أيهما أخطر على الصحة العامة: فيروس كورونا أم فيروس التمييز؟

أيهما أخطر على الصحة العامة: فيروس كورونا أم فيروس التمييز؟

د. نهاية داوود

من المميزات البارزة لمواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، أنها كشفت عن جاهزية المنظومات الصحية المحدودة في حماية صحة الجمهور من الجائحة، إذ إنه تحت الأنظمة النيوليبرالية يجري التركيز على تطوير الاقتصاد الرأسمالي وترك المنظومات الصحية العامة تعاني من تدن في الميزانيات. ومن هنا نشهد إسقاطات وتداعيات هذه السياسات الصحية على الاقتصاد، بحيث أن انعدام تطعيم أو اكتشاف دواء لمعالجة المصابين بفيروس كورونا أو كوفيد-19، أجبر جميع دول العالم إلى اللجوء للأساليب الوقائية القديمة في الصحة العامة، مثل غسل اليدين والاعتناء بالنظافة الشخصية والعزل البيتي، وعدم ملامسة الأغراض من دون تعقيم، أملا منها بأن يساعد ذلك على تسطيح منحى دالة الإصابات بالفيروس، أو تخفيض عدد المرضى أو المصابين الجدد، الذين قد يشكلون عبئًا على الأجهزة الصحية في بلادهم، والتي لن تستطيع تقديم الخدمات الصحية اللازمة لهم، فيما لو وفدوا بأعداد كبيرة إلى المستشفيات، كما يحدث حاليًا في عدد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

لذا، تعتمد السياسة الصحية الأساسية على تقبل واستجابة السكان لتعليمات العزل والوقاية الصحية، ما يتطلب مستوى عاليًا من الثقة بالمعلومة والتكافل الاجتماعي. وعليه، يُطرح السؤال؛ ماذا سيحصل للمجموعات المهمشة والأقليات في هذه الحالة؟ كيف بإمكانها أن تجابه انتشار كورونا، وهي أساسًا تعاني من تدني مستوى الخدمات الصحية؟ وكيف يتم التعامل مع ذلك؟

د. نهاية داوود

منذ أن أعلنت منظمة الصحة العالمية أن فيروس كورونا هو جائحة، أي وباء على مستوى عالمي، في التاسع من آذار/ مارس الماضي، وأنه يتوجب على جميع الدول التصدي له، وفي ظل عدم اكتشاف علاج ناجع أو لقاح ضد الفيروس، أصبحت الدول في سباق مع الزمن من ناحية مقدرتها ونجاحها في حماية صحة الجمهور من كورونا. لذلك، تعتمد الدول جميعها في الوقت الراهن على إستراتيجية انصياع الجمهور للتعليمات الرسمية والوقاية، فيما جزء آخر يقوم بإجراء الفحوصات والمسوحات من أجل حصر أماكن انتشار المرض، حرصًا منها على الفصل بين ثلاث مجموعات من السكان: المرضى بكورونا؛ حاضنو الفيروس الذين هم مرضى ولا تظهر عليهم علامات المرض؛ والمجموعة الثالثة هم المعافون.

تُظهر الأبحاث أنه مقابل كل حالة مرضية نتيجة الإصابة بكورونا التي تم تشخيصها، هناك 6 حالات حاملة للمرض ولا تظهر عليها الأعراض، ولذلك فهي غير مشخصة وممكن أن تنقل العدوى لآخرين. وكورونا فيروس معدٍ جدًا، إذ إن عامل الـR0 (الذي يدل على إمكانية العدوى بالمرض) هو أكبر من واحد (1)، أي أن بإمكان مريض بكورونا أو حامل للفيروس أن ينقل العدوى إلى أكثر من إنسان واحد، وهكذا يتضاعف عدد المصابين بالمرض كل فترة قصيرة.

إلا أن مقدرة الدول على مواجهة الفيروس سوف تتفاوت، وتعتمد حتمًا ليس على انصياع الجمهور فحسب، وليس على مقدرتها وتطورها التكنولوجي غير المبتكرة حتى الآن للقضاء على الفيروس؛ كما أنها لن تعتمد على قوتها الاقتصادية فقط. إن مكافحة كورونا والقضاء عليه سوف تعتمد أيضًا على مميزات أخرى للجهاز الصحي، التي قد تعزز من قدرة الدولة على مواجهة الوباء، وتُثبت إستراتيجياتها في العمل للقضاء على الفيروس.

أهم هذه الميزات تتعلق بـ:

أولا: السياسات الصحية والعدل الصحي، ويشمل ذلك وجود أو عدم وجود قانون صحة عامة في الدولة، ويشمل أيضًا طريقة تنظيم وعمل الخدمات الصحية قبل تفشي فيروس كورونا المستجد، وعلى مدى كونها منظومة صحية عامة تقدم خدمات صحية وجماهيرية للجميع.

ثانيًا: استثمار الدولة في الخدمات الصحية من ناحية الميزانيات، وتوفير هذه الخدمات بما يتناسب مع مبدأ العدل الصحي، أي توزيع الخدمات الصحية وفقا للمشاكل الصحية والوضع الصحي للمجموعات المختلفة، خصوصًا الأقليات في الدولة.

ثالثًا: الوضع الصحي للسكان. إن الأمراض المزمنة والتدخين تزيد من إمكانية الإصابة بكورونا ومن نسبة الوفاة نتيجة الإصابة بالفيروس، وهذه تتفاوت وفقًا للوضعية الاقتصادية والتركيبة الاجتماعية، ومكانة ووضعية الأقلية من الناحية السياسية في الدولة.

في إسرائيل كبقية دول العالم، منذ أن ظهرت الإصابة الأولى بفيروس كورونا في 27 شباط/ فبراير الماضي، قامت وزارة الصحة بالعديد من الخطوات من أجل تسطيح منحنى دالة الإصابات، وتأجيل ظهور ارتفاع بنسبة الإصابات بالفيروس. ولذلك، قامت الوزارة بنشر المعلومات عن الحماية من فيروس كورونا في موقع وزارة الصحة وبوسائل التواصل الاجتماعي مثل "فيسبوك" و"تويتر" و"تلغرام"، وقامت أيضًا بتطوير تطبيق للهواتف الذكية خاص بكورونا. وتبعت ذلك إجراءات العزل البيتي على القادمين من خارج البلاد وتوجيههم لإجراء الفحوصات المخبرية لكورونا، من خلال الاتصال بنجمة داوود الحمراء التي تقدم خدمات الإسعاف الأولي، بحيث يقومون بإجراء فحص للمريض في البيت، ومن ثم توجيهه للمستشفى أو استمرار العناية في البيت أو في فنادق خصصت لمرضى كورونا، وذلك حسب العوارض التي تظهر لديهم.

في العاشر من آذار/ مارس الماضي، جرى الإعلان عن أول عدوى جماهيرية بالفيروس، أي إصابة لا يُعرف مصدرها. بعد أن تحولت العدوى إلى جماهيرية، قامت وزارة الصحة الإسرائيلية بالإعلان عن خطوات مثل فرض الإغلاق وضرورة التزام المواطنين منازلهم، وحصل ذلك بشكل تدريجي حيث أغلقت أولا المدارس والجامعات، ثم أماكن الترفيه والمقاهي، وتبعها أماكن العمل غير الضرورية وغيرها... ويُفرض الآن على السكان جميعا حظر تجول، بحيث يُسمح بالخروج من البيت للتزود بالطعام والأدوية، والتوجه للطبيب أو إجراء الفحوصات، في موازاة تجهيز المستشفيات من ناحية المعدات وتخصيص أقسام معدة لاستقبال مرضى كورونا، وإرشاد الطواقم الطبية بكيفية التعامل مع مرضى كورونا.

رغم النقاش الحاد في إسرائيل حول نجاعة الخطوات والإجراءات التي تقوم بها وزارة الصحة، وحول مدى جاهزية جهازها الصحي، الذي تم تجفيفه من حيث الميزانيات والخدمات والمعدات والقوى العاملة في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يتم حتى اليوم التعامل بشكل جدي مع أزمة كورونا في البلدات العربية من خلال خصوصيتها، من ناحية إمكانية العدوى بالمرض أو انتشاره في البلدات العربية.

ورغم أن المواطنين العرب في إسرائيل يشكلون خمس السكان، ونسبتهم من بين الطواقم الطبية والصحية هي ضعف ذلك (إذ تصل نسبتهم إلى 40% من الصيادلة، و17% من الأطباء، وحوالي الثلث من الممرضات)، إلا أنه لم يتم أخذ الاحتياجات الصحية في بلداتهم في حالة الطوارئ منذ بداية هذه الأزمة، إذ إن طاقم الطوارئ القطري في إسرائيل الذي جرى تفعيله هو طاقم يعمل على أوضاع الطوارئ في الحالات الأمنية، ولم يسبق له أن قام بالتعامل مع حالات الطوارئ الصحية بهذا الحجم حتى الآن. هذا الطاقم اعتمد على أنماط عمله التي لا تشمل أي من الأقليات مثل العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ولم يضم إلى صفوفه أيًا من المختصين الفلسطينيين في إسرائيل.

من ناحية الصحة العامة، فإن المجتمع الفلسطيني في إسرائيل هو مجتمع في خطر من ناحية إمكانية انتشار كورونا به، ومن ناحية إمكانيات مواجهة انتشاره، رغم أن أغلبية الفلسطينيين يسكنون في بلدات منفصلة عن الأغلبية اليهودية، ورغم أن معدل الأجيال فيه يعتبر منخفضا أو شابًا، إلا أن المجتمع العربي في الداخل يعاني من نسبة أمراض مزمنة مرتفعة، ومن نسبة تدخين مرتفعة، بالإضافة إلى أن تدني الوضع الاقتصادي في البلدات العربية ومشاكل البنى التحتية للخدمات، قد تشكل وضعًا كارثيًا من ناحية تفشي كورونا.

استنادًا لكل ذلك، برزت ثلاث فجوات هامة جدًا في تعامل السلطات لمواجهة تفشي كورونا عند الفلسطينيين في إسرائيل:

1. الفجوة في النشر والإعلام وتقديم المعلومات الرسمية عن كورونا؛ فالنشر الرسمي باللغة العربية من قبل وزارة الصحة جاء بعد أسبوعين وأكثر من حصول الأزمة. ثم إن طريقة النشر التي تمت يمكن القول إنها مستعربة وفوقية ومريضة، بحيث أنها تستثني قطاعات واسعة من المجتمع العربي، خصوصًا استثناء المختصين في الصحة العامة والنساء، ولا تخاطب المجتمع العربي بل تحاول حماية المؤسسة. فشل الإعلام هذا باللغة العربية وتأخر المعلومات الرسمية من الوزارة، أدى إلى حالة من عدم الثقة، والذعر وانتشار الإشاعات عن المرض، ما خلق حالة من الهلع وجو من "وصمة العار" لمن يصاب بالمرض في البلدات العربية.

2. الفجوة في المعطيات المتعلقة بعدد الفحوصات التي أجريت في البلدات العربية، وعدد المصابين بالمرض. قامت وزارة الصحة وبشكل ممنهج حتى نهاية شهر آذار/ مارس الماضي بعدم نشر أي معطيات أبيدميولوجية عن الوباء وانتشاره في البلدات العربية. كما قامت وزارة الصحة بنشر معلومات عن المرضى وأماكن تواجدهم، وإمكانية نقلهم للمرض في أماكن مختلفة، ولم يتم أي نشر لمثل هذه المعلومات باللغة العربية. هذه المعطيات هامة جدًا لمنع انتشار المرض في البلدات العربية.

3. الفجوة في الخدمات الصحية وخدمات الطوارئ؛ تعاني البلدات العربية في إسرائيل من فجوات بنيوية في الخدمات الصحية، رغم أن خدمات الصحة الأولية منتشره في كل البلدات العربية، إلا أنها تعتمد بنسبة أعلى على خدمات الأطباء المستقلين (من دون عيادة مع طاقم متنوع)، بالإضافة إلى النقص في الخدمات الصحية في الاختصاصات المختلفة. لم يُنشأ أي مستشفى في أي بلدة عربية بعد تأسيس إسرائيل، حيث توجد 3 مستشفيات خاصة في الناصرة، جرى إنشاؤها قبل تأسيس إسرائيل، وهي تفتقر للميزانيات من وزارة الصحة. لذا، كان من المتوقع أن تكون عيادات الصحة الأولية في الخط الأمامي لمواجهة كورونا، إلا أنه لم يتم تجهيز هذه العيادات خلال الدفعة الأولى من ما يسمى بـ"عيادات كورونا"، التي تقوم بفحص المرضى وتقديم العلاج اللازم لهم. أضف إلى ذلك، أن خدمات الطوارئ والإسعاف الأولي في البلدات العربية تعتمد أغلبيتها على شركات خاصة لم يتم تأهيلها لمواجهة أزمة كورونا، بحيث أن فحوصات كورونا تم تركيزها لدى خدمات الطوارئ في "نجمة داوود الحمراء"، التي تنقصها البنى التحتية في البلدات العربية.

لذلك، فإن عدد الفحوصات المخصصة لاكتشاف الإصابة بكورونا في البلدات العربية لا يتعدى نسبة 6% من مُجمل الفحوصات في البلاد، ومن هنا جاء الانطباع بانخفاض عدد المصابين بكورونا في البلدات العربية، بحيث لا تتجاوز نسبة المصابين العرب بفيروس كورونا 3% من مجمل المصابين بناء على ما نشرته وزارة الصحة.

بناء على هذه النتائج المغلوطة (التي تعتمد على نسبة فحوصات قليلة)، سوف توضع سياسات مغلوطة، سيتم من خلالها تخصيص ميزانيات محدودة لمواجهة كورونا وانتشاره في البلدات العربية. لكن حماية الصحة العامة في أي دولة كانت، لا يمكنها تجاوز أي مجموعة سكانية، إذ تأكد لنا أن فيروس كورونا لا يعرف الحدود ولا يميز بين الجنسيات، ولا بين المجموعات القومية أو الإثنية أو غيرها.


د. نهاية داوود: أستاذة جامعية وباحثة في الصحة العامة؛ عضو مؤسس في لجنة المتابعة القطرية للصحة، ومؤسسة منظمة الصحة العامة في المجتمع العربي.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"