فلسطين واليسار العالمي

فلسطين واليسار العالمي

نمر سلطاني

باتت المهمة الملحّة في أيامنا هذه إنقاذ فلسطين من براثن اليمين الفلسطيني ومركزتها في خطاب وممارسة اليسار العالمي. ذلك أن فلسطين بدون اليسار هي تناقض في مفهوم فلسطين، واليسار بدون فلسطين هو تناقض في مفهوم اليسار. 

شاهدنا في الآونة الأخيرة العديد من الأمثلة على كون فلسطين الخط الفاصل ما بين اليسار واليمين في العالم. في مظاهرة عشرات الآلاف ضد ترامب في لندن يوم 13 يوليو/تموز الماضي ارتفعت العديد من الأعلام الفلسطينية وترددت الهتافات من أجل فلسطين. الأمر ذاته يتكرر في مباريات فريق سيلتكس الاسكتلندي الذي تتكون جماهير مشجعيه عموماً من المهاجرين ذوي الأصول الأيرلندية. كما يقوم القياديان اليساريان جيرمي كوربين في بريطانيا وبيرني ساندرز في أميركا من حين إلى آخر بانتقاد السياسات الإسرائيلية والانحياز الأميركي لإسرائيل. 

بالمقابل، تتواصل سيرورة تكامل الصهيونية مضمونا (كمشروع يميني معاد للشعوب ومرتبط بالاستعمار) مع الشكل (بعد نفض الغلاف الليبرالي واليساري السابق). فمثلا، يدعم الصهاينة دونالد ترامب وسياساته الحمقاء (وذلك يعني دعم سياساته الاقتصادية لإغناء الأغنياء وابتزاز الدول الضعيفة)، ويحاربون جيرمي كوربين لإحباط قيادته لحرب العمال البريطاني (مما يعني أيضا إحباط سياساته للعدالة الاجتماعية). إضافة إلى ذلك، تبيع إسرائيل الخبرة الأمنية والسلاح للأنظمة القمعية في أفريقيا وأميركا اللاتينية (مثلما باعت في السابق لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا). وأخيرا، يتحالف الصهاينة مع اليمين المعادي للإسلام والمهاجرين في أوروبا وأميركا رغم لاسامية بعض أوساط هذا اليمين الفاشي. 

مشجعو سيلتكس

فلسطين في اليسار 

ما تدلّ عليه هذه الأمثلة وغيرها الكثير هو أن فلسطين واليسار مرتبطان عضويا، ويجب أن يكونا كذلك. إن أي تحليل لقضية فلسطين عليه أن يقود إلى اليسار، وأي تحليل لماهية ودور اليسار في العالم اليوم عليه أن يقود إلى مركزة القضية الفلسطينية كتجسيد لمبادئ اليسار وكمثال صارخ لما يعارضه. فإذا كان اليسار يعارض تاريخ الاستعمار البريطاني وحاضر الاستعمار الصهيوني والإمبريالية الأميركية ويدعم حق الشعوب في تقرير مصيرها واستغلال مواردها لمصلحتها، فهو بلا شك داعم لقضية فلسطين. وإذا كان هذا اليسار يعارض التمييز العرقي والفصل العنصري ويطالب بالمساواة، فهو بلا شك داعم لقضية فلسطين. وإذا كان هذا اليسار يدعم حقوق المهاجرين واللاجئين والمستضعفين في الأرض، فهو بلا شك داعم لقضية شعب ذاقت غالبيته مرارة اللجوء والشتات. وإذا كان هذا اليسار يفخر بالتراث الثوري والمُقاوم بالسلاح والتضحية والكلمة والأغنية، فإن الشعب الفلسطيني قد قدّم مساهمة غنية لهذا التراث على مدى عقود. 

لذا ليس غريباً أن يكون داعمو فلسطين هم من اليساريين الذي يناضلون من أجل العدالة السياسية والاجتماعية في بلدانهم. قد يكون المتضامن ناشطاً طلابياً في جامعة أميركية أو مناضلا من أجل حقوق السود في الولايات المتحدة أو نقابيا في بريطانيا أو ناشطا من أجل حقوق السكان الأصلانيين في كندا أو ثائرا من الزاباتيستا في تشياباس بالمكسيك. وليس غريبا أن يكون الكاثوليكي الأيرلندي داعماً لحرية الشعب الفلسطيني لأنه معارض للاستعمار البريطاني في بلده هو وعانى من هذا الاستعمار مثلما عانى الفلسطيني تماماً (حيث إن الاستعمار البريطاني استعمل أحيانا نفس فرق القمع ضد الإيرلنديين والفلسطينيين). 

بطبيعة الحال، ليس كل من يدعم فلسطين هو يساري وليس كل من يطلق على نفسه لقب يساري يدعم فلسطين. الكثير من داعمي فلسطين في بريطانيا مثلا هم من المهاجرين المسلمين وليس كل هؤلاء يساريين وليست دوافعهم لدعم فلسطين هي يسارية بل قد تكون دينية، وبالتالي متعارضة إلى حد ما مع أطروحات اليسار والتي تستوجب بالضرورة فصل الدين عن الدولة وترفض استخدام الخطاب الديني لتبرير الظلم أو التمييز أو الإقصاء. لكن معاداة اليسار هي ليست للدين، وإنما للظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تؤدي إلى اغتراب الناس عن واقعهم. ومن هنا أيضا، إشكالية الخطاب الديني تحليله الخاطئ لمعنى قضية فلسطين. حتى لو التقى هذا الخطاب في الشكل دعماً لفلسطين فهو مختلف بالمضمون. 

من ناحية أخرى، العديد من الذين يدّعون الانتماء إلى اليسار لا يدعمون القضية الفلسطينية أو يفضلون عدم الخوض بالموضوع والاهتمام فقط بمواضيع عينية وضيقة مثل البيئة والسلاح النووي والفحم الحجري. وهنا أيضا يبتعد المضمون عن الشكل. ذلك أنّ الفكر اليساري الحق هو الذي يرى العلاقة الجدلية بين الفكر والممارسة، لا الذي يتدثر بالتجريد العالي للمبادئ والقيم مثل العدالة والمساواة ثم يتهرب من تطبيقاتها في حالات تاريخية عينية مثل فلسطين تحت شتى المسميات. كما أن الفكر اليساري الحق لا ينضوي تحت لواء التذرير الذي يجعل من الناس مجرد مختزلين إلى أدوار (مستهلك، موظف، أب، زوجة، امرأة، مهاجر الخ) ويفتت مشاكل المجتمع من سياسات عامة ومبنى عام إلى تخصصات فرعية منفصلة (الصحة، التعليم، الخ) ويتحول من الحراك السياسي في الأحزاب إلى المهني في الجمعيات وينزوي عن التنظيم إلى النشاط على وسائل الاتصال (لا التواصل) الاجتماعي. اليساري الحقّ هو الذي يصل إلى درجة من الوعي تمكنه من رؤية الترابط بين التطورات المختلفة في المجتمع وبالتالي يتجاوز اختزاله إلى دور محدد وضيق نحو كائن متكامل وعضو فاعل في المجتمع. هذا اليساري يناضل ليس فقط ضد الضرر الواقع عليه كمستهلك أو كمهاجر أو كامرأة أو كعامل، وإنما ضد جذور هذا الظلم ومصادره. 

الترابط ووحدة المقهورين 

هذا الترابط هو نفسه الذي يجعل من الممكن فهم فلسطين ليس كحالة تاريخية بعيدة جغرافياً، بل كمثال على دور المنظومة الدولية في تكريس الظلم وضمان استمراريته. وهو الترابط نفسه الذي يمكّن الفلسطيني أن يرى أن الظلم الواقع عليه يحتّم عليه أن يتضامن مع باقي المستضعفين بالأرض ومحاولة التعاون معهم والاستعانة بهم ومساعدتهم. فقد تعددت أشكال الظلم ولا بدّ من وحدة المقهورين. 

لكن هذا الدعم والتضامن ليس مفهوماً مسبقاً ولا يجب افتراضه. كل الشعوب لها همومها اليومية والقومية ولا بد من تثقيف الذات والآخر وتنظيم حركات الاحتجاج والتضامن من أجل الوصول إلى الوعي المطلوب. تقوم المجتمعات الليبرالية الرأسمالية بالتركيز على الانتماءات الفردية لا الجماعية والمصلحة الخاصة لا العامة.

ويزداد نفي المصلحة العامة في الدول النيوليبرالية (أي تلك التي ترفض دولة الرفاه الاجتماعي) إلى درجة نفي وجود المجتمع أصلاً (على حد تعبير مارغريت تاتشر، رئيسة حكومة بريطانيا سابقاً). هذا النظام يزيد من الاغتراب بين أبناء المجتمع نفسه ويشيطن المهاجرين والعمال والفقراء ويحاول القضاء على التضامنيات الاجتماعية على شاكلة نقابات العمال. من هنا قد لا يتضامن المواطن مع أبناء بلده نفسه، فكم بالحريّ مع الفلسطينيين. ولذا لا بدّ من التنظيم والتثقيف للوصول إلى هؤلاء الناس. ومثال ذلك ما تقوم به حركات التضامن المحلية والطلابية ومنظمات حقوقية وحركة المقاطعة وأسبوع الأبرتهايد الإسرائيلي المنتشر بعشرات الجامعات منذ ما ينيف على العقد. 

أما الفلسطيني الذي لا يثقف نفسه ولا يتضامن مع معاناة ونضالات الشعوب الأخرى (والذي قد يكون مستعدا للتحالف أو منافقة أو استجداء الأنظمة التي تغتصب إرادة هؤلاء الناس وتهضم حقوقهم، ظنّا منه أن في ذلك ما يصبّ في مصلحته) فلا يستطيع أن يلومنّ أحدًا على عدم التضامن معه. فليس التضامن حركة باتجاه واحد فحسب، بل على المتلقي أن يساهم بالعطاء. 

من السهل الإشارة إلى أن الترابط حاضرٌ ليس فقط في مصادر الظلم بل أيضا في التشابه في وسائل وأدوات المقاومة. قد لا يعرف الكثير من المتظاهرين الفلسطينيين أن الشعارات التي يرددونها ضد الاحتلال والبطش الإسرائيلي هي ليست محلية بل مستوحاة من التراث العالمي. فعندما كنا نردد أن "الفاشية لن تمر"، فإن أصل ذلك من المناضلين ضد الفاشية الإسبانية في الثلاثينيات وكذلك من الطلاب الفرنسيين في نهاية الخمسينيات. وعندما كنا نردد شعارات ضد ايهود براك وارئيل شارون على شاكلة "كم من الأطفال قتلت اليوم"، فهذا الشعار مستوحى من المتظاهرين الأميركيين ضد حرب فيتنام عندما كان ليندون جونسون الرئيس الأميركي. من ناحية أخرى، عندما انتفض الأميركيون ضد ظلم النظام الاقتصادي وفساد النظام السياسي فقد استوحوا الإلهام من شجاعة المتظاهرين في الربيع العربي. فقد انتشرت حركة "احتلال وول ستريت" في عشرات المدن باحتلال أماكن وميادين عامة تعبيرا عن الرفض للمبنى الاقتصادي الذي يستفيد منه فقط واحد في المائة من المجتمع على حساب الباقين. 

اليسار في فلسطين؟ 

نظرا لهذا الترابط بين فلسطين واليسار، يبدو محرجا أن تكون قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية قد آلت إلى اليمين الفلسطيني ومارست نهجه. هذا اليمين الذي يرى في قيام "الدولة" الغاية التي تبرر الوسيلة. هذا اليمين الذي يحابي أميركا وإسرائيل حتى لو تمادى اليمين الحاكم فيهما واستشاط. هذا اليمين الذي يهزأ بالمقاومة وبالمقاطعة. هذا اليمين الذي يرفض العنف عندما يوجه إلى إسرائيل ولكنه لا يتوارى عن استعمال العنف ضد أبناء شعبه لإسكاتهم وإخراسهم وتدجينهم. هذا اليمين يريد دولة باسم حرية الفلسطينيين في الوقت الذي يقوم بتأسيس نظام أمني يقمع حرية الفلسطينيين ويساهم بمحاصرة جزء من الشعب الفلسطيني في غزة. هذا اليمين لا يهدف إلى معارضة الرأسمالية العالمية وما تمثله من إغناء الأغنياء وإفقار الفقراء (خاصة أغنياء المركز في أميركا وأوروبا على حساب شعوب الدول الفقيرة والضعيفة بالضواحي). بالعكس من ذلك، هذا اليمين يحاول الاندماج ضمن هذه المنظومة العالمية للاستفادة من الفتات والمساهمة في نهب موارد الشعوب حتى تلك التي يحكمونها. هذا اليمين يدعي البراغماتية (وكلمات مثل الاستعمار والإمبريالية غير مفيدة في وجهة نظره)، ولكن هذه الواقعية السياسية الواهمة تتحالف مع مراكز القوة الرسمية في العالم من أحزاب حاكمة ورجال أعمال. ونظرا لأن مراكز القوة هذه ما انفكت تخذل الفلسطينيين مرة بعد أخرى تتجلى هذه الواقعية في صيغة استسلام أو عدم فهم لوقائع التاريخ والسياسة. بدلا من أن تكون الواقعية موجهة من قبل الأهداف والمبادئ، يرفعها اليمين الحاكم إلى مصافّ المبدأ. وهذا هو، في محصلة الأمر، تعريف الانتهازية. 

في السابق كانت منظمة التحرير الفلسطينية تحاول الحصول على اعتراف المجتمع الدولي الرسمي، ولكنها في الوقت ذاته طوّرت علاقات تعاون وصداقة مع حركات التحرر في العالم. واستفادت الحركات اليسارية العربية والفلسطينية من التراث اليساري والثوري وساهمت فيه. ولكن اندحار اليسار الفلسطيني بعد انتهاء الحرب الباردة وبعد جنوح منظمة التحرير إلى أوسلو سمح لليمين (علمانيا كان أم دينيا، داخل فتح أم خارجها) بالاستشراء. واندمج الكثير من كوادر اليسار السابقين في الجمعيات ووقفوا يتفرجون على الانقسام الفلسطيني. ثم أصيب اليسار العربي والفلسطيني بالشلل التامّ بعد الربيع العربي إذ اتضح أن كثيرا من شعاراته عن الحرية والديموقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها لا تتعدى كونها شعارات جوفاء بدون مضمون أو ممارسة.

إذًا، أصبح من الضروري إعادة تنظيم اليسار الفلسطيني وربطه بمحاولات إحياء اليسار العالمي. هذه المحاولات تتمحور حول ارتباط الأحزاب بالناس لتنظيمهم لا لتمثيلهم. هذه الحركات تصبو إلى إعادة الناس إلى السياسة وإعادة السياسة إلى الناس بعد عقود من التذرير النيوليبرالي. 

الحالة الطبيعية هي أن يكون اليسار الفلسطيني في قلب الحراك الفلسطيني من أجل الحرية والديموقراطية، وأن تكون فلسطين في قلب اليسار العالمي كمثال صارخ على ظلم النظام العالمي القائم ووجوب تغييره. فقط عندها يتطابق الشكل والمضمون، ويتكامل الشعار مع الممارسة، ويختفي التناقض في مفهوم فلسطين. 

(نشر في ملحق "فلسطين" - "العربي الجديد")

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018