الهولوكوست: إعادة إنتاج الظلم

الهولوكوست: إعادة إنتاج الظلم

يزعق الزامور بصوته المرعب، فتتوقف السيارات عن السير ويخرج اليهود الإسرائيليون منها، ليقفوا لحظة صمت وخشوع. كان ذلك، أول أمس الخميس، وهو تاريخ إحياء ذكرى الهولوكوست - جريمة الوحش النازي بحق اليهود - الذي تحييه إسرائيل سنويا، كسلاح آيديولوجي وابتزازي، في وجه العالم، وتحديدًا دول الغرب.

نشاهد ممارسة هذا الطقس الصهيوني الإسرائيلي الرسمي، سنويا، هذا إذا صادف سفرنا في سياراتنا لحظة انطلاق الزامور. معظم المواطنين العرب، (الفلسطينيون داخل الخط الأخضر)، يتوقفون اضطررًا في طابور السيارات المتوقفة، ولكنهم لا يخرجون من سياراتهم، وإذا كانوا في أماكن عملهم داخل المكاتب، في مؤسسات العمل الإسرائيلية، يضطر بعضهم إلى مجاملة زملائه، وآخرون يذهبون الى المرحاض تفاديًا للإحراج.

من ذاق العذاب، يتذكر في هذه اللحظة عذابات شعب فلسطين الذي يدفع أثمانًا باهظة بالدماء والأرواح، يوميا على يد من يدعون أنهم الناجون من محرقة العصر، ولا يسعه أن يساير هذا النفاق.

لا يعني هذا أن المواطنين العرب، الناجون من الطرد، والذين يتعرضون للظلم على مدار الساعة، لا مشاعر لهم تجاه عذابات الآخرين، وتجاه عذابات اليهود وما لاقوه من ويلات على يد النازية. بل بالعكس تمامًا، فإن الصور المرعبة لليهود الأوربيين من قلب معسكرات الإبادة النازية، التي حفظتها التلفزة، وتبث على الهواء، تهز مشاعر كل فلسطيني، وتجعله يصرخ ويتساءل كيف يمكن لبشر أن يرتكب هذه الفظاعات.

أما الأكثر ثقافة، ومعرفة، فيدهشون متسائلين دومًا، كيف يمكن أن تحصل هذه الفظاعات في دولة، وفي قارة، كانت قد قطعت شوطا حضاريا في مسار تطور النظام السياسي، نحو "الديمقراطية والتنور"، وبعد أن مرت بمسار طويل من الحروب والويلات، البينية والداخلية، للوصول إلى حياة طبيعية، مستقرة، على أساس من القيم التي تقدس كرامة الإنسان. كما يتساءلون، بصورة استنكارية، مثلما يفعل العديد من اليهود التقدميين، وأحرار العالم؛ كيف يمكن لجماعة تعرضت لكل هذا العذاب والموت، أن تغزو وتسرق وطنًا، وتمارس ظلما وحشيا على شعب لم يكن له أي صلة بالمحرحقة ولا بظاهرة اللاسامية.

يُميّز الفلسطينيون بين اليهود واليهودية، والصهيونية. ويفصلون بين يهود أوروبا، الذين تعرضوا للظلم الفظيع في ألمانيا، وقبلها في روسيا، وبين المستعمرين الصهاينة الذين سرقوا وطنهم، واستأصلوا نصف شعبهم خارج الحدود، ويرون أن النظام الكولونيالي الذي اغتصب فلسطين، ولا يزال يمارس الاستعمار والنهب والقتل، اختطف عذابات اليهود الأبرياء، ويواصل المتاجرة بدمائهم.

وبالتالي فإن الإذعان لزامورهم، هو بمثابة قبول الرواية الصهيونية، واحتكار الحديث باسم اليهودية ويهود العالم. وهو أيضا خيانة لقضية ضحايا النازية من اليهود وغيرهم من ملايين البشر، وخيانة ضحايا النظام الاستعماري الصهيوني، أي أبناء شعبنا الفلسطيني.

لا تزال إسرائيل تمارس "صناعة الهولوكوست" عبر منظماتها ولوبياتها في الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا، وغيرها، وابتزاز تلك الدول ماليا وسياسيا. وصناعة الهولوكوست هو عنوان كتاب، للأكاديمي والناشط الشجاع، نورمان فلنكشتاين، الذي يفضح فيه عملية الاستغلال الصهيوني الرخيص المستمر للمحرقة.

وفلنكشتاين، شخصية معروفة، وهو ابن لعائلة يهودية، ناجية من المحرقة، والتي خضعت لعذابات رهيبة داخل معسكرات الإبادة. ومع ذلك تعرض ولا يزال لهجمات شديدة، من قبل اللوبيات وماكينة الدعاية الإسرائيلية، كغيره من اليهود الذين تصدوا للأكاذيب والأساطير الصهيونية، وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني.

تعمل وتسعى إسرائيل بصورة حثيثة، ومنذ النكبة الفلسطينية، بالإضافة إلى الابتزاز المالي، إلى تشويه الصراع، وغسل دماغ اليهود المهاجرين من خلال تقديم الفلسطينيين وكأنهم نازيون جدد، وذلك في إطار اختراع "أسطورة أرض إسرائيل" و"اختلاق الشعب الإسرائيلي" ( حسب كتابات شلومو زاند).

وفي إطار التركيز على "خصوصية الإبادة"، تسعى إلى تقزيم كل عذابات الشعوب الأخرى، ولذلك نراها تتحالف مع الأنظمة الدكتاتورية المتوحشة؛ في أميركيا اللاتينية، وآسيا، وأفريقيا، والعالم العربي، التي تراقب وتقمع شعوبها مستعينة بالتكنولوجيا والأسلحة الإسرائيلية.

وهكذا أعادت إسرائيل إنتاج وموضعة نفسها كجزء عضوي من النظام الرأسمالي الاستعماري والأنظمة الدكتاتورية، المناهضة لكرامة الإنسان وحقوق الشعوب في العدالة والمساواة وهو النظام الذي ولدت في رحمه الحركة الصهيونية الاستعمارية في القرن التاسع عشر. فنزعة فرادة الضحية التي طورتها إسرائيل تبرر كل انحراف أخلاقي وغير إنساني.

وتزخر الأدبيات الصادرة من شخصيات أكاديمية ومثقفة وسياسية، من يهود وغير يهود، في العالم الغربي، بالنقد اللاذع لسلوكها في مسألة استغلال الهولوكوست واللاسامية، كوسيلة لإسكات النقد الشرعي، والتغطية على جرائمها المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني.

وكلما انهارت أكاذيبها، ازدادت حملاتها وتفاقمت نزعتها العدوانية ضد كل من يُسمِع نقدًا لجرائمها حتى لو كان صادرًا عن أصدقائها.

رغم كل هذه الحملات، تتسع دائرة الإدانة لسياساته، بل حتى لشرعية وجودها، ككيان فصل عنصري وكولونيالي، في ساحة المجتمع المدني العالمي. وتعود نكبة فلسطين، التي ارتكبها الصهاينة، إلى مكانها كقضية ظلم فادح، وكقضية عدالة، وكجزء من أجندات الشعوب المناضلة من أجل التحرر والحرية والمساواة.

منذ عودة انطلاق الحركة الوطنية الفلسطينية بعد النكبة، ارتأت هذه الحركة أن موقعها هو في إطار حركة التحرر العالمية، التقدمية الإنسانية، من أجل نظام عالمي عادل.

وفي سياق الكفاح من أجل فلسطين وشعبها، طورت رؤية تحررية إنسانية، تجاه المسألة اليهودية التي خلقها الاستعمار الغربي في قلب العالم العربي، والمتمثلة بدولة علمانية ديمقراطية تكفل المساواة لليهود كمواطنيبن كاملين، على أنقاض نظام الاستعمار والفصل العنصري.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص