انتخابات التشريعي والكنيست تحت نظام واحد

انتخابات التشريعي والكنيست تحت نظام واحد

من المفارقة أن تجد الساحة الفلسطينية نفسها، في شقي الوطن (المنطقة المحتلة عام 1948 والمنطقة المحتلة عام 1967) الذي يخضع لنظام أبرتهايد كولونيالي أجنبي، في معمعان نقاشٍ وجدلٍ ساخنين، حول انتخابات تشريعية في ظل شروط مختلفة، ولكن تحت نفس النظام الذي يقهرهم: انتخابات الكنيست، وانتخابات المجلس التشريعي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومع أنّ الشعب الفلسطيني كلّه يعيش تحت نفس نظام السيطرة والقمع والاستعمار، بين البحر والنهر، إلا أنّ كل ساحة تتصرف بمعزل عن الأخرى، وكأنها تعيش في ظلّ كيان طبيعي فينحو هذا الجدل نحو المسائل الإجرائية، ويغيب، تقريبًا، الموقف الأيديولوجي والمبدئي تجاه هذا النظام المغتبط من نجاحه في تجزئتنا، ومن تجويف مسيرة نضالنا من القيم والركائز الأخلاقية، التي ألهمت النضال الوطني التحرّري في فترات سابقة.

ليست الانتخابات مسألة تقنية أو إجرائية، بل هي مسألة سياسية تهدف إلى تغيير سياسي في طريقة إدارة الحكم وفي إدارة حياة الناس اليومية والجماعية، وفي تجديد روح المجتمع والعمل السياسي. وتقوم فلسفة الانتخابات على الحرية: حرية التعبير عن الرأي وحرية التصويت، وحرية اختيار الحزب أو الحاكم الذي سيتبوأ أو يشارك في دفة الحكم.

أمّا في حالة شعبٍ واقعٍ تحت الاستعمار، فالأمر الطبيعي هو أن يمارس هذا الشعب حريةَ انتخاب ممثليه حين تقترب لحظة التحرّر، فيجري ذلك إمّا على شكل استفتاء في مرحلة انتقالية أو على شكل انتخابات حقيقية، بعد هزيمة الاستعمار تفرز نظامَ حكم بديلًا، يعبّر عن إرادة الناس.

نحن في فلسطين لسنا في حالة دولة طبيعية ولا على عتبة تحرّر وطني. فالتجربة المرّة - السياسية والانتخابية - التي جرّبتها القيادات الفلسطينية في الضفة الغربية أو قطاع غزة والقدس، وفق اتفاق أوسلو الذي يستبعد معظم شعبنا من هذه العملية (اللاجئون وفلسطينيو الـ48) ليست أنها لم تقد إلى شيء بل ولّدت كوارث متوالية سياسية ومادّية ومعنوية، وخلقت معيقات ضخمة أمام نضال شعبنا وأوصلتنا إلى مأزق خانق لا نعرف حتى الآن كيف ننجو منه. هناك من يرى أن لا بأس في أن تجرب القيادات خيارات سياسية اضطرارية في مراحل معينة، وهذا أمر مفهوم في عملية تحررية صعبة ومعقدة، لكن أن تواصل نفس القيادة تجريب المجرب وتحصل على نفس النتائج فهو وجه من أوجه الأداء الكارثي، هذا ما حصل ويحصل في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أمّا في داخل الخط الأخضر، فالأمر أكثر تعقيدًا وتركيبًا. فهذا الجزء الذي نجا من الطرد، ومن عملية التطهير العرقي الإجرامية عام 1948، والذي لم يزد عدده عن مائة وستين ألفًا آنذاك، وجد نفسه بلا حركته الوطنية ونخبه وقياداته، ومُهدّدًا في بقائه، وبالطرد في كل لحظة. فكانت أولويّاته وجودية ولم يأبه بأيّة طريقة يبقى في بيته، منتظرًا الفرج من الخارج، طالما أن وجود "اليهود مؤقت" بحسب اعتقادهم آنذاك.

طبعا ليس هذا ما يعيب. ما يعيب هو هرولة ممّن تبقى من النخب القليلة إلى خوض انتخابات الكنيست، بعد أشهر فقط من قيام إسرائيل وقبل أن تجفّ دماء الشهداء والاعتراف الأيديولوجي بهذه الدولة الأجنبية الغازية.

مرّ الزمن. عامًا تلو العام، وعقدًا تلو العقد، ومع كل عام تلاشت "عقيدة" الانتظار وازداد الارتباط معيشيا وتعليميا بالدولة الجديدة ومؤسساتها، فنشأت المبادرات والاجتهادات المستقلة، بعضها من خارج الكنيست، وبعضها الآخر من خلال خوض انتخابات الكنيست بمعادلة تتحدى بنية النظام وجوهره العنصري والاستعماري، لإعادة تكوين هذا الجزء القليل من شعبنا، كجماعة قومية مرتبطة تاريخيا وثقافيا مع شعب وأمّة أوسع.

وبالتوازي، جرت سيرورة الأسرلة المشوهة. غير أنّ مجمل السلوك السياسي - الوطني، جرى ويجري ضمن المواطنة الكولونيالية التي فرضتها إسرائيل، إمّا من خلال تحدي هذه المواطنة عبر قوى وطنية، أو من خلال التكيّف معها وقبول دونيتها عبر فئات سياسية أو اجتماعية متأسرلة تتسّع مؤخرًا وتنذر بخطر كبير على حاضر ومستقبل هذا الجزء من شعبنا.

شقّان.. جانب واحد

من المدهش أن النخب السياسية من كلا شقي الوطن، لا ترى إلا جانبًا واحدًا من المشهد السياسي المتغيّر دومًا، ألّا وهو الظرف الدولي والعربي البائس والذي فاقم الخناق حول القضية الفلسطينية بصورةٍ غير مسبوقة. وهو مشهد لم ينزل علينا مرة واحدة بل كان عبارة عن سيرورة ظالمة لم تُجرِ القيادات خلالها مراجعة حقيقية للنهج المتّبع أو تُقدِم على إحداث تعديل إستراتيجي في مقاربتها سواء تجاه الداخل أو تجاه الخارج. وتنظر هذه القيادات إلى هذا الجانب من المشهد وكأنه قدرٌ لا فكاك منه، وأن مواجهته يأتي فقط من خلال مواصلة التعامل معه من خلال نفس قواعد اللعبة، أي إثبات الأهلية والالتزام بالحدود الذي حدّدها لنا المستعمِر، أو من يدعمه ويتواطأ معه من قوى دولية، كشرط للحصول على دولة، في حالة الضفة والقطاع، وحقوق مدنية وميزانيات، في فلسطينيي 48.

والنتيجة، في حالة سلطة أوسلو، تجسّدت في وجهين. الأول: تقدُّم مذهل في المشروع الكولونيالي الإحلالي وتوحيد المجتمع الاستيطاني الصهيوني حول إنكار حق تقرير المصير لشعبنا، والذي تكرس بـ"قانون القومية"؛ والوجه الآخر: هبوط مستمر في سقف المطالب الفلسطينية وفي الخطاب الفلسطيني، وتجميد المؤسسات والكيانات التمثيلية، بل تجويفها من أي قيمة دستورية أو ثورية أو أخلاقية.

أمّا الجانب الآخر، الذي لا تراه القيادات، فهو التحوّل المتسارع في مبنى وتوجه المشروع الصهيوني، الذي ما عاد يميّز كثيرًا في النظر أو التعامل مع الفلسطينيين من على جانبي الخط الأخضر، بل أنه وحّد الأدوات الاستعمارية ووحّد فلسطين كوحدة جغرافية وسياسية واحدة تحت حكمه الاستعماري ونظامه العنصري. كما لا ترى، ولا تريد أن ترى، أو بالأحرى لا تدرك أن هذا التحول الصهيوني يترتب عليه قراءة سياسية ووطنية جديدة، وبالتالي مقاربة جديدة لمفهوم التحرر والتحرير، أو الأدق، العودة إلى عقيدة التحرر والحرية من نظام فصل عنصري كولونيالي، لا يشبع من التوسع والقتل.

ولذلك، فإنّ الانتخابات التشريعية والرئاسية في الضفة، وكذلك للكنيست، تعاكس هذه الوقائع، وهذا الإدراك. وإذا كانت للتجربة الانتخابية السابقة مبرّراتها، وإن كانت هناك ضرورة لإدراك خصوصية واقع فلسطينيي الـ48، فإنّ الحالة الراهنة لم تعد تزكّيها. بل باتت معولًا قد يهدم ما تبقى ممّا حققته التجربة الفلسطينية الوطنية من إنجازات معنوية وتاريخية.

هناك دلائل قوية تشير إلى أن الانتخابات التشريعية والرئاسية - إن تمّت - فإنّها إمّا ستعمّق الانقسام أو تعيد إنتاج المحاصصة بين حزبي السلطة؛ "فتح" و"حماس"، ما يعني تفريغ العملية من الديمقراطية، أي من مضمونها. بل بات واضحا أن هذّه الانتخابات ليس هدفها إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية أو بناء جبهة تحرّر وطني عريضة، بل فرز قيادة مقبولة على المجتمع الدولي بعد فوز جو بايدن، لاستئناف المفاوضات والعودة إلى ملهاة عملية السلام باعتبارها وسيلة لتكريس الاستعمار وليس لدحره وتحقيق العدالة.

معنى ذلك، أن التجزئة الاستعمارية ستتكرّس وسنبقى مقيدين بشروط اللعبة التي فرضها المستعمر، وليس تحطيم هذه القيود والسلاسل وتحرير العقل السياسي الفلسطيني.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص