طبرية: بُحيرة موت معلن...

طبرية: بُحيرة موت معلن...

سهيل كيوان

ما أن تطل علينا البحيرة الزرقاء حتى نتذكر بيت شعر المتنبي: "وردٌ إذا ورد البحيرة شاربًا... ورد الفرات زئيرُه والنيلا".

دار حوار شيّقٌ قبل عام، بين ناقدين قديرين حول مكانة "شاربًا" من الإعراب في هذا البيت، وهما الأستاذان فاروق مواسي وإبراهيم طه.

من أقدم بلدات فلسطين،كانت قرية كنعانية، ثم وسعها الرومان وأطلقوا عليها إسم القيصر الروماني تيباريوس، فيها تراث روماني ومسيحي وإسلامي ويهودي، وكانت بلدا مختلطا حتى عام النكبة حيث طُرد العرب منها.

ليس هذا موضوعنا، بل البحيرة التي بات أمر اختطافها لواحد من شباننا تقليدًا سنويًا، قد يتكرر في الموسم الواحد أكثر من مرة، حتى صار يشبه موتا معلنا سلفًا.

عندما نقرأ أو نسمع عن حادثة غرق في طبرية ونبحث، نجد أن عائلة أو أصدقاء أو زملاء في مكان عمل ما، أتوا في رحلة استجمام ليحتفلوا معا في يوم انبساط، وخلال الاحتفال ينزل بعضهم أو أحدهم إلى الماء ليبترد، بعد الطعام والشراب، وفجأة تقع الكارثة، قد تكون على بعد أمتار قليلة من الشاطئ، يختفي أحدهم تحت سطح الماء ولا يظهر من جديد، وتبدأ عملية البحث عنه ومحاولة إخراجه من الماء قبل فوات الأوان، وتمر الدقائق ويتضاءل الأمل، ثم تمر الساعات ويصبح الأمل فقط هو العثور على الجثة، فالمياه العذبة، خصوصًا إذا كانت باردة، لا تقذف الجثة إلى سطح الماء بسرعة.

بعد أن لا ينفع الندم نجد من يقول: لقد حذّرته من مغبة النزول إلى الماء، لكنه قال إنه سبّاح ماهر، لقد توقعت هذه الكارثة.

وفي كثير من هذه الاحتفالات يكون طعام وشراب كحولي، بيرة أو غيرها، يؤدي بالشّبان إلى فقدان التقدير الصحيح لقدراتهم على العوم، فيظن بعضهم أنه سباح ماهر لمجرد قدرته على العوم في بركة مغلقة، وقد يدخل البعض كتحدٍ لرفاقه، أو لإظهار رجولة بأنه لا يخشى من الغرق.

إلى فقدان إنسان عزيز، فإن حادثة كهذه تبقى جرحًا عميقا لا يندمل في حياة الأسرة، وقد تؤثر على كل مجرى حياتها، وتؤثر على حياة الأصدقاء الذين رافقوا الفقيد حتى الدقائق الأخيرة من حياته، وتعكّر صفو معيشة الكثيرين، وتتحول البحيرة الجميلة إلى كابوس، يتجنبون العودة إليها، لأنها تذكرهم بعزيز فقدوه في مياهها.

لا يوجد على شواطئ طبرية تدرّج سلس، من ضحل إلى أعمق، هذا ما يمكن كشفه بسرعة، فبعد دخول الماء مباشرة قد تسقط في حفرة بعمق عدة أمتار، أو تتعثر بصخرة، أو نباتات وقاذورات، وهذا يعني أنك منذ لحظة دخولك الماء لا تستطيع الإستراحة، وعليك أن تعوم، وتبذل جهدًا كبيرًا حتى لحظة خروجك من الماء.

يزداد الأمر خطورة في ساعات العصر، حيث يختلف مجرى الرياح وقوّتها، وتصبح قادرة على قلب طوّافات صغيرة أو حملها بعيدًا عن الشاطئ أو التسبب بالإجهاد لمن يسبح.

قد يثق البعض بطوّافة منفوخة، وهو لا يجيد السباحة جيدًا، فإذا سقط عنها تورّط، وقد تكون نهايته.

ما أن نسمع الخبر حتى نحدس بأن الضحية عربي، لماذا؟ ببساطة لأن لدى العرب استهتارًا مقلقا بالتحذيرات عمومًا، وبالمخاطر على الشواطئ بشكل خاص.

بلا شك أن شواطئ طبريا جميلة للجلوس والمسامرة، وإذا كان لا بد من السباحة فيجب أن تكون في الأماكن المراقبة الرسمية فقط.

مشكلة البعض أنه يريد تدخين الأرجيلة، والأمكنة المنظمة التي يعمل فيها منقذون لا تسمح بالأرجيلة، ولهذا يذهبون للبحث عن الشواطئ المفتوحة الخطرة.

من جهة أخرى فقد انتشر في العقدين الأخيرين تعليم السباحة لجميع الأجيال، للفتيات والفتيان، وهذا ممتاز، وكلما كان التعلّم أبكر كان أفضل ويقي من المخاطر، وقد يخفف من أعداد ضحايا الغرق حاضرًا ومستقبلا، لكن علينا الحذر بأنه ليس كل من يستطيع العوم بضعة أمتار في بركة، بقدرته الدخول إلى العمق في بحر أو بحيرة بنتيجة مضمونة، فالكثيرون ممن يظنون أنهم ماهرون، تبعدهم التيارات الهوائية والمائية القوية إلى الأعماق حتى يتعبوا ويغرقوا.

شبابنا أن يدركوا، بأن السّباحة في مكان خطر ليست مقياسا للرجولة، فالبحر يُغرق البواخر العملاقة، والأساطيل، والغواصات، وكثير من الغطاسين وأبطال السباحة والبحّارين قضوا غرقا.

ضحايا البحر المتوسط، أقل بكثير من ضحايا طبرية، فالشواطئ، وخصوصًا الرملية أقل خطرًا، معظمها خالية من الحفر المفاجئة، مثل شاطئ عكا التابع للبلدية الذي يدخله السابح بتدرّج من الضحل إلى الأعمق، ويستطيع تحديد المكان الذي يقف فيه داخل الماء، وبدفعة صغيرة يبتعد عن الخطر، إضافة إلى أن أكثر الشواطئ فيها رقابة وخدمات إنقاذ ونظافة، من الصباح الباكر حتى السادسة قبيل المغرب، وهذا يقلل كثيرًا من مخاطر السّباحة، حيث يجري توجيه المستجمّين من قبل المراقبين، وإعلامهم عن المواقع الخطرة وحركة الأمواج والتيارات والحوامات إذا وُجدت.

واجبنا أن نقلّص إلى الحد الأقصى من مأساة الشواطئ ،وهذا يأتي من خلال السباحة في الأمكنة المرخصة فقط، وحيث يوجد منقذون، كذلك من خلال تحمّل المسؤولية على أنفسنا والمحيطين بنا، وأن نتذكر بأن الدخول إلى الماء العميق ليس قبضنة، ولا هو معيار للرجولة، بل هي مخاطرة ومغامرة بأرواحنا وسعادة أبناء أسرنا وأصدقائنا.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018