الأرثوذكسية ولبنان والعروبة../ كميل حبيب*

اختلط الأمر على الفلاسفة في بحثهم الدؤوب عن كينونة العالم وصيرورته. فمنهم من أنكر وجود الخالق مستفسراً عن أسباب «الانفجار الكبير» وارتباط ذلك بوجود العالم. ومنهم من حاول تأريخ قصة الإله معتبراً ان الشعوب بعدما تعبت من عبادة آلهة متعددة اختارت شخصية معنوية سمّتها «الله».
وفي نهاية المطاف اهتدى بعض الفلاسفة من المسيحيين وغير المسيحيين، الى إلغاء مقولة الزمن كفاصل بين وجود الكون وخالقه على قاعدة انه «كان الله وكان العالم».

بعض العلماء قام بمحاولات جادة لإثبات وجود الله نذكر منها:
1 ــ حجة الحركة: أي القول إن الكون سلسلة أحداث وإن كل حادث مفعول وكل مفعول يفترض فاعلاً.
2 ــ الإمكان والوجوب: أي القول إن في الموجودات حاجات واحتمالات وان الله وحده كامل بذاته يتأتى له الكمال بحكم طبعه.

خلاصة القول، أن الدين، في شكل عام، لا يعتمد على ما يثبته العقل بدليل منه. فليس كل معقول، يقول المؤرخ أسد رستم، «قابلاً للإثبات بحجج العقل».

إن أجدادنا الذين ساروا وراء نجمة المشرق الى حيث مزود الإله كانوا يوماً ضمن الجموع التي كانت تحيط بيسوع لتسمع تعاليمه. فمع الميلاد والصلب والقيامة كانت الكنيسة المستقيمة الرأي من دون فاصل زمني بينها وبين المسيح يسوع.

وكما المسيح، الإله المتجسّد، كذلك الكنيسة لها طبيعتان إلهية وإنسانية، تجمع المؤمنين في حنايا هيكل الرب. أبناء كنيسة أنطاكية العظمى لا يضعون خرقة بالية على ثوب جديد، حدود رسالتهم المسيحية هي حدود الانسانية جمعاء، على استذكار دائم ان الأخيار يُنتقون على أساس إيمانهم لا على فئة دمهم.

ولكنيستنا الرسولية جذور وتاريخ، فهي مشرقية في أصالتها، عربية قبل الفتح الاسلامي بمئات السنين، تعايشت معه، ووقفت الى جانبه في مواجهة حملات المحافظين القدامى الذين جعلوا من تعاليم المسيح غطاء لاحتلال المشرق العربي مع بداية الألفية الثانية. أما أبناؤها فلا يحملون في عقولهم قصة هجرة وتهجير واستيطان، يفاخرون بانتمائهم الى كنيسة لا الى طائفة، ويصرون على الصلاة بلغة يفهمها الشعب. همّهم ان يدافعوا عن حقهم في الحياة وعن حقهم في السلام.

وسلام كنيستنا جزء من سلام العالم. وواجب كل أرثوذكسي يعمل في حقل الرب ان يعمل أيضاً من أجل وحدة الكنيسة الرسولية، وان يعمل على الاعتراف بالآخر مع المحافظة على حق الاختلاف مع هذا الآخر. ويقول قداسة البابا يوحنا بولس الثاني في هذا السياق: «الكنيسة الكاثوليكية والكنائس الأرثوذكسية مدعوة، بوجه خاص، الى الحفاظ في شراكة الإيمان والمحبة، على العلاقات الأخوية التي يجب ان توجد بين الكنائس المحلية كما توجد بين شقيقات». وعلى عاتق الأرثوذكسي تقع مسؤولية إحلال فكرة العالمية مكان العولمة الفجّة. فبينما تعبّر العولمة عن طموح نحو إيجاد نظام سياسي عالمي تهيمن فيه روح المادة وتفرض فيه قوة وحيدة، تعني العالمية الاعتراف بالتبادل، الاعتراف بالأدوار.

إننا، وللأسف، قد دخلنا في عصر صراع الأصوليات، ولا نقول عصر صدام الحضارات لأن الحضارات لا تتصارع بل يتفاعل بعضها مع بعض. وإنه لمن المستغرب ان ينطلق الأصوليون من كتبهم السماوية لتبرير أعمالهم الإرهابية والعنفية. فبدا المحافظون الجدد قلة مسيحية بلا مسيح، وظهر بعض أدعياء الإسلام من دون نبي. ولا يضير العالم ان يشحذ من الكنيسة الأرثوذكسية إطارها ومسلكها في الحوار سبيلاً للعيش المشترك، ولبناء المجتمع. أما أسس هذا الحــوار فــــهــي أبعد بكثير من واشنطن وجبال تورابورا.

وما دامت الكنيسة تعيش في العالم فواجب على جميع المؤمنين ان يعلموا ان طريق الخلاص يمر عبر طريقين متلازمين: محبة الله للإنسان، ومحبة الانسان لأخيه الانسان. وأما الطريق الأول نحو الخلاص فلا فضل لبني البشر فيه لأنه «هكذا أحب الله العالم...»، وأما الطريق الثاني فيتضمن إطعام الجياع، والدفاع عن المظلومين، ونبذ الحروب...، وما في ذلك من تقرّب من مبادئ المسيح وانعكاس لفهم جلجلة الصلب.

هذه القيم وجدت تجلّياتها في ذلك الاحتضان التاريخي الذي خصّت به العروبة أصحاب الرسالتين المسيحية والاسلامية. ويقول المطران جورج خضر في هذا الصدد: «إن المسيحيين الذين أخرجوا العروبة الحديثة الى حيّز الصراع السياسي (ضد سياسة التتريك) والإدراك الثقافي أتاحوا المجال لإمكان التمييز بين العروبة والاسلام. واستند هذا التمييز الى كون المسيحيين أسبق في العروبة، وبقي بعض الغساسنة على النصرانية حتى يومنا، وحافظت عليها طويلاً تغلب...، كل ذلك للدلالة على سماحة الحكم الاسلامي من جهة وعلى ان العروبة توق ووجود جامع. هذا ربما ما دفع العرب الأرثوذكس إلى ان يرحبوا بالمسلمين العرب ويفتحوا أبواب دمشق لهم، حتى لا يقال يوماً ان المسلمين دخلوا المشرق عنوة».
هذا الفهم الأرثوذكسي لزخم التاريخ جعلهم، وبالفطرة، ينظرون الى العروبة كونها انصهاراً لكل الميراثات الشرقية القديمة.

وفي ضوء هذه الخلفية التاريخية الزاخرة شارك بعض المفكرين الأرثوذكسيين في توهجات عصر النهضة حاملين لوائي الوحدة والتحرير ومستشرفين في الوقت عينه الخطر الصهيوني الداهم على الوطن والأمة. ان هاجس حماية الأقليات كان الدافع الأساس وراء تبنّي أفكار قومية على النمط الأوروبي، وإدخال بعض الإصلاحات في أنظمة الحكم حتى تستقيم العدالة. وانه لمن المؤسف ان تنطبع الأنظمة التي آلت على نفسها محاربة اسرائيل بطابع الدكتاتورية. فكانت النتيجة الحتمية لهذا التصارع العشوائي على الجانب العربي أن انتصرت اسرائيل بتثبيت وجودها المصطنع مترادفاً مع قمع الحريات وازدياد بناء السجون عند العرب.

وبالعودة الى لبنان فقد ساهمت الكنيسة الأرثوذكسية مساهمة فعالة في رفد الوطن برجالات عارضوا استبدال قيم الحرية بأية دعوة اتحادية أو وحدوية فوقية غير محسوبة النتائج. وينظر الأرثوذكس الى الطوائف الأخرى كأزهار متنوعة ومتمايزة زادت في جمال لبنان المجنون. ويؤمن الأرثوذكس ان الوطن اللبناني يتسع للجميع، لكنه لا يتسع لأي طموح فئوي أكان ذلك الطموح طائفياً أو مذهبياً.

وبالتالي، سمة التوافقية كقاعدة استثنائية للحكم لا يمكنها ان تستمر إذا ما توافقت بعض الطوائف، مهما كان حجمها، على استثناء أحد أعمدة الهيكل. وعليه، ليس عجباً ان لا يحمل أبناء الكنيسة الأرثوذكسية أية مطالب مذهبية، حسبهم بذلك انهم «آباء الصبي». كل هذه الأفكار قد تكون معروفة سلفاً عند أصحاب الشأن، فقط أردنا استعادتها ولبنان يمر بأخطر أزمة سياسية في تاريخه الحديث تستدعي من الأرثوذكس إعادة تفعيل دورهم كهمزة وصل بين كل الأفرقاء المتصارعين. ففينيقيا التي خاضت البحر مكّنت معاوية من ان يصبح عالمياً لتمتد العروبة الى صقلية والأندلس. وفي النهاية، إن الأرثوذكس لا يطيقون اللون الرمادي عندما يتعلق الأمر بمسألتين اثنتين: المسألة الأولى هي ان الضمانات الخارجية للعصبيات المحلية لا تبني وطناً بل تهدمه على رؤوس أبنائه.

أما المسألة الثانية فتتعلق بأمر الصراع مع العدو الصهيوني الذي سيبقى عدواً سواء تحررت مزارع شبعا أو لم تتحرر. ففي رأينا ان تحرير كنيسة القيامة وحده يجسّد هويتنا العربية. فنحن تحررنا من تداعيات بيزنطة، ولم نعد روم أرثوذكس بل عرب أرثوذكس. ولأن الإنسان ينشد الحرية في حياته، فالأولى به حين ينطلق أن يكون حراً بذاته، لا مقيداً ولا مأسوراً بتبعية تتناقض وواقعه لتترك أثراً يسيء ويزيد من أعباء نحن بغنى عنها، لأن النظرة الجامعة لا تقبل الجموح والرؤية السليمة لا ترضى الجنوح.


"الأخبار" اللبنانية

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018