في أصل السخط العربي وفصله.../ ياسين الحاج صالح

إلى أي مدى يشكل إدماننا هجاء الأنظمة العربية وتنديدنا المرسل بالأوضاع العربية جزءا من سخط أولي يتعدى الأنظمة والسياسة ذاتها، وقد يكون منبعه الحاجة إلى منح أنفسنا الشعور بأننا على حق، أو التعبير عن غضب من العالم ومن موقعنا فيه؟ ثمة ما يوحي بأن الأمر كذلك فعلا: فنحن ننزع إلى هجاء مجمل لـ «الأنظمة العربية»، مغفلين اختلافاتها أو مقللين من شأنها، ما يدل على أن أصل اشمئزازنا منها ثقافي وليس سياسيا. إذ لا جدال في أن النظرة الثقافية تضفي عليها تقاربا لا توفره النظرة السياسية. وقد يتصل انصباب سخطنا على «الأنظمة» بالحاجة إلى البحث عن مسؤولين عن حالة التخبط المشين الذي نغرق فيه، أو عن سند محسوس لغضب بات قالبا ذهنيا مكونا لحساسيتنا مثل المقولات الكانتية.

إن كان سخطنا أوليا، فثمة احتمال في أننا على ضلال عميق ومبين في خياراتنا وقراراتنا ونظام تفاعلنا مع العالم، في أن انحراف مزاجنا يحكم على كل ما نقول ونفعل بالزيغ أو ضآلة الثمرة. هذا احتمال لا يطاق، لكن من منا لا يخطر بباله، بين حين وآخر، أننا مصابون بلعنة عميقة، تحكم على أفعالنا جميعا وعلى جميع أفعال كل واحد منا بأن تكون متماثلة وبلا محصول؟!

إذا صح ما نقول فقد يستحسن أن لا نستجيب، تفسيرا له، لإغراء «التفكير الثقافي»، التفكير في هويات وذوات وغرب وشرق وعرب ومسلمين وحضارات وما شابه. من شأن ذلك أن يلهب سخطنا أكثر، ويزيد من تشوش عقولنا وقلوبنا، وكياننا ذاته. ربما يفيد، بالمقابل، أن ننكب على الفوارق والتفاصيل، على نشوء وتاريخ الأوضاع العينية التي نعيش في ظلها. قد نكون نسينا، لكن شغلا في هذا الاتجاه اسمه العلم، الكلمة التي تكاد تكون غائبة من أفق تفكيرنا وممارستنا الثقافية الراهنة.

الشغل هذا لا يدربنا على الانضباط فقط، وإنما أيضا على التواضع الشخصي والجمعي. فالعلم يقتضي من المشتغلين فيه خضوعا تاما للموضوع. وهذا خضوع غير مهين، لأن سلطة الموضوع غير مزاجية ولا متقلبة. ومن شأن التواضع المتحصل من الخضوع أن يسهم في تخفيف السخط المحتدم الذي يبطل أقوالنا وأفكارنا وأحكامنا، وأن يساعد تاليا على إصلاح ثقافتنا وعلاقتنا مع العالم.

وقد يبدو من منظار العلم أن نظارة السخط السوداء هي «عقبة معرفية»، تحول دون معرفة أكثر تجردا ودقة للهياكل السياسية والثقافية التي نهجو.

***

سيكون تقدما مهما أن نفكر ونكتب دون عبارات ساخطة من نوع الزمن العربي الرديء، الليل العربي الدامس،... وما شاكلها. في أصل عبارات كهذه طفالة وضحالة نفسية، وشيء من نقص احترام الذات، قلما نبرأ منه نحن العرب. شيء شبيه بعدم ضبط مصرّات الجسد. وبعكس ما يتراءى لكثيرين منا، لن يكون الفطام عن استعمال تلك العبارات الغثة دليلا على التصالح مع أوضاع قبيحة، بل برهانا على انضباط نفسي سينعكس تحسنا للسوية المعرفية لتفكيرنا. فنحن نهجو ونسخط اليوم لا لأننا نعيش في ظل أوضاع مستفزة فقط، وإنما لأننا عاجزون كذلك عن إدراج الأوضاع هذه في مقولات تاريخية أو منطقية أوسع، تمكننا من استيعابها ونزع غرابتها وإضفاء درجة من النظام عليها. والحال إن الإدراج هذا هو أحد وجوه، ربما أبسط وجوه، الممارسة العلمية. دون ذلك نواجه الواقع بلا وسائط مفهومية ولا مخططات عقلية منظمة، فيتبدى لنا عريا جارحا وعناء محضا مؤذيا. ولعلنا لهذا السبب ننزلق بيسر من نقد الذات إلى هجائها وتجريحها، ومن احترام الذات إلى مديحها وتمجيدها. فلا يزال موقفا المديح والهجاء يتغلبان على موقفي النقد والاحترام في ثقافتنا.

يبقى أن الغضب هو أيضا «وظيفة» لأجهزة حكومية وإيديولوجية ودينية، تدر عليها رعايته واحتضانه تحكما سهلا بـ»الجماهير» الغاضبة (هل يسع الجماهير ألا تكون غاضبة؟) وتوجيها ميسورا لها نحو ما يناسب تلك الأجهزة. قد لا تخترع الأجهزة ما يستفز الغضب، لكنها ترعى تحول الغضب من شعور محدد بالاستياء إلى مزاج قار أو طبع، يسهل توجيه المتطبعين به ضد أي مختلف أو غريب أو غير مألوف.

على أن الأجهزة تلك ذاتها لا تنجح في تربية الغضب إلا لأن التربية هذه تستجيب للنازع الدرامي الذي يبدو مكنونا في جبلّة العرب منذ أيامهم القبلية، النازع الذي يتوجه ليوم نحو البطولة والجهاد الحربي والفداء والاستشهاد. وإذا أمكن الكلام على مزاج قومي فقد يكون الغضب هو مزاج العرب القومي الأساسي (المزاج البديل ربما القنوط والتفجع). من السهل كذلك ملاحظة أن التدين الإسلامي المعاصر غاضب ومهتاج. ومن أحدث أمثلته الدعوة التي وجهتها منظمات إسلامية عربية إلى جعل يوم الجمعة التالي لخطبة بابا الفاتيكان الإشكالية في أيلول الفائت «يوم غضب عارم». ترى، لماذا ليس يوم حزن أو تأمل أو صلاة أو تفكير...؟

***

في إطار محاولة تفسير الغضب العربي المعاصر، يمكن أن نطرح فرضية عامة تفيد أننا نمر بمرحلة انتقالية في ظل شرط يطيل أمدها ويفاقم حدتها: هيمنة خارجية كثيفة الحضور وفظة ورعناء، أي قوية العضلات وصغيرة العقل وضامرة القلب، أميركية إسرائيلية تحديدا. ويشجع على هذا الفرضية أن السلطات المطلقة والهياج العنيف واختلاط القيم والعنف الديني والسياسي ومزيج من التدين معاداة الدين، ومن التعصب الديني المفرط ومن اللامبالاة الدينية المفرطة أيضا... كانت من سمات مرحلة الانتقال الأوربية من العصور الوسطى إلى الحداثة. إن عصر النهضة والإصلاح الديني، خلافا لما يفضل أن يعتقد أكثرنا، هي أزمنة عنف فظيع وتعصب هائل ومذابح وحروب دينية وأحقاد وحشية، ورثتها مخففة فيما بعد الأمم الغربية الحديثة حتى الحرب العالمية الثانية. يشجع على الفرضية أيضا أنه لم تمر عشرة سنين منذ زمن الاستقلال العربي دون أن يتلقى التكوين العربي الغض ضربة قاسية، أميركية أو إسرائيلية أو مشتركة. هنا بعض أصل طفالتنا النفسية المستمرة أو امتناعنا على النضج النفسي.

نفترض كذلك أن كثافة وتعسف حضور المحور الأميركي الإسرائيلي يتسبب في تشوه انتقالنا وتعقيده وتعفنه، فضلا عن إطالة أمده. هذا الانتقال المديد أو غير الانتقالي هو السمة الأبرز للأوضاع العربية المعاصرة، وما تنطوي عليه من عنف وتعسف وهياج وتعصب وفقدان التحكم بالنفس والميل إلى المبالغة والتهويل أو بالعكس التهاون والإباحة.

انتقال بين ماذا وماذا؟ ليس هناك سؤال في هذا المجال. إنه انتقال مركب متفاوت الأزمنة: سياسي من الطغيان نحو صيغ حكم أكثر عقلانية وقانونية، واقتصادي نحو شكل من الليبرالية يحل محل اقتصاديات الريع السياسي أو الاستخراجي الحالية، وديني نحو مأسسة السلطة الدينية وعقلنة السلوك والتفكير الديني... السؤال هو إلى متى يمكن أن يتمادى الانتقال هذا؟ هل يمكن أن نتحجر في وضع انتقالي مديد يحصل لجنين فات أوان ولادته؟ هل من المحتمل أن نبقى كذلك دوما؟ أن نعيش بجوار ميتين لا نستطيع دفنهم ولا إعادتهم للحياة؟

يسعنا الرهان على أن هذا الخوف من التبدد يبطّن الشعور العربي المعاصر. وهو خوف عريق، تتصادى فيه خبرة خروج من التاريخ دامت ما معظم الألفية الثانية من التاريخ الميلادي، ما يسوغ لنا تسميته عقدة العرب النفسية القومية (كما الغضب مزاجنا القومي، والبارانويا هي مرضنا النفسي القومي). ولم نكد ندخل التاريخ في القرن الماضي حتى غرقنا فيه.

وإنما هاجس التبدد هذا هو الذي يتفجر سخطا ضد العالم أو ضد النفس. يتوسط بين السخطين إحباط متكرر وتشوّش.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018