مونديال قطر.. والانتماء العروبي والإنساني

مونديال قطر.. والانتماء العروبي والإنساني

افتتاح دورة ألعاب كأس العالم في الدوحة بهذه الصورة المهيبة والأصيلة، فخر لكل عربي ولكل مواطن من دول العالم الثالث، فقد برهنوا بهذا أن الشُّعوب تُبدع عندما تمنح لها الفرَص، وقادرة أن تتفوّق في الذوق والجمال، والأهم في الرسالة الحضارية الإنسانية التي ترسلها إلى البشرية، رسالة المحبة والتآخي والمساواة بين البشر، ورفض العدوان بكل أشكاله.

شكرًا قطر، قالها قبلنا كثيرون، حتى أولئك الذين يعادونها اليوم، قالوا شكرًا يوم دعمتهم بأموالها ومواقفها.

نعيدها اليوم ونقول، شكرًا قَطر، لأنّك قدّمت نموذجًا طيّبا للانتماء العروبي والإنساني.

إلا أنّ الوقاحة رفضت إلا أن تفارق أهلها، ولا يتقنها أحد أكثر من أولئك المغرورين الذين يعتقدون أنهم مسؤولون عن أخلاقيات العالم، وبأنهم أعلى مستوى من الآخرين!

وقاحة لا تُحتمل عندما يتحدّثون عن حقوق الإنسان وحقوق العُمّال في قطر، في الوقت الذي يُحشر فيه العمال وحتى الأطفال القادمون للعمل والعلاج من الضفة الغربية ومن قطاع غزة على الحواجز والمعابر في ظروف يندى لها جبين البشرية.

وقاحة أن يتفوّه بحقوق الإنسان من صوّت في بلده نصف مليون إنسان لنهج فاشي إجرامي، يتوعد ويهدّد الناس بترحيلهم من بيوتهم، وقتل من يقاوم منهم ولو بحجر.

وقاحة أن يتحدّث هؤلاء عن القِيّم في اليوم الذي يقوم فيه ألوف المستوطنين باقتحام مدينة الخليل، ويعتدون على أهلها وحُرماتها.

وقاحة الحديث عن الحرية، في بلد قضى ويقضي في سجونه مئات الآلاف من أسرى الحرِّية.

وقاحة الحديث عن الذّوق والأدب وحرّية الإنسان، في بلد يهتف فيه جمهور كرة القدم "الموتُ للعرب" بلا حسيب ولا رقيب.

وقاحة الحديث عن الإنسانية، عندما تُنشر في مواقع إلكترونية وعلى صفحات "فيسبوك" و"تويتر" تعقيبات مئات الإسرائيليين بالفرح والسُّرور لمقتل أكثر من عشرين فلسطينيا من عائلة واحدة في حريق ومن بينهم أطفال.

أراد الغرب تشويه صورة قطر، وأن يفرض عليها أخلاقياته، أراد أن يُحرج مسؤوليها، فتحدثوا عن الرّشوات، ثم عن عجز قطر، ثم عن حقوق الإنسان، ثم أرسلوا طائرة من ألمانيا تحمل ألوان علم المثليين، ولكنَّ قطر أعادتها انطلاقًا من تقاليدها وعقيدتها المحلّية.

من حق ألمانيا أن تتحمّس للمثليين فهذا شأنها، ولكنها تصمت وتدعم ما تقوم به دولة إسرائيل من حصار لقطاع غزة واستيطان في الضفة ومن قتل للفلسطينيين من دون أي حساسية، اللهم إلا بعض ملاحظات هامشية بالقطّارة بين حين وآخر.

فشلوا في فرض ثقافتهم ومشيئتهم ووقاحتهم على قطر فقرّروا معاقبتها.

فجأة أصبحت قطر هي الأكثر تلويثا للأقاليم في العالم، وأن المونديال سوف يُخلف وراءه تلوُّثا تبكي الأجيال من بعده، حسب خبراء من جامعة تل أبيب نشروه في ملحق (كلكليست) الاقتصادي يوم الأحد الأخير.

لو أن قطر طاوعتهم بما يريدون لتحدثوا عن أعظم إنجازات كرة القدم في التاريخ.

بعد انتهاء الألعاب، ستتبرع قطر بجزء من مدرّجات ملاعبها إلى دول فقيرة، هذه أيضًا أصبحت جريمة بيئية.

الغريب أن يتحدّثوا عن أن الطائرات التي تنقل الناس إلى الدوحة تلوث الأجواء، يا سلام... فعلا الطائرات لا تلوث الفضاء إلا إذا كانت متجهة إلى قطر، وكذلك المكيفات.. أي انحطاط وغرور هذا الذي يسيطر على هؤلاء الذين يستكثرون على بلد عربي غنيٍ أن يستضيف المونديال! وأكثر من هذا، يشكك "الخبراء" من جامعة تل أبيب بنجاح زراعة الأشجار التي وعدت قطر بزراعتها للتخفيف من التلوث البيئي! وذلك بحسب رأيهم بسبب الطقس الصحراوي! مُضحك والله، وكأن الطقس الصحراوي مفاجأة لم تتوقعها قطر؟

المشكلة الحقيقية مع إسرائيل والغرب الذي يلعب في ملعبها وتلعب في ملعبه، أنهم لا يتقبّلون أن تقدّم قطر تراثها العربي والإسلامي وأن تتباهى به، لا يتقبّلون التباهي بالخيمة والمشربية وبأشرعة السُّفن التي أنشأت المدرّجات على شكلها.

لا يتقبلون رفضها تحويل الدوحة إلى خمارة وماخور، ولا يتقبّلون أن تتحوّل الكوفية والعقال رمزا للسلام والمحبة، بعدما عملوا عقودا في إعلامهم وأفلامهم لتكريس الكوفية واللّباس العربي كرمز للإرهاب.

قطر على الرغم من صغرها عددًا ومساحة، قالت إن لها شخصيتها وتراثها الذي تعتز به، كلّ عربي غيور مع قطر، مع هذا البلد الصغير في حجمه الكبير في إنجازاته وإبداعاته وعطائه.

بودكاست عرب 48