انتفاضة الفقر في مصر: أسبابها ودلالاتها

انتفاضة الفقر في مصر: أسبابها ودلالاتها

اندلعت في 20 أيلول/ سبتمبر 2020 احتجاجات شعبية في عدد من المحافظات والقرى المصرية. وقد بدأت الاحتجاجات في بعض قرى محافظة الجيزة، ثم انتقلت بعدها إلى محافظات صعيد مصر مثل أسيوط وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف والفيوم وأسوان والأقصر.

وعلى الرغم من القمع الشديد والانغلاق السياسي القائم منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، فإن المحتجّين نجحوا في الخروج للتظاهر في هذه المناطق، مطالبين برحيل السيسي من السلطة. وقد وصلت الاحتجاجات إلى ذروتها في الـ 25 من الشهر نفسه، فيما يُعرف بـ"جمعة الغضب" التي خرجت فيها مظاهرات في عدد من المحافظات المصرية، خاصة في صعيد مصر.

أسباب الاحتجاج

هناك أسباب عديدة لخروج الاحتجاجات، يتعلق معظمها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي تفاقمت خلال الشهور الماضية بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"، وتسببت في تعطل العديد من المهن والمشروعات عن العمل. وبحسب بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهي مؤسسة رسمية مصرية، فقدَ ما يقرب من مليوني ونصف المليون شخص وظائفهم حتى آب/ أغسطس 2020، وارتفع معدل البطالة، وفق الأرقام الرسمية، من 7.7 في المئة إلى نحو 9.6 في المئة خلال الشهور الستة الماضية، وإن كان البعض يشكك في صحة هذا الرقم ويعتبر أن معدل البطالة أعلى من ذلك بكثير.

في حين يشير الجهاز أيضًا إلى أن نحو 26 في المئة من الأفراد المشتغلين بالأسر المصرية فقدوا عملهم نهائيًا بسبب جائحة كورونا. ويتركز معظم من فقدوا وظائفهم في الصناعات التحويلية، كالصناعة الغذائية وصناعة المنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية ومواد البناء والتشييد وكذلك في قطاعات النقل والمواصلات والتخزين.

كذلك تركت الجائحة آثارًا وخيمة في قطاع السياحة الذي يساهم بنحو 12 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في مصر.

وأدخل نحو 13 مليار دولار إلى مصر عام 2019. وقد توقعت دراسة رسمية حدوث خسائر كبيرة في قطاع السياحة تصل إلى أكثر من 70 في المئة، نتيجة تفشي فيروس كوفيد-19. وقد تضرر كثير من العاملين في قطاع السياحة والطيران، يصل عددهم إلى قرابة مليونَي شخص نتيجة تراجع إيرادات السياحة، وتعد محافظة الجيزة الأشد تأثرًا من الأضرار التي أصابت هذا القطاع، لذلك لم يكن مفاجئًا أن تشتعل المظاهرات في الكثير من قرى الجيزة احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وأدت السياسات والقرارات الحكومية الأخيرة، خاصة المتعلقة برفع الأسعار، دورًا مهمًا في إشعال موجة الاحتجاجات، وكانت قرارات هدم المنازل المخالفة القادحَ الذي فجَّر الغضب. فقد أصدرت الحكومة قرارًا بإزالة الأبنية المخالفة أو دفع غرامات، ما أثر سلبيًا في الفقراء ومحدودي الدخل. وبحسب تقارير رسمية، فإن عدد المنازل المخالفة التي تم بناؤها في الفترة 2000-2017 بلغ نحو مليونَي منزل.

وقد توعدت الحكومة بهدم هذه المنازل المخالفة ما لم يقم أصحابها بتعديل أوضاعها والمصالحة عليها من خلال دفع غرامات مالية. وإذا كان صحيحًا أن جميع المناطق والمحافظات التي تعاني فقرًا وفقرًا مدقعًا في مصر لم تخرج للاحتجاج على أوضاعها الاقتصادية والمعيشية، إلا أن القرى والنجوع التي تظاهرت واحتجت تمثّل عينة جيدة لمعرفة العلاقة بين الفقر واللجوء إلى الاحتجاج في مصر.

الفقر والاحتجاج: قراءة في دلالات الأرقام

لم يكن ما شهدته مصر خلال الأيام الأخيرة من أيلول/ سبتمبر 2020 من احتجاجات سوى انعكاسٍ للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي ما فتئت تتردى منذ وصول الرئيس السيسي إلى الحكم عام 2014، واعتماده القمع مع سياسات اقتصادية نيوليبرالية حادة أدت إلى تعويم سعر العملة الوطنية ورفع الأسعار وزيادة الرسوم زيادة كبيرة، ما أدى إلى انتشار الفقر على نطاق واسع. وثمة علاقة واضحة بين خريطة الفقر ومعدلات الفقر في مصر، والمناطق التي شهدت احتجاجات، خاصةً في صعيد مصر.

فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن خط الفقر القومي لعام 2017/ 2018 بلغ 32.5 في المئة، وهو ما يعني أن أكثر من ثلث الشعب المصري، الذي يبلغ تعداده 100 مليون شخص، يعيش تحت خط الفقر الرسمي، الذي يصل إلى 735 جنيهًا شهريًا أو ما يعادل 47 دولارًا للشخص.

وترتفع معدلات كبيرة في مناطق مختلفة من البلاد، خاصة في صعيد مصر الذي تصل نسبة الفقر فيه إلى نحو 52 في المئة مقارنة بالجزء الشمالي من مصر. وتبلغ نسبة الفقر في محافظة أسيوط، على سبيل المثال، نحو 66 في المئة، وفي سوهاج 57 في المئة، وفي الأقصر 55.3 في المئة، والمنيا 54 في المئة، وقنا 41 في المئة.

في حين ارتفعت نسبة الفقر خلال الفترة 2016-2018 بنسبة 4.7 في المئة، نتيجة تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي، وذلك وفقًا لوزيرة التخطيط المصرية، هالة السعيد. وبحسب البيانات الرسمية، فإن من بين أفقر ألف قرية في مصر توجد نحو 226 قرية في سوهاج، و206 قرى في أسيوط و66 قرية في المنيا؛ وهو ما يعني أن معظم القرى في صعيد مصر تعاني فقرًا شديدًا. لذلك لم يكن مفاجئًا أن يشهد بعض هذه القرى احتجاجات ومظاهرات للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية.

ويمكننا وصف احتجاجات مصر الأخيرة بأنها انتفاضة الفقراء الذي يعانون وطأة الأوضاع المعيشية والاقتصادية، في حين لوحظ غياب مشاركة الطبقة الوسطى. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة، بعضها يتعلق بالقمع والخوف من ردة فعل النظام حيث يحكم قبضته في المدن، وإمكانية انتقامه ممن قد يشاركون في هذه الاحتجاجات وذلك على غرار ما فعل قبل عام (2019)، حين اعتقلت أجهزة الأمن أعدادًا كبيرة من المشاركين في الاحتجاجات التي طالبت برحيل السيسي، ومنها أيضًا ما يتعلق بالشعور باليأس والإحباط من فشل ثورة يناير 2011 التي لم تحقق أهدافها، وخيبات الأمل التي أصابت الكثير من الشباب الذين شاركوا فيها.

ردة فعل النظام

فوجئ النظام المصري، على ما يظهر، بخروج الاحتجاجات المطالِبة برحيله، وذلك لعدة أسباب، منها: القبضة الأمنية الشديدة، وسياسات الترهيب والتخويف التي يمارسها منذ أكثر من سبع سنوات والتي وأدت الحراك الشعبي إلى حد بعيد. ولعل ذلك ما أصاب النظام بقدرٍ من الارتباك في الأيام الأولى للاحتجاج، ووقوفه عاجزًا أمامها.

وهذا أيضًا ما ساعد في انتشارها واتساع رقعتها على نحو بعيد خلال أيام قليلة. وفي بداية الاحتجاج، لم يلجأ النظام إلى استخدام القوة المفرطة أو العنيفة في فض هذه الاحتجاجات، بسبب تكتيكات الاحتجاج الجديدة التي فاجأت على ما يبدو أجهزة الأمن، ومنها مثلًا الخروج الليلي للمحتجين، والانتشار في عدة قرى في الوقت نفسه، وعدم إبراز وجوه المحتجين، واستخدام تقنيات معينة لتصوير وبثّ الاحتجاجات على وسائل التواصل الاجتماعي وإرسالها إلى وسائل الإعلام في الخارج.

كما يمكن أن يكون التخوف من ردات فعل الكتلة الصامتة أيضًا أحد أسباب عزوف النظام عن استخدام القمع الشديد في بداية الاحتجاج؛ فقد كان واضحًا أن النظام يتحسب لاحتمال اتساع نطاق الاحتجاجات وخروجها عن السيطرة، ما قد يؤدي إلى انتفاضة كبرى أو ثورة تشارك فيها فئات أخرى من الطبقة الفقيرة أو الوسطى. لذا لم يكن أمام النظام سوى شنّ حملة إعلامية مضادة من أجل تشويه الحراك والتقليل من أهميته ومغزاه.

في البداية أنكر الإعلام المحسوب على النظام وجود مثل هذه التظاهرات، ولكن بعد اتساع نطاقها وزيادة أعداد المشاركين فيها، اعترف بوجودها وإن على نطاق ضيق. وبعد ذلك، اعتبرها جزءًا من مؤامرة خارجية، وجرى استحضار "العدو الجاهز"، ممثلًا في جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها الجهة التي تقف وراء الاحتجاجات. وقد وجد النظام صعوبة في إقناع الرأي العام بأن جماعة الإخوان تقف خلف هذه الاحتجاجات.

فالجماعة تعاني قمعًا شديدًا جعلها تفقد الكثير من قدراتها التنظيمية والتعبوية. ربما يكون بعض أفراد الجماعة أو مؤيديها شاركوا في الاحتجاجات نتيجة تضررهم من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مثل بقية المحتجين، لكن وجودهم لم يكن بارزًا.

مع استمرار الاحتجاجات، بدأ النظام يلجأ إلى القمع المميت في فضّ بعضها، حيث قتل اثنين من المحتجين، أحدهما هو الشاب سامي بشير في قرية البُليدة بمحافظة الجيزة في 25 أيلول/ سبتمبر، والثاني هو عيسى الراوي الذي قُتل بالرصاص في منزله على يدي أحد ضباط الشرطة المصرية في 30 أيلول/ سبتمبر. كما تم اعتقال مئات المحتجين خلال الأسبوع الأخير من الشهر نفسه، بينهم عدد كبير من الأطفال الذين تم إطلاق سراح بعضهم. أما اللافت في هذه الاحتجاجات فهو غياب التغطية الإعلامية الأجنبية التي لم تُعرها اهتمامًا كبيرًا.

نقطة تحول

تمثل انتفاضة الفقراء نقطة تحولٍ في المشهد السياسي بمصر من عدة جوانب. أولها، أنها المرة الأولى التي تخرج فيها مظاهرات واحتجاجات في أكثر من محافظة مصرية، خاصةً في محافظات الصعيد التي لا تشهد عادة انتفاضات من هذا النوع، وترفع مطالبات برحيل رأس النظام السياسي، في ظل حالة من القمع الأمني غير المسبوق وإغلاق المجال العام.

وثانيها، أنها من المرات القليلة التي تنتفض فيها الفئات الفقيرة والمهمشة من مناطق مختلفة في الوقت ذاته احتجاجًا على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. وثالثها، انتشار الاحتجاجات على رقعة جغرافية كبيرة، ما جعل قمعها صعبًا نسبيًا.

ورابعها، مشاركة الشباب حديثي السن في هذه الاحتجاجات على نحو واضح، ما يثير التساؤل حول مدى نجاح سياسات القمع والتخويف التي يستخدمها النظام لوأد ثقافة الاحتجاج، علمًا أن كثيرًا من هؤلاء الشباب إما لم يشاركوا في ثورة يناير وإما كانوا أطفالًا وقتها. وأخيرًا، تمثل الاحتجاجات الأخيرة، على صغر حجمها وانتشارها، خطوةً مهمة نحو استعادة المجال العام من الدولة البوليسية في مصر.