فَلَسْطَنَة الإنسان وعَوّلَمَة فلسطين

فَلَسْطَنَة الإنسان وعَوّلَمَة فلسطين

د. سمير خلايلة

"كل مشهد لا يُريكَ الكثرة في العين الواحدة لا تُعَوّل عليه"- ابن عربي


مقدمة

تعجّ وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة بالمقاربات، وجهات النطر، الشروحات والتفسيرات، والتأويلات المتنوّعة لمسألة إقرار "قانون القوميّة" في الكنيست في الشهر المُنصرم. كل قراءة أو مقاربة تحاول تسليط بعضا من الضوء الفكري على جانب، يُعتبر مركزيا من وجهة نظرها، معتقدةً بأنها تُميط اللثام عن البنية التحتيّة لمُجمل التداعيات المتعددة، دوافع إقرار هكذا قانون وتوقيته، أهدافه وأبعاده الإستراتيجية، والتبريرات والتسويغات وإلى آخره. إن التركيب المُعقّد للمشهد بكل محاوره يُسقط أيّ تنظير شامل واحد للتفرّعات والتشابكات مع كل واقع آخر، محليّا، عربيّا، إقليميّا، وعالميّا.

تهدف هذه المقالة المُقتضبة بالأساس الى توسيع فضاء الضوء المرتبطة بالجوانب اللسانيّة والمفهومية والقيم الأخلاقية التي تشكل وتمظهر مُجتمعة بعض ملامح خريطة العقل العربي في الداخل الفلسطيني بتنصيصه الديناميكي لمجموع المواقف والأفعال بمواجهة هكذا قانون دستوريّ. يتمركز طرحُها في المقولة التي تفترض أنّ فَلَسْطَنة الإنسان وعَوْلمَة فلسطين والمأساة الفلسطينيّة هو الضمان (الواعد) في إلغائه وتفتح، تباعا، بابا منطقيا للاجتهاد في اجتراح مشاريع ورؤيا مبتكرة قابلة للتطبيق والتحقيق.

اجتراح تسمية جديدة للإشارة إلى/على هوّية الأنا الجَمّعيّة

بدل أن نعيد انتاج وتكرير التعدّد في التوصيفات المُحدّدة في تسميتنا كمجموعة قوميّة أمثال "عرب الثماني وأربعين" او "عرب الداخل" أو "الجماهير العربية (الفلسطينية (في البلاد))" أو "عرب إسرائيل" (المُغيّبة قصدا لحقيقة فلسطينيتنا) أو "الأقلية العربية" أو "الوسط العربي"، ولكي نُزيل اللبس، التشويه والضبابيّة المُضلّلة، نقترح تسمية جديدة تُمثل أكثر تطابقا وحقيقة مع هويتنا الأصيلة ألا وهي عرب داخل الداخل الفلسطيني. حقيقة أنّ التوصيف المُحدّد لهوية الأنا الجمعيّة التي ننتسب إليها أكثر تركيبا تعود الى طبيعة كينونتنا المُركّبة المُتداخلة من جهة، والحقيقة الدلالية التي تتجسد بأنّ معنى (sense) (أو مفهوم) الاسم يُحدِّد الحيّز المنطقي-المكاني الذي نشغله كدلالة (reference)، من جهة أخرى. فاللغة الطبيعيّة لا تربط الوعي/الفكر بالواقع/العالم الخارجي فحسب، إنّما تُعتبر عنصرا مُشكّلا أساسيّا في تحديد ورسم هويّة ما يسمى واقع. يمكن تقسيم وتوزيع الشعب الفلسطيني في أماكن تواجده من ناحية الجهة داخل (فلسطين التاريخية) وخارج (الشتات) والعرب الفلسطينيين في إطار الدولة العبرية، فالمُكوّن الأخير هو عرب داخل أو جُوّا الداخل الفلسطيني الذي يشمل العرب الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة. بعبارة نظرية المجموعات، نحن مجموعة فلسطينية صغيرة (subset) داخلة في مجموعة فلسطينية جامعة أكثر أو شمولية أكثر. الوَحْدة الفلسطينية تتجلّى جوهريّا بتوحيد الرموز والثوابت المُحدّدة للهويّة الجامعة.

فَلسْطَنَة الإنسان

في سياق أي أزمة إنسانية، هناك أمر أخلاقي يوجب التضامن/التعاطف العالمي مع أي مجموعة تقع ضحية لعقلية مؤسسة أيديولوجية تسن قوانين دستورية تتعارض والقانون الدولي والقيم الأخلاقية الكليّة. فإطلاق عبارة "كلّنا يهود" في سياق حقبة الاضطهاد والملاحقة لليهود في أوروبا، مثلا، تشكل تضامنا/تعاطفا أخلاقيا مع اليهود كضحية. في سياقنا الفلسطيني، أيّ انسان (كائنا من كان) يتمتّع بأخلاق إنسانوِيّة (humanistic) حَرّي به أن يتضامن مع مأساة الشعب الفلسطيني كونه ضحية لعقلية مؤسسات وخطابات ايديولوجيتها عنصرية واستعلائية بُنيويّا، مُجليّا موقفه في عبارة "كلّنا فلسطينيون". من هنا جاء رفض "قانون القومية" والمطالبة بإلغائه من قبل الضحيّة المباشرة وإنسانوِيّين (humanists) متضامنين معها مُبرّرة شرعيّا وأخلاقيّا. الخطاب الإنسانويّ للأخلاقيّة بالمفهوم الكانتي (Kantian) يشترط احترام إنسانية وكرامة أيّ فرد كان بحكم طبيعته الحرّة/المستقلة والواجب الأخلاقي المُشتق من القانون الأخلاقي المُقيد لأيّ كائن بشري يتحلّى بمبدأ العقلانيّة. تضامن الأنا الجمعيّة او النّحن القوميّة مع غَيْريَّة أو أُخرويَّة الآخر الجمعية (الهُم)، خاصة في حالة الأزمات الانسانيّة المُتطرفة هو أمر أخلاقي قاطع (categorical imperative) كما هو الحال في السياق الفلسطيني بحكم انتماء الجميع لمملكة الإنسان.

عَوْلَمَة فلسطين كرّد أخلاقي طبيعي على الاختزاليّة اليهوديـّة للمواطنة والحقوق القوميّة

تعتبر الاختزالية نهجا أوليا في الطبيعة البشريّة. هناك ميول لدى العقل الإنسانيّ إلى اتخاذ الاختزاليّة كموقف أنطولوجي في تأويل التجربة البشريّة ورؤية العالم. فالفكر الإغريقي الفلسفيّ في بداية تطوّره اعتمد على استراتيجيّة الموقف الاختزالي. تُنسب إلى طاليس (Tales)، مثلا، فكرة أنّ العالم ماء. النزعة العلميّة كذلك تميل إلى كشف القانون الأحادي أو العنصر الأولي الحصريّ الذي تتشعب منه أو تفيض منه كل الموجودات أو الأعيان (particulars) الممكنة. الفكر الديني التوحيدي يفترض الذات الإلهيّة الحصريّة كأساس أوْحَد لكل شيء موجود. منظور الحسّ المشترك يشاطر هذه النظرة الكونيّة المُختَزِلة. كل هذه المنظورات تتوحّد تحت ذهنيّة الاكتفاء بالحد الأدنى (minimalism)، الأدْنَوِيّة.

حكومة نتنياهو تختزل المواطنين في البلاد الى يهود يتمتعون بامتيازات واستعلائيّة ولا-يهود ذوي وجود عَرَضَي افتراضي ويعانون من دونيّة مستحقة نتيجة عدم الولاء والطاعة للمنظومة السياسية المأسسة على اليهودية (الوعد الإلهي التّوراتّي الأسطوريّ) والفكر اليميني الراديكاليّ. هذه الآحاديّة العقائديّة تُخرج منطقيّا إمكانيّة التعدّد والتنوّع للمواطنين لأنّ (المواطن) الآخر يُعرَف ويتمايز بشكل جوهري/ماهي عن اليهودي الأصيل لكونه مسلوب من اليهوديّة كصفة مُشكلة ومُميزة. مجموعة اللا-يهودي المُنتقصة حقوقهم تشمل المواطنين اليهود أصحاب الفكر اليساري والعلماني أيضا. أداة النفي "لا" تُمَعْجِم (lexicalize) في هذا السياق السلب والنفي وتُجسّد وتُرَوْحِن الدونيّة على مستويات/أبعاد إنسانية، انطولوجيّا وابستمولوجيّا لدى المجموعة التي يُنسب اليها السمة أو النعت المنحوت من الذرتيّن اللسانيتين "لا" و"يهودي". في هكذا تقسيم وتراتبيّة للإنسانيّة والإنسان، يتوجب على العالم بمؤسساته كلها أن يتوّحد بموقف تضامني حازم لتقويض وتفكيك هكذا منظور لا يليق بكرامة الانسان والشعوب. إذا كنّا نتعلم من التاريخ السياسي شيئا على الإطلاق، يجب على العالم الديموقراطي والإنسانويّ الحرّ أن يُدوّل ويُعَوْلم قضية فلسطين ومأساة الفلسطينيّين لكونهم الضحيّة المباشرة، ويباشر في سن قانون يقاضي كل من ينكر حدوث ووجود النَكبة، على غرار قانون عدم انكار المحرقة النازيّة ضد اليهود والتسريع في حلّ المسألة الفلسطينيّة دوليّا على أسس قيم العدالة والمساواة والحريّة لجميع الشعوب. حق القوة لا يدوم، أما قوة الحق فَهِي خالدة سرمديّة في معجم النحو الكلي للإنسان والانسانيّة. فوَحْدَة الإنسان والإنسانية لا يمكن تجزئتها وتفكيكها، بل يُحفظ ويُضمن التعدّد والتنوّع والاختلاف على كل الصُعُد من خلال مفهوم التجّلي، قياسا بوَحْدَة الوجود عند ابن عربي. غير ذلك نستشرف كارثة كونيّة حتميّا.

بين الإفراط في التعبير والتفريط في مضامين المقولات

بكتاب النفّري "المواقف والمخاطبات"، هناك شذرة تقول "كلمّا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة" والتي تدلّ على أنّ اللغة عاجزة، في جوهرها، أن تُشفِّر أو تُمَعْجِم تجلّي عموديّة الرؤيا الحقيقيّة الأصيلة بامتياز. في مظاهرة تل أبيب ذات الصلة تجلّت المفارقة أنّ اللغة المجازيّة المبالغ بها في تنصيص فَهْمَنَة (conceptualization) المظاهرة وشعاراتها لا تتناسب مع مضامين المقولات ذات القيمة الكبرى التي وجب أن تُطرح كمطالب بالنسبة لنا كمجموعة قوميّة فلسطينيّة.

تبدو المبالغة في التوصيف والتأويل أول حقيقة لُغوية تطفو على سطح النصوص. دعنا نتفحص أولا عبارة "أم المظاهرات"، قياسا بعبارة "أم المعارك" في السياق العراقي-الكويتي، التي وَصّفت الحدث الذي أقيم في تل أبيب في ١٨ آب/ أغسطس على المستوى الدلالي والايديولوجي. نعتقد، مهما كان عدد المتظاهرات والمتظاهرين العرب في المظاهرة المذكورة لا يستوي بأن تُنعت بأنها "أم المظاهرات" لأنّها تُرجح بأن تكون أول الغيث في النضال والتظاهر القادم وتمثل الانطلاقة في بلورة الوعي السياسي الجديد للتّهديد العملي والمباشر لوجودنا نحن العرب الفلسطينيين، وواعدة بتصعيد الانغماس في العمل السياسي والمواجهة ضد الخطاب اليهودي-الصهيوني-الإسرائيلي الذي قَوْنَنَ دستوريّا (بقانون القومية) تغييب أو شطب أو نفي الوجود للآخر الأصلانيّ- الشعب العربي الفلسطيني في فلسطين التاريخية- وطنه الطبيعي. تتجلى المفارقة بأوجها هنا بنشر وتعميق المبدأ التربويّ المُتضمّن في مقولة "الآخر هو أنا" في المدارس العربية من قبل وزارة التربية. حتى يكون أيّ فعل أو شيء بمثابة الأم-الأصل وما يتبعه فرعا يجب، منطقيا، أن يكون هناك مقارنة مع مجموعة من الأفعال والأشياء المُضارعة ماضيا. علاوة على ذلك، هل كان حقا إحصاء دقيق قُورن مع أرقام أخرى دقيقة تتعلق بتظاهر المجتمع الفلسطيني بالسابق. مجرد المُبالغة يخدم، في الأساس، تشويه الوقائع والحقائق ومن ثم خفض منسوب المصداقية في التوصيف والتمثّل للخطاب. وهكذا أسلوب ينتهك المنظور العقلاني في تنصيص المعطيات ومن ثم النأي عن الدليل الكفيل بالإقناع وكسب الثقة عند الجمهور ذي الصلة. منذ "جمهورية" أفلاطون، الخطاب السياسي يتخذ، ويُمعن في، "الكذب الأبيض" كوسيلة للتضليل وأداة بأي سلطة لمأسسة "الأبويّة العارفة" لمصلحة ومنفعة الجماهير. لا مفر من قول الحقيقة للسلطة، أي سلطة كانت؛ ولأي جمهور لأن الحقيقة ليست مفهوما معرفيا-دلاليا فحسب، بل أخلاقيا أيضا. لا نُغالي إذا ادعينا أنّ المبالغة كمنظور مُشوِّه للواقع بسياقاته الديناميكيّة المُتَدحرِجة. قد يكون الباعث وراء الأسلوب المُغالي في التوصيف تسليط الضوء على أهميّة وقيمة الحدث أو تسويق الحدث من خلال استخدم آليات البلاغة للتأثير على الجانب اللاواعي عند المُتلقين وتوظيفها عاطفيا/وجدانيّا، وقد يكون مجرد انعكاس لميزة حضارية في العقل العربي عند التوصيف والتقرير (أنظر مثلا رد التحية "مية مرحبا" على اللفظة "مرحبا").

لم تختصر المبالغة على مستوى التعبير، إنما طالت المضامين بالعمق. هناك، مثلا، من بالغ سلبيّا في اختزال العلم الفلسطيني لمجرد قطة قماش، ناسفا بذلك رمزية جوهرية مُشَكلة في حدّ وترسيم الهُويّة الجمعية في إطار النقاش الذي دار حول قضية رفع العلم الفلسطيني في المظاهرة المذكورة. هناك من أوّلَ العلم ورفعه كتعبير وممارسة وثنية تفوح منها رائحة التقديس ولا يليق بالخطاب الحداثي أو ما بعد-الحداثي العلماني أن يحتويه ويُهلّل له.

قضية أخرى تتعلق بحضور المبالغة في رفع شعارات المساواة. السؤال المركزي الذي يطرح هنا عن أي تصوّر عقلي لمفهوم المساواة بالسياق السياسي نتحدث؟ في تصوّرنا، لم تمثل شعارات المساواة التي رُفعت في تل أبيب المطلب الحقيقي والمُحقّ لنا كمجموعة قوميّة فلسطينية عربية على الإطلاق. اللبس والغموض في تفصيل طبيعة المساواة المنشودة خيّم على الشعارات المرفوعة. لم يُرفع، مثلا، شعار "الوجود أولا والمساواة القومية ثانيا، حق تقرير المصير ". فإذا كان الشعب الفلسطيني لا يستحق أن يمارس في وطنه الطبيعي ككل الشعوب في العالم حق تقرير المصير والهوية فما معنى ان يُرفع شعار المساواة على مستوى المواطنة والحقوق المدنيّة فحسب؟ تغيب شعار المساواة في حق العودة والمساواة في بناء وتطوير بلدات سكانيّة للعرب هو مُغالة سلبية تُولّد انزياحا فاضحا عن المطالب العادلة.

مجرّد التفكّر في الموقف الخجول في مضامين المقولات يرجع الى الرهان الاستراتيجي للجنة المتابعة على الشراكة والتعايش والحراك العربي الفلسطيني-اليهودي الإسرائيلي في تحقيق المساواة والعدالة المدنية كأفراد من خلال خطاب المواطنة في البلاد. إنّ غياب الخطاب الشفاّف والرؤيا الواضحة لدي اليسار اليهودي بما يتعلق بمسألة مكانتنا كمجموعة قوميّة في البلاد ينسف هكذا رهان بالعمق، خاصة وسجلّ دوره التاريخي المُؤسس للدولة العبريّة على مدار سبعين سنة على الأقل مُثقل بحمولة سلبيّة اتجاهنا. وإذا لجئنا الى معيار النجاح والإنجازات لتقييم الشراكة كهذه فالاستنتاج والدليل لا يميل لصالح هذا الرهان. يخيّل لنا أنّ الدافع الحقيقي وراء مشاركة اليهود الساريين/التقدميين هو سياسي نفعي بالدرجة الأولى ولا يَمتّ بالتضامن والتعاطف الأخلاقي الغائيّ، وإلا رفعوا الأعلام الفلسطينيّة تضامنا/تماهيا مع رفض إرهاب الدولة، الذي رشح من إقرار قانون القوميّة، ضد مواطنيها ونفي وجودهم على الأقل رمزيّا في وطنهم وهتفوا للعالم الديمقراطي والليبرالي المُنفتح "اليوم كلنا فلسطينيون!".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018