جوابنا المرتقب على ما هو أعقد من الضم

جوابنا المرتقب على ما هو أعقد من الضم

وليد سالم

"الأساس هو إنهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري لكي ينتهي بعدها الاحتلال العسكري الذي يخدمه، وليس افتراض العكس، وهو أن الاتفاق السياسي من خلال المفاوضات سيترتب عليه تلقائيًا قيام حكومة الاحتلال بتفكيك المستوطنات الاستعمارية"


تأتي هذه المقالة الموجزة على خلفية النقاش الدائر حول الضم الإسرائيلي لمنطقة الغور والمستوطنات الاستعمارية في الضفة الغربية، والمقرر حسب الاتفاق الائتلافي الجديد في إسرائيل (البند 29) أن يعرض من قبل الليكود على طاولة الحكومة لإقراره ابتداءً مطلع شهر تموز/ يوليو القريب، وإذا لم تقره الحكومة يتم التوجه إلى الكنيست لإقراره.

في واقع الأمر، يدور الحديث أولًا عن ترسيم الضم الذي جرى فعليًا على الأرض ابتداءً من عام 1967، بإعلان ما سمي بسريان القانون الإسرائيلي وأنظمته الإدارية والقضائية على القدس يوم 28 حزيران/ يونيو عام 1967. وفي العام نفسه طُرح مشروع يغئال ألون لضم الغور وجبال الخليل والسفوح الشرقية للضفة الغربية. ورغم عدم إقرار المشروع رسميًا من الحكومة الإسرائيلية، إلا أنها بدأت تعمل فورًا بموجبه، حيث تم إعلان مناطق واسعة من الغور كمناطق عسكرية مغلقة لمعسكرات الجيش ومناطق تدريب ومساحات إطلاق نار، كما شرع على الفور لاحقًا بإنشاء المستعمرات العسكرية التي أطلق عليها اسم "مستوطنات الناحل" في منطقة الغور، ولحق ذلك في فترة السبعينيات إنشاء ما أطلق عليه اسم "الكتل الاستيطانية الكبرى" على السفوح الشرقية للضفة الغربية المتاخمة لإسرائيل.

جرى إسناد هذا التوسع بسلسلة من القرارات الحكومية والعسكرية لتحقيق الضم الفعلي، وكان من القرارات المفصلية الأمر العسكري 783 لعام 1979، والذي منح مجالس المستوطنات الاستعمارية سلطات على مسطحات هيكلية وصلت إلى 42 في المئة من الضفة المحتلة. وفي أوائل التسعينيات وصلت نسبة السيطرة إلى 61 في المئة، شملت كل ما أطلق عليه اسم "المنطقة جـ" كما حُددت في اتفاق أوسلو 2 في عام 1995، منها 1 في المئة فقط يسمح للفلسطينيين البناء والاستثمار فيها ضمن "المنطقة جـ" البالغة 62 في المئة من الضفة الغربية، مضافًا إليها 2 في المئة تقرر أن تكون محميات طبيعية تسيطر عليها إسرائيل.

وافق الفلسطينيون على تقسيمات المناطق "أ" و"ب" و"جـ" ظنًا منهم أنها ستكون تقسيمات انتقالية مرحلية مؤقتة، إلى أن يحين موعد ما أطلق عليها تسمية "مفاوضات الحل الدائم". ولكن إسرائيل أرادتها كتقسيمات نهائية، ولذلك تمنعت دومًا عن وقف الاستيطان الاستعماري والتراجع عن ضم القدس والقبول بعودة اللاجئين الفلسطينيين.

عوضًا عن الضم الفعلي الذي جرى وتم منذ زمن، هناك ما هو أعمق وأخطر، وهو عمليات الاقتلاع والإحلال التي يقوم بها المشروع الاستيطاني الاستعماري في بلادنا. لا تكفي كلمة "الضم" للتعبير عن عمليات الاقتلاع والإحلال هذه. لذا، لا بد من تطوير تعبير آخر يتجاوز كلمة الضم التي تقوم بوظيفة إخفاء الاقتلاع والإحلال، وكأن الحديث يدور أولًا عن ضم أرض فارغة لم تكن عليها أية سيادة سابقًا، وظلت تنتظر عودة "الشعب اليهودي" إليها بوصفها "أرض إسرائيل الموعودة"، وكأنها "حق حصري" لليهود لا تنازعهم عليه أية مجموعة أخرى كما تدعي الصهيونية؛ وثانيًا، كأن الحديث يدور حول الجغرافيا فقط، وكأن هذه الجغرافيا مرة أخرى فارغة لا تحوي بشرًا، أو لا تحوي بشرًا لهم حقوق وطنية تاريخية، مع أن معاهدة فرساي لعام 1919 قد اعترفت بالشعوب التي كانت تخضع للتابعية العثمانية، واعترفت بحقها في الاستقلال بعد فترة من الوصاية تحضرها لذلك.

كذلك قرارات الأمم المتحدة بعد حرب 1967، منها قرارات مجلس الأمن 1515، 1850، 1860، و2334 تتناول أراضي 1967 كأراض محتلة. ولكن عند الصهيونية يسقط الضم على أرض فارغة منذ أن غادرها اليهود، وبالتالي فإن من أقام عليها بعد مغادرة اليهود هم غرباء لا يستحقون أكثر من الحقوق الفردية في أحسن الأحوال، ما يسهل طردهم ونقلهم من مكان إلى آخر، فيما تقتصر الحقوق الجماعية على اليهود كما جاء في وعد بلفور عام 1917، ووريثه "قانون القومية" الإسرائيلي عام 2018.

ارتبط الاكتفاء بوصف ما يجري على أنه ضم، بفكرة أن ما هو قائم على الأرض هو احتلال عسكري يدير مشروعًا استيطانيًا استعماريًا لتحسين أوراق ضغطه التفاوضية وحسب. وجرى هنا تجاهل أن ما يجري هو العكس تمامًا، أي وجود مشروع استيطاني استعماري اقتلاعي يقوم الاحتلال العسكري بخدمته. لذا، فإن الأساس هو إنهاء المشروع الاستيطاني الاستعماري لكي ينتهي بعدها الاحتلال العسكري الذي يخدمه، وليس افتراض العكس، وهو أن الاتفاق السياسي من خلال المفاوضات سيترتب عليه تلقائيًا قيام حكومة الاحتلال بتفكيك المستوطنات الاستعمارية. ذلك حدث مع مصر حيث فككت إسرائيل مستعمرة "ياميت" في سيناء بعد اتفاق كامب ديفيد. إلا أن فلسطين بالنسبة لإسرائيل ليست كسيناء بالنسبة لها، والاستيطان الاستعماري في الضفة والقدس هو أوسع بما لا يقاس عما كان في سيناء. وحدث ذلك أيضًا من خلال تفكيك أريئيل شارون للمستعمرات في غزة وجنين عام 2005، ولكن من دون اتفاق مع الفلسطينيين.

سيناء أيضًا قسمت إلى 4 مناطق: "أ" و"ب" و"جـ" و"د"

كما جرى، وذلك هو الأهم، إعادة توزيع مناطق تركيز المشروع الاستيطاني الاستعماري، لتتركز على القدس والجليل والنقب وبقية الضفة، كما صرح شارون نفسه في حينه في مؤتمر عقد في مدينة كرميئيل في حينه. أما في المفاوضات مع الفلسطينيين، فقد رفضت إسرائيل تفكيك أي مستعمرة، وحتى أن إسحق رابين قد رفض تفكيك المستعمرة القائمة في قلب مدينة الخليل بعد مجزرة باروخ غولدشتاين داخل الحرم الإبراهيمي الشريف عام 1994، مع أن الظروف كانت سانحة له للقيام بذلك.

أدى الفهم السابق إلى اقتصار آليات العمل السياسي والدبلوماسي على المفاوضات والضغط الدولي من أجل عكس عملية الضم المترافقة مع "أيام الغضب" الموسمية الموظفة لمساعدة العمل السياسي والدبلوماسي. ألم تفاوض إسرائيل سورية حول إعادة مرتفعات الجولان في التسعينيات وما بعدها، رغم أنها ضمتها عام 1980؟ وأولم تفاوض منظمة التحرير الفلسطينية على القدس رغم أنها ضمتها عام 1967؟ هكذا يتساءل دعاة فكرة عكس الضم، وبناء على ذلك لا زالوا يسعون للاعتماد على الوسائل السياسية والدبلوماسية، من ضغط فلسطيني وعربي ودولي على إسرائيل، لجعلها تقبل بالعودة إلى المفاوضات في ظل مرجعية دولية ووفق الاتفاقات السابقة ومبادرة السلام العربية.

تتجاهل هذه الطروحات حقيقة أن المفاوضات السابقة كانت بنظر إسرائيل كلعبة علاقات عامة شاركت بها لتحقيق هدفين؛ الأول، استكمال المشروع الاستيطاني الاستعماري وتوسيعه تحت مظلة المفاوضات؛ والثاني، الظهور بالمظهر المخادع أمام العالم، بأنها تنتهج سلوكًا حضاريًا وهو سلوك التفاوض، فيما تمتنع عن تقديم أي تنازل بخصوص الأراضي التي ضمتها وخلقت وجودًا استيطانيًا استعماريًا مكثفًا فيها.

هذا وإذ حققت المفاوضات السابقة الهدفين المذكورين بالنسبة لإسرائيل، فإنها لم تعد معنية بأي تفاوض من الآن فصاعدًا مع الطرف الآخر. فالتفاوض الجاري اليوم هو مع الولايات المتحدة من خلال اللجنة الإسرائيلية - الأميركية المشتركة للاتفاق على خرائط الضم.

أجل، تعتقد إسرائيل اليوم أن مشروعها الاستيطاني الاستعماري قد وصل إلى مرحلة حسم معها مسألة وجود أغلبية ديمغرافية يهودية في المنطقة "جـ"، فيما نحن نتفاخر بأننا أصبحنا الأغلبية الديمغرافية في فلسطين منذ ما قبل عامين، ولكنها في المقابل أغلبية لا تسيطر على الأرض بل مكدسة في "سجون مكتظة بالأجساد" كما تسميها الباحثة نادرة شلهوب - كيفوركيان، سواء في مناطق تجميع البدو الفلسطينيين في النقب، أو تكديس الفلسطينيين من منطقة المثلث في مدن وقرى مكتظة بعد السيطرة على 70 في المئة من أراضيهم، أو في المجتمعات المحلية المقدسية التي تكاد أن تنفجر بساكنيها، أو في المدن الفلسطينية في المنطقة "أ"، والتي باتت كعلب السردين حيث لم يعد هناك موطئ لأي قدم فيها؛ أو في المشاريع المطروحة لتجميع 125 ألف شخص من بدو الغور في تجمع سكني سيكون أشبه بمعسكر اعتقال، في النويعمة قرب أريحا، وذلك بعد أن تم الضم الفعلي لما يزيد عن 91.5 في المئة من أراضي الغور للمستعمرات ولمعسكرات الجيش.

وعليه، لا يكفي أن تكون لدينا أغلبية ديمغرافية، ولكن الأهم أن تكون هذه الأغلبية فاعلة ومؤثرة. وفي المقابل، فإن إسرائيل قد أصبحت أقلية في البلاد، وذلك رغم عدم عودة اللاجئين الفلسطينيين من الخارج، ولكن هذه الأقلية اليوم هي صاحبة الأغلبية الديمغرافية في المنطقة "جـ"، التي تمثل ثلثي الضفة الغربية، وهي تسعى أيضًا لأن تخلق هذه الأغلبية في القدس الشرقية أيضًا.

إضافة لشعورها أن مشروعها الاستيطاني الاستعماري قد نجح في خلق أغلبية يهودية في المنطقة "جـ" من خلال الاقتلاع والإحلال، فإنها تشعر أيضًا أن الظروف والمناخات العربية والدولية قد باتت مؤاتية لها للانتقال من الضم الفعلي إلى إعلان ترسيم الضم بموافقة أميركية. هذا ما يحصل الآن، على أن ما يتطلب المواجهة هو الضم الفعلي القائم على الأرض منذ زمن ابتداءً من تفعيل وجودنا بحيث لا نكون مجرد ديمغرافيا سلبية الوجود، وتعاني من نزيف معيشي وإنساني في مخيمات اللجوء سيما في لبنان، وفي المناطق المكتظة بالأجساد داخل الوطن، وتعاني من التشرذم السياسي الذي انعكس في التشظي الذي نشهده في كل أماكن شعبنا، حيث عجز الجاليات الفلسطينية في أوروبا وأميركا وغيرهما عن العمل معًا.

قد لا تكون هناك فرصة لتوحيد الفصائل، ولكن هناك فرصة لتوحيد فعل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده في كفاح واحد لتفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري في بلادنا.

تبدأ عملية توحيد الشعب من الظواهر الإيجابية للفعل القائم على الأرض، من خلال لجان التضامن وحركات المقاطعة وسحب الاستثمارات، وفعاليات حماية الأقصى من التهويد، وكفاح العراقيب والخان الأحمر ضد الاقتلاع. وتتخذ عملية التوحيد شكل الكفاح من أجل دولة لكل مواطنيها في الداخل، وشكل تثبيت الوجود الوطني وبناء المجتمعات المحلية في القدس والمناطق "جـ"، والكفاح في مواجهة التوسع الاستيطاني الاستعماري فيهما، سيما من خلال بناء تجمعات سكانية كبيرة فيها تسمح بحل مشكلة الاكتظاظ السكاني في مناطق "أ"، وحماية هذه التجمعات وتنمية الزراعة في المنطقتين "ب" و "جـ".

وفي الخارج يستعاد فعل م.ت.ف في مخيمات اللجوء، بما يعيد لهم كرامتهم ويحيي فعلهم من أجل حق العودة. كما يعمد إلى فعل كل ما يمكن لتوحيد فعل الجاليات الفلسطينية في العالم، لتطرح كل منها قضية فلسطين كقضية حرية وعدالة، من خلال التحالف مع قوى التحرر والعدالة في كل بلد.

يعني ما تقدم إعادة انخراط الشعب الفلسطيني كله في الكفاح من أجل التحرر الوطني، وجعل كل العالم ساحة النضال الفلسطيني من جديد، وبوسائل خمس تشتمل على الأفعال الكفاحية الميدانية الإبداعية، والمقاطعة الاقتصادية للاحتلال، والتنمية لفلسطين كتنمية تحررية مرتكزة على الناس كما سماها خليل نخلة، أي التنمية ككفاح من أجل التحرر. ويترافق مع ذلك التوجه إلى المحاكم الدولية لتجريم الاستيطان الاستعماري وأفعاله، وكذلك النشاط الدبلوماسي والسياسي لا مع الأمم المتحدة فقط، بل وأيضًا الدبلوماسية الشعبية مع الشعوب والحركات الاجتماعية وقوى التضامن الفاعلة أو المحتمل تجنيدها إلى جانبنا.

لا ينقصنا سوى الإرادة وقرار للتحرر من الأغلال، التي تقيدنا من أجل القيام بواجبنا تجاه بلادنا.

اقرأ/ي أيضًا | المقدسيون بين تأسرل مستحيل وفلسطنة محجورة


د. وليد سالم، كاتب وباحث من القدس