أطروحة الدولة الديمقراطية الواحدة: الفرضيات والممارسة

أطروحة الدولة الديمقراطية الواحدة: الفرضيات والممارسة

وليد سالم

يقول أحد الأجوبة عن كيفية حل الصراع مع الصهيونية في فلسطين، إن هذا الصراع غير قابل للحل إلا في إطار دولة ديمقراطية واحدة تقام في أرجاء فلسطين التاريخية. ويتنوع القائلون بهذا الحل بين القائلين بدولة واحدة لكل مواطنيها، أو بدولة واحدة لكل مواطنيها ولاجئيها (نور مصالحة وأوري ديفيس)، أو بدولة واحدة ثنائية القومية.

هذه المقالة ترى أن نقاش شكل الدولة لما بعد التحرر الوطني الفلسطيني، يضيع الاهتمام والانشغال العملي في تطوير الكفاح من الخارج لتفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري. المقالة مخصصة بشكل محدد لمعالجة فكرة الدولة الواحدة الثنائية القومية، التي طرحتها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أول مرة في أواخر الستينيات من القرى الماضي، ثم تلقفتها منذ ذلك الحين جهات حزبية وأكاديمية مختلفة، كما كانت الأطروحة ذاتها قد قُدمت قبل عام 1948 من قبل حركات صهيونية مثل حزب "مبام" (1947) وحركة "بريت شالوم" (1925) وحركة "إيحود" (1942).

وتستند هذه الأطروحة القديمة المتجددة إلى ثلاث ركائز؛ الأولى، افتراضها لوجود قوميتين في البلاد، الأولى يهودية صهيونية والثانية فلسطينية؛ والثانية، افتراضها بوجود ديمقراطية إسرائيلية وإن كانت ديمقراطية إثنية وفق سامي سموحة، أو إثنوقراطية وفق أورن يفتاحئيل، قابلة في الحالتين للتحول إلى الديمقراطية من خلال الكفاح الفلسطيني - اليهودي المشترك؛ والثالثة، تتمثل في افتراضها وجود حالة أبرتهايد تمارسها الصهيونية في فلسطين.

بافتراضها الأول تقدم هذه الأطروحة تنازلا مسبقًا يعترف بوجود قومية إسرائيلية في هذه البلاد مجانًا، قبل أن تتحول هذه القومية عن طابعها الصهيوني. وبافتراضها الثاني، فهي تنفي أو على الأقل لا تتبنى الوجه الآخر للديمقراطية الإسرائيلية، الذي يتمثل بكونها ديمقراطية مستوطنين هي لهم حصرًا، فيما هي مُجرمة ضد الشعب الأصلي حسبما حلل مايكل مان. وأخيرًا في افتراضها الثالث، فإن هذه الأطروحة تتحدث عن وجود شعبين ضمن حالة أبرتهايد هي بحكم التعريف حالة "تنمية منفصلة"، بما تشمله من سياسات للتمييز القانوني والاستثناء السياسي والتهميش الاجتماعي بالاستناد إلى العرق أو الأثنية، من قبل الطرف الأقوى ضد الطرف الأضعف. وتكافح هذه الأطروحة ضد هذه المظاهر، معتبرةً في المقابل أن سياسات الاستيطان الاستعماري الذي تتميز به الصهيونية، وما يترافق معه من ممارسات استئصالية اقتلاعية ضد الشعب الأصلي، سواء عبر نقل الشعب الأصلي من مكان إلى آخر داخل بلاده ذاتها أو طرده أو أجزاء منه إلى خارج البلاد، ستنتهي وتضمحل بمجرد نجاح النضال الديمقراطي الفلسطيني - اليهودي المشترك. وفي إطار ذلك، تنصح هذه الأطروحة الشعب الفلسطيني بالانتقال من الكفاح من أجل حق تقرير المصير وتفكيك المشروع الصهيوني الاستعماري أولا، إلى الكفاح الديمقراطي المشترك الذي سيترتب عنه في حال نجاحه، تفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري كتحصيل حاصل.

تنطوي هذه الافتراضات على وضع العربة أمام الحصان، فهي تمضي في القول بالكفاح المشترك من داخل المشروع الاستيطاني الاستعماري مع قوى يهودية هامشية، في الوقت الذي وصلت الصهيونية فيه ذروة قوتها ولا تملك القوى اليهودية الحليفة لا حولا ولا قوة بعد، وذلك بدلا من أن تكافح أولا من خارج المشروع الصهيوني بوسائل المقاومة الشعبية الشاملة، لكي يصبح مشروعًا خاسرًا وبما يؤدي بالتالي وكنتيجة لهذا الكفاح، إلى تغيير في توجهات الإسرائيليين كثمرة للكفاح الفلسطيني لتفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري.ليس هذا الأسلوب إلا وضعًا للعربة أمام الحصان إذًا، وبدلا من ذلك، فإن الكفاح من خارج المشروع الصهيوني يأتي أولا من أجل إحداث تغييرات داخله. أما البدء من داخله كأولوية رئيسة، فهي ليست إلا تنازلا نتج عنه تقوية الصهيونية وبرنامجها الإقصائي - الاقتلاعي الإحلالي، كما ترتب عنه تحول الكفاح الفلسطيني إلى دعاية تبشيرية لهدف غير قابل للتحقيق من دون كفاح على الأرض، في مواجهة الجانب الأهم في المشروع الصهيوني وهو الجانب الاقتلاعي الإحلالي. وفي النهاية، أدى تغيير الأولويات هذا والترويج له في العالم إلى صيغة لإعفاء دول العالم والدول العربية من دعم الكفاح الوطني الفلسطيني، على اعتبار أن هذا الكفاح لم يعد مهمًا، وإنما الأهم منه هو العمل الفلسطيني اليهودي المشترك من أجل دولة واحدة لن تأتي وفق الصيغة المطروحة وأدواتها.

تنتمي هذه الأطروحة إلى رؤية لواقع الصراع على أنه أبرتهايد شبيه بالحالة الجنوب أفريقية، وهنا يتم الإساءة للحالة الجنوب افريقية باختزالها إلى مجرد حالة أبرتهايد وفق تعريفها أعلاه؛ وهذا علمًا أن جنوب أفريقيا عاشت فترة استيطان استعماري لمدة تزيد عن 260 عاما منذ عام 1652 وحتى عام 1910؛ وبين عامي 1910 و1948 شهدت وضعًا كان مزيجًا ما بين الاستيطان الاستعماري وبين الأبرتهايد ، وتحولت تمامًا للأبرتهايد عام 1948 نتيجة لاعتمادها على العمالة المأجورة المحلية وعدم طردها للسكان الأصليين، واستمر ذلك حتى عام 1994 حين سقط نظام الأبرتهايد.

عندنا الحالة هي أسوأ من أبرتهايد كما صرح القس الجنوب أفريقي، ديزموند توتو، لدى زيارته لفلسطين ضمن وفد مجموعة الحكماء في آب/ أغسطس من عام 2009. حالتنا على الاقل هي "أبارتهايد كولونيالي" كما سماه عزمي بشارة عام 2003، أو حالة ثلاثية من الاستيطان الاستعماري والأبرتهايد والاحتلال العسكري كما وصفته هنيدة غانم عام 2018، مع أولوية الأول؛ إذ إن ممارسات الأبرتهايد هي ممارسات ضمن المشروع الاستيطاني الاستعماري الأوسع وليس العكس، كما يقوم الاحتلال العسكري بخدمة المشروع الاستيطاني الاستعماري وليس العكس، أي أن زوال الاحتلال العسكري يؤدي تلقائيا إلى زوال الاستيطان الاستعماري كما افترضت إستراتيجيات أوسلو الفلسطينية.

يعزز ما تقدم الكفاح من أجل تفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري من خارجه أولا، كمقدمة لنضوج الظروف لأي نضال ديمقراطي موحد مستقبلا، يبدأ ليس قبل تحول إسرائيل إلى حالة أبرتهايد كما حصل في جنوب افريقيا عام 1948، فيما لا زالت إسرائيل حتى الآن هي حالة استيطانية استعمارية تتضمن مظاهر أبرتهايد. بلغة أخرى، ربما المطلوب هو كفاح فلسطيني شامل على مرحلتين: الأولى هي الكفاح من الخارج لإنهاء الطابع الاقتلاعي الاستئصالي الإحلالي لإسرائيل، ما سيزيل خطر الطرد عن الشعب الفلسطيني، ولكنه في المقابل سيحول إسرائيل إلى دولة أبرتهايد تقوم على الاستثناء والتمييز والتهميش ولكن ليس الطرد، أي كما جرى في جنوب أفريقيا عام 1948. وحينذاك، تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة الكفاح من الداخل من أجل تحويل دولة الأبرتهايد إلى دولة ديمقراطية. تتعزز المرحلة الأولى بنجاح الشعب الفلسطيني بالبقاء على أرضه والحيلولة دون اقتلاعه منها، ما سيحول واقع العلاقة عبر عدة عقود من علاقة طرد وإحلال إلى علاقات أبرتهايدية تمييزية استثنائية وتهميشية.

لا حاجة في إطار ذلك لحرق المراحل والاستعجال وبالتالي الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل إنهاء الاولى، وهو ما نجده في أطروحات قُدمت بعد نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية، وقالت إن اتفاق أوسلو عنى انكسار المشروع الاستيطاني الاستعماري وتحوله إلى مشروع فصل وأبرتهايد زاحف، سيما بعد إقامة جدار الفصل العنصري (يفتاحئيل - 2013، وغوردون 2012)، كما نجده في أطروحات اليوم بأن الضم الجديد سيوجد نظام فصل عنصري بين المستوطنين وبين الفلسطينيين ليس إلا، وسوف يؤدي بالفلسطينيين لتقديم طلب جماعي للحصول على الجنسية الإسرائيلية، متوهمين أن الصهيونية ستقبل هذا الطلب طواعية نتيجة لديمقراطيتها ومن دون تغيير موازين القوى أولا.

بعكس هذه الأطروحات، تعزز الاستيطان الاستعماري بعد أوسلو ولم يتحول إلى مجرد فصل عنصري، كما يجري الضم الجديد في وقت لا زالت الصهيونية فيه في ذروة تخطيطها لنهب الأرض وطرد الشعب الأصلي. في أوقات كهذه، يؤدي استبدال أطروحة الاستيطان الاستعماري بأطروحة الفصل العنصري فحسب، إلى تحرير العالم من مسؤولياته تجاه كفاحنا في مواجهة الاستيطان الاستعماري، ولعل الأمر المهم في إطار ذلك هو النظر في طرق وآليات تطوير هذا الكفاح الشامل لكل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، لتحقيق هدف موحد وهو تفكيك المشروع الاستيطاني الاستعماري القائم على أرض فلسطين، وليس الانشغال مبكرًا في شكل الدولة التي ستنشأ عنه، وقد أحسن عزمي بشارة في كتابه الأخير عن "صفقة القرن" التعبير عن هذه الفكرة.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"