أن تكون إسرائيليًا في زنزانة الأسد فأنت حرُ

أن تكون إسرائيليًا في زنزانة الأسد فأنت حرُ

بعد عشرة أعوام من القتل والسحل والانتهاك، الذين يمارسهم نظام الأسد على المجتمع السوري، وبعد ستة أعوام من تمكن الاحتلال الروسي من تثبيت منظومته بالسيطرة الدموية، نجد أنفسنا أمام مجموعة أسئلة متعلقة بسعي موسكو تثبيت دعائم الأسد، ولماذا تبدي هذا الحرص بالبحث عن رفات لجنود إسرائيليين بنبش مقبرة مخيم اليرموك مرّة جديدة، بعد تسليم رفات الجندي الإسرائيلي زخاريا باوميل قبل عامين، ونقلها من دمشق بطائرة روسية، وكذلك وتسليم ساعة الجاسوس إيلي كوهين، وإهداء نتنياهو دبابة إسرائيلية كان قد غنمها الجيش السوري خلال اجتياح لبنان عام 1982. واليوم تحرص موسكو على إعادة مستوطنة إسرائيلية بكامل صحتها، قيل إنها دخلت "بالخطأ" من القنيطرة للأراضي السورية، حسب رواية رسمية لم يُسمع بها إلا في اليومين الأخيرين.

قبل البحث عن إجابات وبديهيات، سنعود لبعض المستجدات من المواقف المرتبطة بشعار "أمن إسرائيل من أمن النظام"، الذي دفع به ابن خال رئيس النظام، رامي مخلوف، في العام 2011 بحديثه لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، وتجسّد في ممارسات النظام على الأرض وتحقيق ما عجزت عنه إسرائيل على الأرض، بفضل الدعم الروسي المستمر.

فهل نحن بحاجة لوضع البديهيات التي تشبه بديهيات الوجود محل تساؤل؟ أظن أن هذا الأمر يجد إجابته في السحق اليومي للسوريين وللشعب الفلسطيني، والنفي الكامل للحرية المُطالب بها من هو تحت حكم الاستبداد والاحتلال، الروسي من حيث هو قوة احتلال مساندة لطاغية، ومحتل صهيوني تنسق معه عملياته العدوانية في الأجواء وعلى الأرض السورية. لكن لا تكفي النظرة للدور الروسي في سورية وحصره بمساندة النظام، على ما تكشفه الوقائع الحثيثة بجهد موسكو تقديم الضمانات لإسرائيل، كعربون وفاء من الأسد وعنه، بكشف رفات جنود إسرائيليين، حتى لو كلف الأمر نبش مقابر شهداء فلسطين كلها تحت حراسة "فرع فلسطين" في مخيم اليرموك، والعبث بعظام الشهداء ككل، إلى الإقرار بقدرة النظام حماية الحدود الشمالية للمحتل من جهة القنيطرة، لم نلمس أي تنسيق وجهد موازٍ متعلق بحق أسرى فلسطين، لا من موسكو ولا من نظام الممانعة في دمشق، حتى في عمليات التبادل الأخيرة من ساعة كوهين إلى رفاة باومل، وصولًا للمستوطنة الصهيونية المزمع الإفراج عنها بوساطة روسية.

الثمن بخس جدًا... لكنه مرتفع في ما يتعلق بوظيفة تثبيت النظام، وبتعهد روسي بما يخص التطبيع معه مستقبلًا كما تدل الرسائل المشفرة التي تطلقها "نخب" الأسد الفنية والإعلامية والأمنية والاقتصادية بين الحين والآخر، كما يقول فنان النظام دريد لحام "لا مشكلة لدي مع التطبيع فهو آتٍ آت". إذًا التطبيع ليس خطرًا بحسبه، والتهوين من شأنه وعدم الانشغال به ومواجهته، وتقليصه لمجرد فلسفة مواجهة "إرهاب" الشعب السوري بأفعال نازية وفاشية، كما يدل سلوك الأسد وحليفه الروسي على الأرض؛ لكن الانشغال الروسي المستمر بتحقيق توافق مع تل أبيب في سورية، يفوق ما تبديه من علاقة مع نظام الأسد، الذي تتعامل معه موسكو كتابع ذيلي، بينما العلاقة الروسية - الإسرائيلية، تأخذ طابع التحالف المحافظ على مصالح إسرائيل عامة، وهي تخوض حربًا لأجل تأمين حدود إسرائيل بجنود الأسد، ولأجل حرية أسراها وتحرير جثامين جنودها. وإذا ما نظرنا لآلاف المعتقلين السوريين والفلسطينيين في معتقلات وزنازين الأسد، تلجأ موسكو لتبرير جرائم قتل عشرات آلاف المعتقلين وتتبنى الرواية والسلوك الصهيونيّين، على الأرض السورية، والذي خلق ارتياحًا إسرائيليًا لإنجاز موسكو ونظام الأسد، لجهة تحطيم الإنسان السوري ومقدراته وحواضره بسلاح روسي، وذخيرة وطائرات روسية، لن تستخدم أبدًا ضد المُحتل لفلسطين والجولان.

قيمة الإنسان رخيصة جدًا في قاموس الممانعة الروسية - السورية وفي زنازينها. "أن يكون المعتقل إسرائيليًا" في زنزانة أسدية يعني وقوف دولة مثل روسيا أو أميركا من أجل تحريره، فتلك مفارقة مخزية، ومعنى أن يلتفت النظام لتحرير أسيرين "رفض أحدهما العودة لحضن النظام"، فهذا يكشف زيف البحث عن حرية الوطن والمواطن في أدبيات وشعارات فارغة، الهدف منها تلميع صورة نظام مجرم بحق عشرات آلاف المعتقلين في زنازينه، ومحتل روسي وصهيوني يثنيان على بعضهما، وعلى عمل خفير الزنازين السورية، بأن لا يخرج المعتقل سوى إلى المقبرة أو لفرن روسي مستورد لحرق الجثث.

أخيرًا، الرواية الرسمية لنظام الأسد، بدخول شابة إسرائيلية بطريق الخطأ للقنيطرة، يتطلب تدخل موسكو للإفراج عنها، وتطلّب تنسيقا عاليًا بين بوتين ونتنياهو، ورواية الشعب السوري والشعب الفلسطيني عن اعتقال عشوائي لمئات الآلاف بتهمة معاداة النظام، تتطلب من الأسد كتم أخبارهم عن ذويهم وعن الإعلام، حتى يصبح تهريب صور جثث فرع فلسطين المرجع الوحيد للأهل، للتدقيق في الوجوه لمعرفة الأحبة من علامات فارقة تغيب بفعل التعذيب الوحشي. وإذا كان يحلو للبعض الهروب من قضايا المعتقلين في سجون الاحتلال وزنازين الممانعة في فرع فلسطين، ليتغطى بشعاراتها، فما عليه سوى العودة لمراقبة حميمية موسكو نحو تل أبيب وتقديم الغنائم لها، وحرص الأسد على حماية الأرواح والجثث الصهيونية، ليدرك مرة أخرى أين يقبع خندق الممانعة في سورية الذي ينبش قبور شهداء فلسطين في المخيمات، ومعنى أن تكون رفات الصهاينة هاجس ليل الممانعة الحريص على دفن لائق بهم وعودة الأسرى سالمين.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص