أزمة عقلانية المعرفة: الجامعة نموذجا

أزمة عقلانية المعرفة: الجامعة نموذجا

"ليس نشاط موضوع المعرفة هو الذي ينتج معرفة مفيدة أو مضرّة للسلطة، بل السلطة/المعرفة، والعمليات والصراعات التي تجتازها، والتي تتكوّن منها، هي التي تحدّد أشكال والمجالات الممكنة للمعرفة" ميشيل فوكو – المراقبة والمعاقبة ولادة السجن.

كتبت هذه الأسطر في محاولة الاعتراض على مقولة "الجامعة مكان ينتج معرفة"، وفي محاولة فكّ العلاقة بين المعرفة والسلطة، وإبراز الدور الخفي للجامعة في تطويع الأفراد. الإطار التحليلي المعرفي للنصّ، هو تاريخ تطوّر السلطة، وأخيرًا هيئتها على شكل الدولة الحديثة، لا يتناول النص علاقة الفلسطيني والجامعة الإسرائيلية بوصفها كذلك، وهذه نقطة تسجّل عليه.

مدخل

إذا كان شائعا التعامل مع المعرفة كأداة توظف من أجل مساءلة السلطة وسعيًا منّا لتفكيكها، حاول فوكو فضح العلاقة بين المعرفة والسلطة. فالمعرفة هي السلطة الممتدة أفقيًا التي تحاول السيطرة على كل شيء بواسطة الخطاب. من الوهم محاولة رسم حدود واضحة المعالم بين المعرفة والسلطة - أي محاولة الإشارة إلى ذلك الخط "الوهمي" الذي يُظهِر الفرق هي محض أمل كاذب - بين السلطة والخطاب، بين المعرفة والخطاب. فجميعهم متناثرون ومتناسقون بطريقة متشابكة ومتداخلة، جميعهم تحصيل حاصل لصراعات مستمرة لا يمكن إنهاؤها أو إدارتها أو تنظيمها بل يمكن مراقبتها، لفهم تشكّل ذواتنا ونظامنا المعرفي والخطابي.

لذلك، فالمعرفة تعبير عن وجود السلطة، والخطاب تعبير عن وجود المعرفة، بالتالي يصبح الفرد تعبيرًا عن منتوج الخطاب - المشتق عن المعرفة المتمثلة في السلطة - وليس منتج للخطاب، أي التعبير عن إرادة السلطة، بالتالي تصبح حركتنا وفعلنا وأقوالنا وأحلامنا وطموحاتنا ومشاعرنا تعبيرًا عن تغلغل السلطة بيننا وفينا.

الخطوة الأولى للانعتاق من ذواتنا – أي للتحرر من السلطة - هي صياغة خطاب معرفي لغوي تحرّري مشتق من ذواتنا، الواعية لكينونتها ولموقعها في الصراع، خطاب معرفي يعي وينتج سلوكًا سياسيًّا اجتماعيًا لا يهدف إلى احترام قواعد النظام المؤسس عن طريق تبني نظام حقيقته ومعرفته، بل ينتج خطابًا معرفيًّا أصيلًا مشتقًّا منه.

هناك فرق بين تبنّي خطاب معرفي مشتقّ من السلطة، وصياغة خطاب معرفي مشتق من الذات الواعية لموقعها. ولكن حتّى لا نكرّس الأزمة ونعيد تدويرها بمسميات وقوالب جديدة: وجب علينا كسر الجانب العقلاني للمعرفة.

عقلنة المعرفة

فيبر، في محاولته لشرح مفهوم العقلنة الذي أدّى إلى "فكّ السحر عن العالم"، مدركٌ أنّ العلم لا معنى له لأنه يصمت أمام السؤال الذي يحرّكنا جميعا: ماذا يجب علينا أن نفعل؟ أي أنّه يصمت أمام المسائل الاجتماعية والمعضلات الأخلاقية، إنه يقدّم لنا "جانبًا مظلمًا" آخر من العلم: ماذا يجب علينا أن نفعل إذا كنّا نريد أن نسيطر، تقنيًّا، على الحياة؟ العقلنة لا تسعى إلى زيادة معرفة شروط وظروف الحياة التي نحياها، فنحن لا نعلم ولا يوجد لدينا الدافع لمعرفة كيفية عمل الآلة -أيّة آلة - على عكس الإنسان البدائي، الذي يعرف أدواته. العقلنة تسعى إلى السيطرة على الأشياء من خلال التقنية. أي أنّه من خلال العقلانية نسعى إلى تقديم إجابة عن سؤال "الكيف" التي تعنى بالكيفية، أي بالتقنية، بمعزل عن طبيعة الأهداف النهائية، أي أنّها لا تتناول سؤال "لماذا" المرتبط بالقيم. للوهلة الأولى، قد يُعتَقَد أنّ هناك انفصالًا وحالة انقطاع ما بين السؤالين، لكن ما حصل فعلا هو أن عقلانية المعرفة تسعى إلى أن تجيب عن سؤال الكيف، ضمن رؤية السلطة وسؤالها "لماذا"، حيث أنّ هذا الاختزال يقدم ضمنيا إجابة وتصورًا لسؤال الـ"لماذا" الخاص بالسلطة، أي أنّ عقلانية المعرفة تلك المشتقة بالضرورة من السلطة، تعيد إنتاج ظروف إنتاج السلطة في صور جديدة من خلال تقديمها لتصوّر السلطة الخاص بالـ"كيف"، فهو يضمن للسلطة تعميم تصورها الخاص بسؤال "لماذا"، وتأبد خضوع الأفراد لها، وأي انزياح عن هذا النموذج المعياري "العقلاني" التي تسعى السلطة من خلاله إلى خلق حالة تماثل بين الأفراد، يكون مصيره العنف منه المرئي ومنه غير المرئي.

سؤال: لماذا يجب أن نتعلّم؟ وما علاقة التعليم والمعرفة والحرية؟ وكيف نجعل التعليم يتقاطع مع نضالنا ضد السلطة؟ تحول السؤال، من سؤال يطرح تصورا جوهريا في علاقتنا مع ذواتنا وتشكلها من خلال محاولة تفكيك كل أشكال القمع، إلى سؤال شكلي استهلاكي، أي أنّ سؤال التعليم، أيضًا، يقع ضمن أزمة المعنى، وتجريد وإفراغ كل شيء من قيمته. جوهر التعليم الحرية، أمّا في الجامعة، فينفصل التعليم، عن قيمته المعرفية الأخلاقية، في تحويل قضايا الناس ومشاعرهم إلى قضايا عامة نتفاعل معها جميعا، وفي تفكيك أسباب القهر، ومحاولة نبش أسباب ظروف القهر وفهمها والحديث عنها، أمّا داخل أسوار الجامعة فتحوّل لتعليم استهلاكي، هدفه التأكيد على حقيقة ضمان الأمان الشخصي للفرد، وتسلّق مراكز السلطة والاندماج فيها، أي لهدف تقني، لاستيعاب الفرد ضمن مناطق نفوذ السلطة..

الجامعة: سلطة تَرى ولا تُرى

الجامعة بوصفها سلطة وتعبيرًا عن وجود الدولة (الحديثة)، تنتج معرفة "عقلانية"، تلك التي لا تصطدم مع السلطة، لا تشتبك معها، لا تسعى لزعزعة علاقات السيطرة مع السلطة، بل تعيد إنتاج أسباب خضوع الأفراد لها، أي تعيد إنتاج علاقات وظروف القمع بطريقة "عقلانية"، بطريقة "معقلنة"، تعنى السلطة بسؤال: كيف نحافظ على حالة اللاتوازن واللاتماثل؟ كيف أحافظ على ديمومة الوضع القائم؟ المعرفة ليست شيئًا مجردًا ومنعزلًا، يفهم من خلال ذاته وحسب، ثنائية المعرفة والسلطة، المعرفة مرتبطة بالسلطة، تلك (المعرفة) التي تنتجها السلطة أو تلك السلطة التي تهدمها المعرفة، لا يمكن فهمها ولا محاولة محاصرة حدودها، والإشارة إليها، إلا من خلال ممارسة، وفقط من خلال مقاومة السلطة، عن طريق مقاومة السلطة والاصطدام معها تنتج معرفة، فالنضال شكل من أشكال المعرفة متمثل في فعل سياسي يسعى لتغيير علاقات القوة والسيطرة. أعلى درجات القمع، حين لا يستطيع المقموع تمييز وإدراك علاقة القمع، حيث هناك في ذاك الزمن البعيد، كانت السلطة التقليدية تُرى وتبرز نفسها، أمّا من خاضع لها يبقى وحيدا في مركز الظل. أمّا السلطة حديثا، على سبيل المثال، لا الحصر: الجامعة. فباسم حيادها الموضوعي واستقلالها العلمي، وتظاهرها بانفصالها عن السلطة، لا تحاول أن تخفي تواطأها مع السلطة، بل إعادة إنتاج السلطة وتشكيلها في جسم يدعي الحيادية، لكنه ما وراء الحكاية الرسمية، يعمم ويسقط تصور السلطة على الأفراد، الجامعة تسعى لتشكيل هوية وطنية جامعة، أي إلغاء جميع الفوارق الاجتماعية بين الأفراد، وكل من يحيد عن هذا التصور، مصيره العزل.

الجامعة – السلطة - دورها الوظيفي يقتصر على المراقبة والمعاقبة، الضبط، تطويع الجسد والنفس، كل ذلك يجري في فضاء لا يسمح لنا بوصفها بأنّها تقمع أو تسلب حرية الفرد، بل تنتج أفرادًا وتنتج "معرفة"، وصيرورة القمع تمر من خلال هذا الإنتاج. ضجيج صامت، يعيد تنظيم سلطة العقاب وفقا لأنماط تجعلها أكثر انتظامًا وأكثر فعالية، وأقلّ كلفة سياسية، وتأمين وحفظ لامركزية السلطة وتناثرها في الجسم الاجتماعي، وذلك في ظل واقع يتعامل مع "اللقب الأكاديمي" فرصة تزيد من المكانة الاجتماعية لدى الفرد. أي تلك المعرفة "العقلانية" التقنية الإجرائية، التي لا تشتبك مع السلطة، والتي لا تملك المقدرة أساسا على رؤية السلطة.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص