حق تقرير المصير للفلسطينيين في إسرائيل

حق تقرير المصير للفلسطينيين في إسرائيل

رامي منصور

بيّنت في المقال السابق أن مشروع دولة جميع مواطنيها لا يحدد مسبقا شكل الحل ضمن حدود الوطن، دولة أو دولتين، سواء كانت أحادية القومية أو ثنائية القومية. ودولة المواطنين تعني المواطنة المتساوية في دولة محايدة تكون على مسافة واحدة من المواطنين فيها، بغض النظر عن هويتهم القومية، أي أنه لا فكاك من هذا المشروع بغض النظر عن شكل الدولة المطروح.

وحتى في الدولة الواحدة الثنائية القومية، فإن التنازل عن دولة المواطنين يعني دولة يتفوق فيها عرق على عرق، لذا يجب أن تكون الدولة على حياد تجاه هذه القوميات، لكنها تمنح مواطنيها المساواة الجماعية والفردية. ولا بد من التوضيح أن دولة المواطنين ليست برنامجا سياسيا حزبيا، بل هي ألف باء الدولة الديمقراطية الحديثة، سواء أحادية القومية أو ثنائية القومية، وهي لا تهمش القوميات بل تمنع انحياز الدولة لواحدة ضد أخرى.

وفي حالة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، صار طرح دولة جميع المواطنين مهيمنا لكن دون العمق النظري المطلوب، ويختزل استخدامه في مرات كثيرة في تعريف المساواة، أي كإجابة على سؤال ماذا تعني المطالبة بالمساواة؟ فتكون الإجابة المواطنة الكاملة والمتساوية، لكن دون أن تحمل هذه الإجابة التناقض بين المواطنة المتساوية وبين الصهيونية، لأن مشروع دولة جميع المواطنين جاء أصلا كحالة نقيضة للمشروع الصهيوني وإسرائيل جوهريا، وليس مطالبة للاندماج فيهما. وتكون الإجابة على سؤال المساواة عادة دون أن تحمل البعد القومي الجماعي لمشروع دولة المواطنين بشكل حقيقي غير شعارتي.

وحتى لا يصبح المشروع مطلبا اندماجيا، شدد طارحوه على الهوية القومية والحكم الذاتي الثقافي، وكان شعار التجمع الوطني الديمقراطي لسنوات "هوية قومية ومواطنة كاملة". وإذا تبيّن معنى المواطنة الكاملة هنا وفي المقال السابق، فإذًا ما ترجمة الهوية القومية؟

مشروع دولة جميع مواطنيها يضمن نظريا وعمليا المساواة المدنية أو المساواة في المواطنة في دولة حيادية وعلى مسافة واحدة من كل مواطنيها، وتضمن خصوصا الحقوق الفردية. لكن هل بالإمكان ضمان الحقوق الفردية في واقع ثنائي القومية كما هو في فلسطين دون مساواة جماعية - قومية؟ علما أن هذا الواقع ليس جديدا ولا نتيجة استشراس الاستيطان في العقود الثلاثة الأخيرة، بل هو قائم منذ تأسيس إسرائيل، وفشلت القيادة الصهيونية في إلغائه من خلال التطهير العرقي في 1948 و1967، أي أنه ليس واقعا مستحدثا أو مستجدا.

الإجابة على هذا السؤال هي كلا؛ لأن الحقوق الفردية مشتقة من الحقوق الجماعية، وتحديدا في حالة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، الذين تشتق مواطنتهم من كونهم أصحاب الوطن، وليسوا مواطنين مهاجرين. أي أنه لا فكاك بين الحقوق الفردية والجماعية، حيث لا يمكن توفير الحقوق الفردية دون توفر الجماعية.

لكن ما هي الحقوق الجماعية، وهل هي ترجمة للهوية القومية؟ مشروع دولة المواطنين يوفر المساواة الفردية المدنية بين المواطنين، وسيكون ناقصا ومعطوبا إذا لم يوفر المساواة الجماعية بين الهويات القومية. أي أنه من غير الوارد توفير المساواة الفردية بين العربي واليهودي دون توفر المساواة الجماعية بين العرب واليهود، ومن دون تحييد هوية الدولة القومية.

والحقوق الجماعية هي أولا الحق في تقرير المصير القومي، ويعتبر اليهود الصهاينة أن لهم الحق في ممارسته في كل أرجاء فلسطين وليس فقط داخل "حدود" إسرائيل، فيما هو محجوب عن الشعب الفلسطيني في إسرائيل وخارجها. وفي العقود الأخيرة صار هذا الحق دوليا نوعين، خارجي وداخلي؛ الخارجي هو التخلص وإنهاء حالة الاستعمار الاحتلالي كما حصل في القرن العشرين مع دول العالم الثالث، الذي يؤدي إلى نشوء الدولة الوطنية المستقلة التي تعبر عن تطلعات الشعب القومية والوطنية. والداخلي، الذي طور في العقود الأخيرة، هو مطلب الجماعات القومية الأصلانية في دول متعددة القوميات التي توفر المواطنة الفردية المتساوية لكن دون أن توفر المساواة الجماعية، ولا تعبر عن التطلعات القومية لتلك الأقليات أو الجماعات القومية.

وفي حالتنا، تدعي إسرائيل أنها نظريا توفر المساواة الفردية بين جميع مواطنيها، وقد شدد بنيامين نتنياهو على ذلك بعد إقرار "قانون القومية" مؤخرا، لكنه حصر الحقوق الجماعية أو القومية لليهود. وكما هو معلوم يستحيل توفير المساواة الفردية التامة دون توفير المساواة الجماعية، لذا لا بد من رفع المطالب بالحقوق الجماعية وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير الداخلي للشعب الفلسطيني داخل إسرائيل، بالتوازي مع المطالبة بحق تقرير المصير (الخارجي) للشعب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية وغزة، وإحقاق حق العودة للاجئين، لأن توفر الحقوق الفردية الليبرالية لا يلغي التمييز في الحقوق الجماعية، وكون الحل السياسي المطروح أو كما طرح في العقدين الأخيرين هو تطبيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في الضفة وغزة فقط، مع تجاهل تام للحقوق الجماعية ولهذا الحق للجزء الذي لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني في دولة إسرائيل. ومن أبرز أهداف "قانون القومية" الأولى هو قطع الطريق دستوريا على إمكانية مطالبة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل بحق تقرير المصير.

وبناء على تجربة القرن العشرين، لا يمكن المطالبة بحق تقرير المصير، الداخلي أو الخارجي، دون الاستناد إلى القيم الكونية وأولها الحرية والمساواة. لأن المفترض هو أن يعبر حق تقرير المصير عن إرادة الشعب الحرة، أو أن يجسدها، ولا يمكن منطقيا التعبير عن هذه الإرادة الحرة للشعب دون حريته ومساواته، وإلا كان البديل هو مطالبات بالحقوق القومية على أسس شوفينية وقومجية أثبتت التجارب السابقة أنها انتهت إلى سياسات هوية دموية لم توفر حق تقرير المصير ولا الإرادة الحرة للشعب، وإنما حاولت توفيرها على حساب حرية شعوب أخرى. ومثال على ذلك هو إسرائيل.

إذًا، لا مجال للفصل بين المساواة في الحقوق الفردية والحقوق الجماعية، وتحديدا في حالتنا. وبعد توفر الحقوق الفردية، ولو نظريا، فإن سؤال المساواة في الحقوق الجماعية يبقى هو المطروح. والإجابة عليه تشتق من حقنا كجماعة في واقع ثنائي القومية بالمساواة القومية، وترجمة المساواة القومية تكون بممارسة الحق في تقرير المصير الداخلي. والترجمة لهذا الحق هو إما المطالبة بحكم ذاتي إقليمي أو ثقافي، لكن دون التنازل عن حقنا بالتواصل أو الوصول إلى أي جزء من فلسطين، سواءً حيفا ويافا والقدس، أو غزة وأريحا، وحقنا بالعودة إلى قرانا المهجرة. أي أن الهدف ليس "غيتو" أو "كانتون" معزولا عن باقي أرجاء الوطن، بل العكس، ضمان حقنا بالتواصل والوصول إلى أي جزء من هذا الوطن بغض النظر عن طبيعة مواطنتنا. وهذا ينضاف إلى الحق في الإدارة الذاتية الثقافية والدينية، وبناء المؤسسات السياسية بما فيها برلمان داخلي.

وفي العالم حالات يمارس فيها الشعب الواحد حقه في تقرير مصيره في ثلاث دول كما الحال مع الشعب "السامي" في ثلاث دول إسكندنافية. وهي مطالبة شبيهة بنضال الأكراد للحصول على حق تقرير مصيرهم في عدة دول -وطنهم- دون أن يعني ذلك التنازل عن المواطنة أو الانفصال بالضرورة (لكن دون كردنة القضية الفلسطينية بتحويل الفلسطينيين إلى جماعات مطالبها منفصلة حسب مكانها ومكانتها القانونية). أو كما يطالب الكتالان (في كاتالونيا) بحقوقهم الجماعية في إسبانيا إلى حد الانفصال.

والمطالبة بالحقوق الجماعية وحق التقرير المصير لن تكون فعلا تحرريا بحق في واقع مثل واقعنا ثنائي القومية، دون أن يقف على قيم كونية الحرية والمساواة التي يضمنها طرح دولة جميع المواطنين. غير ذلك من الصعب تصورها تحرريا، لأنها قد تنتج سلطة أقل من دولة مرتبطة ووكيلة للاستعمار أو الاحتلال، أو حكم فصيل ديني عقائديا على جزء من الوطن، أو حكم طغمة عسكرية كما حصل في الدول العربية.

هكذا إذًا تصبح المطالبة بالمواطنة الديمقراطية المتساوية في الوطن، تعبيرا عن تطلعات وإرادة الشعب القومية والوطنية وسعيه للحرية والعدالة.

اقرأ/ي أيضًا | راهنية دولة كل مواطنيها


* بالإمكان الاطلاع هنا على نبذة مختصرة عن حق تقرير المصير في القانون الدولي والحكم الذاتي في ورقة أعدها د. نمر سلطاني لمركز مدى الكرمل قبل أكثر من عقد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018