ورطة "غوي السبت"

ورطة "غوي السبت"

منصور عباس في ورطة. هذا ظاهر في سلوكه في الإعلام وتصريحاته. يبدو عصبيًا منهكًا. يشرق ويغرب في كلامه. لا يعرف مصير نهجه. فقمّة الغباء أن تربط مشروعك السياسي برضا من يراك عدوًا، سواءً أييليت شاكيد، أو نفتالي بينيت، أو بنيامين نتنياهو. من الخِسّة أن تربط حقوق شعبك برضا أحزاب عنصرية سواء كانت يمينية أو تلك التابعة إلى ما يُسمّى بـ"اليمين – الوسط". هذه أولى أزماته. مصيره مرتبط بمزاج العنصريين في اليمين و"اليسار". اليوم بالنسبة لهم هو "شرعي" لإسقاط نتنياهو رغم أن اليمين يهيمن على الكنيست. لكن اليمين لا يريد منصور عباس ولا حركته. رفض بن غفير الشراكة معه.

وعنتريات وليد طه في الكنيست، ليست إلا تجسيدًا لهذه الورطة. فهو يظن أنه يملك القوة برئاسته للجنة الداخلية البرلمانية، لكن الإجماع الصهيوني أقوى منه.

تحوّل هذا النهج إلى حالة "غوي السبت" في العقيدة اليهودية الدينية؛ وهو ذاك الشخص غير اليهودي الذي يقوم بالمهام الاضطرارية بدلا عن اليهودي في أيام السبت المقدسة. كان أهالي صفد قبل النكبة يقومون بالمهام الاضطرارية لجيرانهم اليهود أيام السبت بكل كرم ورحابة صدر، مثل إشعال النار أو الضوء في ساعات الغروب لليهود أبناء المدينة، لكن هذا لم يشفع لهم، إذ إنّ مصيرهم كان التهجير والقتل. منصور عباس ليس مثل هؤلاء، فهو ينتظر المقابل لهذه المهمة، لكن المقابل أقلّ بقليل مما توقّع. بالنهاية هو عربي فلسطينيّ ومسلم ومصيره الطرد، الطرد من الائتلاف والإجماع الصهيوني. لأن "غوي السبت" تنتهي الحاجة إليه بعد غروب الشمس.

والورطة بالنسبة إليه ليست فقط في أنه لم يحقق توقعاته في استطلاعات الرأي لجهة عدد مقاعد قائمته المتوقَّعة، فهي ما تزال تراوح مكانها، والقائمة المشتركة كذلك. حتى لو زادت المقاعد فهي ليست نهاية المطاف. مشكلة منصور عباس تتمثّل في أنه لم يستطع بناء تيّار سياسيّ حقيقيّ لنهجه، فلم يستطع بناء قواعد عريضة وطويلة الأمد حول حركته من صحافيين وأكاديميين ومثقفين. حاليًا هو يحاول فعل ذلك من خلال استغلال موارد حركته المختلفة، وهي كثيرة، لكنه لم يستطع بناء مشهد سياسيّ وثقافيّ وإعلاميّ جديّ وحقيقيّ. معظمه بالفلوس فقط، أي غير راسخ رغم أن عمر حركته، نحو أربعة عقود.

أزمة منصور عباس بأنه لا يملك مشروعًا، فـ"تحقيق" الميزانيات ليس مشروعًا، لأنه يبقى مرتبطًا ومعلَّقًا برغبة ومزاج "السيّد"، ومشروعه على طريقة "الفاست فود" أو "الجانك فود" أي الأكل السريع المضِرّ. وكذلك المشهد المحيط بنهجه الذي يحاول إقامته كذلك، سواءً إعلاميًا أو ثقافيًا أو غيره. كله "فاست فود". لا يُشبع طويلا ويكون مصطَنعا وليس أكلا حقيقيًا.

قام نهج منصور عباس على "الفاست فود" و"غوي شبات"، وسمّى ذلك "بيضة القبّان". لكن للبيضة تاريخ انتهاء صلاحية الاستخدام، يحدّدها المنتِج وليس البيضة! وفي هذه الحالة ليس هو أو جمهوره، بل المؤسسة الحاكمة. أضرار "الفاست فود" كثيرة حتى لو أعطت شعورًا مؤقتًا بالشبع.

لذا، يلجأ منصور عباس لتأكيد الطاعة لسيّده كل صباح. يعترف بإسرائيل دولةً يهوديةً، يدافع عن المستوطنين المتطرفين الذين ينكلون بالفلسطينيين في الضفة، يؤيد اتفاقيات "أبراهام" المعادية لشعبه، وليس فقط لحقوقه، وهي أشبه بالعقيدة الكتائبيّة اللبنانيّة المعادية للهويّة العربيّة والفلسطينيّة.

إسرائيل لم تقُم دولة يهودية، بل قامت على التهجير والطرد والقتل الجماعيّ لتصبح يهوديّة. تخلصت من أجدادنا وأهلنا لتصبح يهوديّة ديمغرافيًا ودستوريًا - قانونيًا. هذه هي الحقيقة، وشكلت نظاما استعماريًّا استيطانيًّا يحكم البلاد بطولها وعرضها بواسطة الفصل العنصريّ – الأبرتهايد. هذه الحقيقة ولا غيرها. أما أن يقول إنها قامت يهوديّة وستبقى كذلك –حتى لو بحكم الأمر الواقع الحالي– فإن ذلك ليس تزييفا للحقائق فقط، بل إنه تزييف للوعي كذلك، وهذا ما يبدو أنّ منصور عباس مرّ به منذ زمن طويل. وهذه مهمته: تزييف الوعي.

من ربَطَ مصيره بقادة نظام الاستعمار والفصل العنصريّ والقتل والتهجير، مصيره لن يكون مشرقًا. الحلال بيّن والحرام بيّن.

اقرأ/ي أيضًا | من الهجيج إلى التهريج

اقرأ/ي أيضًا | الهدوء الإسرائيليّ

بودكاست عرب 48