هم يستعدّون لقمع الاحتجاجات المقبلة... فماذا عنّا؟

هم يستعدّون لقمع الاحتجاجات المقبلة... فماذا عنّا؟

منذ انخفاض حدّة المواجهة في الشارع الفلسطيني مع قوات الاحتلال الإسرائيلية في الداخل والقدس والضفة نتيجة حملة شرسة من الانتقام، وإسرائيل لم تغف لها عين، فهي تعمل كخليّة النحل بتناسق تامّ بين أذرعها العسكرية والاستخباراتية والشُرطيّة، استعدادا للمواجهة المقبلة مع الفلسطينيين على كل الجبهات.

وتستخلص إسرائيل عبرًا كثيرة من "هبّة الكرامة"، أهمّها؛ تصنيف الدّاخل على أنه "جبهة مواجهة" وأن شوارع رئيسية قد تعرقِل قوات جيش الاحتلال في طريقها لحرب على الجبهة الشمالية نتيجة الاحتجاجات، وضرورة تعزيز أحياء المدن الفلسطينية الساحلية المختلطة، بوحدات خاصة من "حرس الحدود"، لقمع المحتجين.

وتتوقّع إسرائيل وقياداتها العسكريّة أن المواجهة القادمة ستكون أشدّ وقعا عليها، فهي ترسم كل هذه السيناريوهات وتعدّ هذه الخطط لتبرر قمعها، ثم تجهّز قواتها عسكريا ونفسيا بأن الداخل الفلسطيني لا يختلف عن أماكن أخرى في الضفة الغربية والقدس المحتلتين في لحظة المواجهة، وعليه يترتّب القمع بنفس الأساليب.

شعر الاحتلال لأيام وساعات طويلة أنه فقد السيادة على أحياء ومدن بذاتها، فكان الصراخ على قدر الوجع، وكان القمع شديدًا والاعتقالات بالجملة، لذلك، يلاحق طيفُ أيار الاحتلال وأجهزته، فهو يشعر بضرورة الاستعداد السريع قبل المباغتة القادمة التي يتوقّع أنها ليست بعيدة.

مشهد من الهبّة

بينما كنا نجتمع للاحتجاج ثاني أيام عيد الأضحى المبارك في أيار/ مايو 2021، كان عدد الأطفال الحاضرين مساويا للشبان تقريبا، وغالبيتهم أطفال بين 9 - 10 أعوام. في آخر الطريق وبين الأحراش كانت تنتظرنا قوة شرطيّة مدجّجة بالسلاح وبأدوات القمع.

عين عليهم وأخرى على الأطفال، تقف بحيْرتك؛ هل ستمنع الأطفال من المشاركة بالاحتجاج خوفا عليهم؟ (وبهذا تلعب دور الاحتلال بقمع النفسية الثائرة) أم تتركهم يشاركون الشبان في الاحتجاجات؟

هؤلاء الأطفال كانوا يعيشون تفاصيل الأحداث عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم يقرؤوا كتبا عن الاستعمار وسبُل النضال والمقاومة للتحرُّر، بل شاهدوا الظلم والانتهاك والعدوان والسرقة، فانتفضوا رغم إدراكهم لمخاطر الاحتجاج في ظلّ استشراس قوات الاحتلال. ورفض الأطفال الاستماع للشبان بالعودة إلى البلدة وشاركوا بالاحتجاج.

المواجهة القادمة

لمثل هذه المواقف وغيرها، على البلدات بحراكاتها الشبابية التي انبثقت عن الهبّة وما قبلها (بالرغم من خفوت حضورها، لكنه بطبيعة الحال لانخفاض حدة المواجهة)، أن تعمل هي الأخرى كخلية النحل التي لا تستكين (في ظل غياب الأحزاب بين الشبان، والتي يُفتَرَض أن تُرشد وتوجّه وتعلّم كما كانت مرة، بل في ظلّ انصهار شبان الأحزاب في الحراكات)؛ فتقع مسؤولية التعبئة المعرفية لطبيعة الاحتجاج والحقّ به، والإرشادات حول كيفيّة تجنّب الاعتقال، والتوجيهات للتصرّف أثناء الاعتقال والتحقيق، والعمل على تشكيل لجان إسعاف أوليّة ميدانيّة، والعمل على توحيد الشعارات والهتافات، وتشكيل طاقم محامين محليين متطوعين، والاستعداد للمبادرة والإبداع في دعم الاقتصاد الوطني المحلي، كلها على الشبان دون انتظار أحد، فهذا هو زادنا، العدّة والعتاد هم الأجساد والهِمَم.

فبالعودة إلى الأطفال الذين ذكرتهم سلفًا، فهم كانوا ظاهرة في كل البلدات، تأمّل عيونهم وشاهد كمّ الأمل والشجاعة والبطولة، فلا حواجز خوف لديهم مثل التي كانت عندنا قبل أن نكسرها، فمِن هؤلاء إسرائيل قلقة وبهؤلاء نحن نقوى، فعلينا الاستفادة من شجاعتهم والإفادة بتجربتنا.

في المحصّلة، أخفقت إسرائيل مرّة أخرى بتشويه الوعي الفلسطيني في هذه المحطة الأخرى من محطات نضال شعبنا، وبعد أن أدركت ذلك، أطلقت على الاحتجاجات والمواجهات في الداخل الفلسطيني اسم "جبهة" المواجهة الداخلية، وهذا اسم عسكري حربي فهذه المرّة، كانت إسرائيل أكثر صراحة في علاقتها مع مواطنيها غير اليهود، فحين ما تشنّ حربًا على غزة فهي تشنّها علينا أيضًا، فما ظلّ في ذهني من درس الفيزياء الأول في المدرسة أن، "لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه".

اقرأ/ي أيضًا | لمَ العجب؟

بودكاست عرب 48