تشكيل الحكومة الإسرائيلية مرهون بإسباغ الشرعية على العرب

تشكيل الحكومة الإسرائيلية مرهون بإسباغ الشرعية على العرب

لم تحسم الانتخابات الرابعة أزمة تشكيل الحكومة في إسرائيل، حيث بقيت تراوح مكانها بانتظار إسباغ الشرعية على العرب الفلسطينيين التي تشكل إحدى قوائمهم الانتخابية بيضة القبان، التي ترجح كفة أحد المعسكرين الإسرائيليين المتنافسين المنقسمين بين مؤيد لنتنياهو ومعارض له، وتشكل أخرى جزءا "غير شرعي" من المعسكر المناوئ لنتنياهو.

ويتوقع مراقبون أن يكون مرشح اليمين، رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أكثر "شجاعة" من مرشح الوسط - يسار الجنرال بيني غانتس، الذي خاف في الانتخابات السابقة من تشكيل حكومة تعتمد على أصوات العرب الفلسطينيين، رغم توصية القائمة المشتركة بأحزابها الأربعة عليه لتشكيل مثل هذه الحكومة واستعدادهم للالتزام بدعمها من الخارج.

فيما يتوقع مراقبون أن تتغلب "شجاعة" نتنياهو النابعة من الهيمنة التي يتمتع بها في الساحة الإسرائيلية ومن حاجته الماسة لمثل هذه الحكومة، للإفلات من ملفاته الجنائية، على الخطوط الحمراء التي وضعتها السياسة الإسرائيلية أمام تأثير العرب وأحزابهم السياسية على الخارطة السياسية والقرارات المصيرية في إسرائيل، لا تستوي لدى العقل الراجح حكومة تضم من جهة غلاة اليمين الاستيطاني الفاشي ومدعومة من جهة ثانية من قائمة عربية "إسلامية".

وإذا كانت خطوة منصور عباس المتمثلة باستعداده لدعم حكومة صهيونية من الخارج دون التزامها بإجراء أي تحول سياسي تجاه القضية الفلسطينية والقضايا العربية الأخرى، كما فعلت حكومة رابين، هي هي استمرار لنهج التوصية على غانتس الذي انتهجته القائمة المشتركة، فإنها تعتبر خطوة أكثر إيغالا وفظاظة في عملية مقايضة الحقوق المدنية بالقضية الوطنية التي بدأتها تلك القائمة.

وإذا كانت حسنة التوصية على غانتس أنها كشفت حدود التأثير والمسموح والممنوع على العرب في لعبة "الديمقراطية الإسرائيلية" في ملعب "اليسار - وسط"، فإن إزالة "التابو" المفروض على اليمين من قبل أحد الأطراف العربية تحت شعار "لسنا في جيب أحد"، ربما تكشف أن "شجاعة" نتنياهو ستصطدم بذات الخطوط الحمراء التي سيستبسل في الدفاع عنها جنود معسكره المخلصين، وأنه مثلما سرّعت التوصية على غانتس في تشكيل حكومة "الوحدة الوطنية" مع نتنياهو في حينه، فإن خطوة عباس ستسرع ربما الاصطفاف في حكومة يمين برئاسة نتنياهو وفق دعوة سموتريتش.

وفي الحالتين، نحن من يخسر ثوابتنا الوطنية وخطوطنا الحمراء جريا وراء أوهام المشاركة والتأثير المزعوم، بينما يتمسكون هم بثوابت وخطوط دولتهم اليهودية الحمراء والحفاظ على "نقائها" من أي "شائبة"، فهم يدفعون بمصالحهم الشخصية والحزبية على مذبح صهيونيتهم، بينما نفرط نحن بقضيتنا المقدسة من أجل مصالح فئوية ومكاسب مدنية رخيصة، بتجاهل متعمد بأن التمييز الممارس ضدنا هو تمييز بنيوي قائم في بنية الدولة اليهودية، وأن ما نحصل عليه، دون تغيير هذا المبنى العنصري، لن يتعدى بعض الفتات هنا وهناك فقط، وأنه من المرجح أن نحصل عليه دون ثمن سياسي بحكم السياسة الاقتصادية النيولبرالية، التي باتت ترى بدمج العرب بالاقتصاد الإسرائيلي مصلحة إسرائيلية قبل أن تكون مصلحة عربية.

لقد أثبتت نتائج الانتخابات الأخيرة والضربة "المميتة" التي تلقتها القائمة المشتركة فشل هذا النهج وعقمه، وهي نتائج تستدعي المراجعة واستخلاص النتائج، بالمقابل أعطت جماهيرنا لمنصور عباس فرصة لإثبات نجاعة النهج الذي يدعو إليه (كما سبق وأعطت لأيمن عودة)، واختبار مدى قدرته على إخراجنا من دائرة هيمنة المعسكر الذي انتمى إليه مؤسسو الدولة العبرية إلى فضاء المناورة السياسية، التي ستقود حسب تصوره إلى تحسين موقعنا في السياسة الإسرائيلية.

اقرأ/ي أيضًا | أوهام الأحزاب العربية

وبرأينا المتواضع فإنه سرعان ما سيتضح عقم هذا التوجه أيضا، رغم صحة فرضية المناورة بين المعسكرين المتنافسين والخروج من حالة التذيل القائمة، وذلك لأن هذا التوجه هو وليد نهج المشاركة والتأثير الذي يحاول تعسفا فصل الجانب المدني عن بعده الوطني، ليكتشف من جديد أن هذا البعد لم يسقط لدى المؤسسة الصهيونية، بل إنه ما زال هو المحرك والموجه الأساس لجميع خطوات فرقائها السياسيين من يسار ووسط ويمين، لينطبق علينا ما يقوله المثل: "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا"، وللمفارقة فإن حالتنا تلك هي حالة فلسطينية وعربية عامة.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص