من الأرشيف: "ديمقراطية مغلولة"

من الأرشيف: "ديمقراطية مغلولة"

أنطوان شلحت

صدر في إسرائيل، قبل عشرة أعوام، في سبتمبر/ أيلول 2008، بالتزامن مع الذكرى السنوية الـستين لتأسيسها، كتاب بعنوان "ديمقراطية مغلولة" للوزيرة وعضو الكنيست السابقة شالوميت ألوني، تشدّد فيه على ضرورة الحفاظ على طابع إسرائيل الديمقراطي أكثر من طابعها اليهودي، وتشير إلى أن ديمقراطية إسرائيل "شاذّة"، يسيء فيها الكنيست (البرلمان) إلى نشاطات المحافل المدنية العاملة من أجل حقوق الإنسان، ويشوّه سمعتها، ويقرّر التحقيق معها، عوضًا عن الإشادة بها ومباركتها. وتلفت آلوني إلى أنه في سائر دول العالم ناضل الديمقراطيون، ونجحوا في إطاحة الفاشية والحكم الاستبدادي، بينما في الكنيست الإسرائيلي تتغلب في الأعوام الأخيرة غريزة تصفية الآخر، وغريزة تكريس تسيّد النظام والسيطرة والسلطة للأغلبية اليمينية، لمجرّد كونها كذلك، والتي تعبر عن غياب الفهم لماهية الديمقراطية، على أي منطق مغاير. وتنوّه بأن أحد أسباب ذلك يعود إلى حقيقة أن أوردة الديمقراطية الإسرائيلية حُقنت بكثير من السمّ على أيدي حاخامات من رجالات ونساء الدين والتدين، ومستوطنين، وشتى أصناف الانتهازيين. 

وفي مناسبة صدور الكتاب، عقدت أمسية خاصة في القدس، تكلم فيها أحد كبار أساتذة العلوم السياسية، البروفسور يارون إزراحي، فاختار طرح السؤال: هل إسرائيل ديمقراطية؟ وأجاب: يمكن للمجتمع، وأنا أتحدث هنا كمنشغل أيضًا في التاريخ والأبحاث حول الديمقراطية، أن يكون ديمقراطيًا بنسبة 80% على أكثر تعديل. وكي يكون كذلك ينبغي النضال 100% من الوقت؛ لكن إسرائيل بعيدة جدًا عن أن تكون ديمقراطية بنسبة 80%. بحسب فهمي في هذا الموضوع، فإنها شيء مختلط، وأستطيع قول ذلك على أساس أنها 40% ديمقراطية، و30% إثنوقراطية، و20% ثيوقراطية، و10% فوضى. وتتغير هذه النسب بصورة تاريخية. 

وبرأيه هي ديمقراطية 40%، لأن "الأسس الديمقراطية الرسمية" متوفرة، على غرار انتخابات حرّة، تداول السلطة سلميًا من دون عنف إلى غاية مقتل رئيس الحكومة السابق إتسحاق رابين عام 1995، والذي شكل حدثًا مفصليًا، كما أن المحاكم مستقلة، وهناك صحافة حُرّة. ولدى تعداده العوامل التي تحدّ من إمكان أن تكون إسرائيل ديمقراطية أكثر، ذكر إزراحي: 

أولًا، طالما كانت إسرائيل دولة محتلة، ترسل مواطنيها وجنودها لقمع شعبٍ بأكمله، لا تستطيع التحوّط بالشرعية التي يوفرها مصطلح نظام ديمقراطي. وقال حرفيًا: "هذا أمر في منتهى الوضوح: نحن دولة احتلال، خلافًا لكل القوانين والشرعيات الإسرائيلية والدولية"؛ 

ثانيًا، النظام الديمقراطي تُقيّد فيه السياسة نفسها بواسطة دستور و/ أو ثقافة سياسية من ضبط النفس. وهذان العاملان غير متوفرين في نظام إسرائيل، فلا يوجد دستور ولا ثقافة سياسية تقوم على ضبط النفس، وهما سمتان بارزتان للديمقراطية؛

ثالثًا، الأكثرية في إسرائيل إثنية، وليست سياسية. وما هي الأكثرية السياسية؟ إنها أكثرية يمكن أن تتبدّل بين جولات الانتخابات، لكن الأكثرية في إسرائيل إثنية بصورة دائمة، وهذا غير ديمقراطي، وليس صفة نموذجية للديمقراطية، ففي الولايات المتحدة مثلًا، والتي تعتبر، بطبيعة الحال، دولة مختلفة عن إسرائيل في معطيات وحيثيات كثيرة، تتغير الأكثرية السياسية، أما في هذه الأخيرة فتتغير الأكثرية السياسية، لكن داخل الأكثرية الإثنية، وهنا المشكلة. 

كي لا نقوّل إزراحي ما لم يقله بشأن دولة الاحتلال، تجب الإشارة إلى أنه يقصد بالاحتلال ذاك الذي حدث في عام 1967 فقط، بالأساس من حيث ارتباطه بمشروع الاستيطان في أراضي الضفة الغربية. ووفقًا لادّعائه، إلى غاية هذا المشروع اللاشرعي، حاولت إسرائيل إيجاد وإقامة مؤسسات نموذجية لنظام ديمقراطي: فصل بين السلطات، دولة قانون، محاكم.. إلخ. لكن منذ ذلك العام، نُفّذ مشروع ضخم من بناء المستوطنات، بموافقة الحكومة وبتمويلٍ تم تقديمه تحت الطاولة من كل وزارات الحكومة، ما تسبّب بإيجاد ثقافة مناوئة للديمقراطية بشكل سافر، تحت غطاء من الرسمية. 

وهذا حُكم فيه قدرٌ من العبث يقتضي وقفة لاحقة.

(العربي الجديد)

اقرأ/ي أيضًا | "روحي على راحتي"

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018