيّة عن مثل هذه التجمعات السياسية الموحدة، على غرار مؤتمر الجماهير العربية ولجنة التنسيق الوطني وغيرها، كما نزعت الشرعية السياسية عن القائمة المشتركة وجعلتها غير صالحة كشريكة في دعم حكومة من الداخل أو من الخارج.

لن يكون أمام الساعين إلى التأثير بأي ثمن سوى دفع ثمن التفكيك المطلوب، والذي بدأ بهروب منصور عباس نحو اليمين للحصول على فتات الامتيازات وهروب أيمن عودة وأحمد طيبي نحو يسار "كاحول لافان" للحصول على فتات الفتات، وسيتواصل بخوض الانتخابات بقائمتين ودعم اليسار - وسط بـ4 - 5 مقاعد والوصول إلى جسم مانع لنتنياهو من 61 عضو كنيست بدون بينيت، ليجري لاحقا إخراج العرب ودخول بينيت إلى حكومة برئاسة ساعر، وهكذا فقط سيسقط نتنياهو، وهو سيناريو مشروط بحفاظ ساعر وبينيت بشكل خاص على القوة التي يتمتعان بها الآن في استطلاعات الرأي.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص