في أسباب ما عليه حزب العمل الإسرائيلي

في أسباب ما عليه حزب العمل الإسرائيلي

استمرارًا لقراءة حول نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت يوم 1 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، يجب التوقف عند مآل حزب العمل الإسرائيلي، الذي تحوّل إلى الحزب الأصغر في الكنيست الجديد المنتخب (أربعة مقاعد)، وهو سليل الحزب المؤسس لدولة الاحتلال، وكان الحزب الحاكم بين الأعوام 1948 و1977 و1992 و1996 و1999 و2001.

وقد لا تتيسر في هذه العجالة الإحاطة بكل أسباب هذا المآل، ولكن أبرزها ما يوصف حتى من محللين إسرائيليين بأنه سيطرة هاجس الأمن الاستحواذي عليه، والذي صار إلى تعمّق بعد الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000- 2004)، وعقب الحروب الإسرائيلية المتكرّرة على قطاع غزة بدءًا من عام 2008.

منذ تلك الانتفاضة، فإن ما يمكن استنتاجه بالنسبة إلى هذا الحزب، الذي سبق له، قبل نحو ثلاثة عقود، أن قرّر السير في طريق التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، بغض النظر عن الغايات الخبيثة التي تطلع إلى تحقيقها، هو ما يلي: باعتباره "ذا التزام أمني" و"واجب وطنيّ" لا يقوم حزب العمل بالاعتراض على خطوات وإجراءات أمنية تدافع، في الظاهر، عن سكان إسرائيل، لكنها في العُمق تزيد من تمدّد الاحتلال والسيطرة على الفلسطينيين في أراضي 1967، وتتسبّب برصد مزيد من الميزانيات، وباكتساب المستوطنين الكولونيين فائضًا من القوة والتأثير والمكانة الاعتبارية الاجتماعية.

ويتوقع هذا الحزب من الفلسطينيين، بموازاة ذلك، أن يتخلوا عن "الإرهاب" أولًا. ومصطلح "الإرهاب" لديه فضفاض ومن دون ضفاف، ويمكن أن يحصُر في شرنقته كل أعمال المقاومة للجنود والمستوطنين الإسرائيليين. ومجرّد ذلك سهّل ولا يزال يسهّل على اليمين الإسرائيلي مهمة إقناع الجمهور العريض باختيار "السلام مع الأمن". وبموجب ما يؤكّد منتقدو هذا الحزب، حتى في أوساط الإسرائيليين أنفسهم، فإن تحقيق هدف انهيار مشروع الاحتلال في أراضي 1967 لا بُدّ من أن يعتمد، ضمن أشياء أخرى كثيرة، على الانتقادات الشاملة الموجّهة إلى جهاز الأمن، في حين أن حزب العمل يفضّل التحدّث عن "أعمال شاذّة" في ممارسات الجيش الإسرائيلي وتأييد المراحل الأولى من الحروب المدمّرة على نحو شبه أعمى. وما في الوسع ملاحظته أن اليمين الإسرائيلي شخّص بدوره هذه النقطة بالذات، وانتقل من خطاب "أرض إسرائيل الكبرى" إلى ممارسة خطاب أمني يعزّز قوة الهيكلية القائمة، ويعزف على أوتار الخوف القديم الكامن في نفوس الناس.

تجدر الإشارة كذلك إلى أن "العمل" هو الذي سكّ على لسان رئيسه السابق، إيهود باراك، شعار "عدم وجود شريك فلسطيني للسلام" (عام 2000)، وساهم تأييده خطة فك الارتباط عن قطاع غزة بصورة أحادية الجانب، والتي صاغها رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، أريئيل شارون، عام 2005، في تكريس هذا الشعار.

وهناك دائرة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بحزب العمل أغلقت هي أيضًا، طلاقه البائن مما يسمى بـ"اليسار الصهيوني". ففي مؤتمر الحزب الذي عُقد عشية الانتخابات الإسرائيلية عام 2015، قال رئيس الحزب في ذلك الوقت، يتسحاق هرتسوغ (رئيس الدولة الحالي)، إن الطريق الوحيدة لتغيير بنيامين نتنياهو تكمن في إعادة حزب العمل إلى طريقه الأصلية، وهي ليست طريق اليمين ولا اليسار، بل طريق الوسط. ولم تكن هذه أول مرة يشنّ فيها رؤساء "العمل" هجومًا حادًّا على اليسار، ففي معرض الردّ على حملة نقدٍ وُجهّت إلى رئيس الحزب السابق، إيهود باراك، من جرّاء معارضته إجراء تحقيقاتٍ داخليةٍ عن فظائع الجيش الإسرائيلي ضد السكان المدنيين الفلسطينيين في غزة، إثر صدور تقرير لجنة غولدستون الأممية (عام 2009)، هاجم "اليسار الصهيوني" واتهمه بـ"النزعة الطفولية". وباراك نفسه هو من أطلق توصيف "فيللا في غابة" على إسرائيل، والذي استخدمـه نتنياهو من بعده لإعلان إستراتيجيةٍ تقوم على أساس تحصين إسرائيل، من خلال تغليفها بجدار أمني مكثف لحمايتها من "الحيوانات المفترسة" الساعية إلى التهامها.

بودكاست عرب 48