نفوذ أمريكا يتهاوى في أقاليم أخرى../ جميل مطر

لم يكن ريتشارد هاس مبالغاً عندما كتب عن قرب انتهاء العصر الأمريكي في الشرق الأوسط، لم يكن مبالغاً وفي الوقت نفسه لم يقدم الصورة كاملة، فالعصر الأمريكي في أمريكا اللاتينية أيضاً يقترب من نهايته. بل أكاد أبالغ أنا نفسي فأقول إن النهاية في أمريكا اللاتينية سبقت النهاية في الشرق الأوسط، وربما مهدت لها. وقد أضيف أن نهاية العصر الأمريكي في أمريكا اللاتينية عكست نفسها فوراً على أمزجة الشعوب وخياراتها السياسية، بينما لم تؤثر نهاية العصر الأمريكي في الشرق الأوسط عن تطورات مماثلة.

في الوقت الذي انشغل فيه هاس، رئيس المجلس الأمريكي للشؤون الخارجية، بكتابة تحليل تاريخي وسياسي عن الأوضاع في الشرق الأوسط وموقع أمريكا فيها، كانت شعوب أمريكا اللاتينية تواصل مسيرتها نحو اختيار حكومات جديدة مناهضة، ولا أقول معادية، لكل ما تمثله الولايات المتحدة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، ففي إكوادور ونيكاراجوا قام الناخبون في الأيام القليلة الماضية بانتخاب رئيسين أحدهما تعلم في أمريكا ولكنه لا يحمل لساستها وسياساتها وداً، والثاني كان عدواً لدوداً إلى حد دفع الرئيس رونالد ريجان في عام 1985 إلى إعلان حالة التأهب القصوى في الولايات المتحدة لحماية البلاد من تهديد خطير من جانب نظام الساندينستا. أذكر جيداً كيف سخر العالم الخارجي وقتها من هذا الإعلان، وكيف أن القضية انتهت بفضيحة الكونترا، التي هزت أركان أمريكا.

ويأتي فوز مانويل أورتيجا رئيساً لنيكاراجوا للمرة الثانية، كما يأتي فوز رافائيل قوريا (وربما في الأصل قريع) تأكيداً لحالة سياسية جديدة في أمريكا اللاتينية، ففي أعوام قليلة وصل إلى الحكم رؤساء “يساريون” في الأورجواي والأرجنتين والبرازيل وشيلي وفنزويلا وبوليفيا قبل أن ينضم إليهم رئيسان “يساريان” في إكوادور ونيكاراجوا.

تابعت الحملات الانتخابية التي جرت في عدد من هذه الدول، وأستطيع الآن أن أؤكد أن غالبية المرشحين الذين فازوا ركزوا في حملاتهم وخطاباتهم قبل الانتخابات وخلالها على أربعة أمور لها دلالات بالغة الأهمية، ليس فقط لفهم تطورات السياسة في أمريكا اللاتينية وعلاقات دولها بالولايات المتحدة ولكن أيضاً لاستقراء “مستقبل متجمد” في الشرق الأوسط. أما الأمور الأربعة التي ركز عليها الزعماء الجدد في أمريكا اللاتينية فكانت، أو مازالت، كما يلي:

أولاً: سقوط النيوليبرالية بمضمونها الأقرب إلى التوحش، بعد أن تسببت خلال ربع قرن في كوارث اجتماعية لكل الدول التي اختارت اعتناق هذه الأيديولوجية أو أجبرت على اعتناقها، إذ حدث منذ إعلان ما يسمى إجماع واشنطن أن بدأت الفجوات التي تفصل بين الأغنياء والفقراء تتسع حتى وصلت، كما جاء في وثيقة اقتصادية دولية نشرت مؤخراً، إلى أن العشرة في المائة الأغنى في الإكوادور مثلاً يحصلون من الدخل القومي على ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه أفقر خمسين في المائة من السكان، وهكذا الحال في معظم دول أمريكا اللاتينية التي أخذت بسياسات منها سياسة بيع الممتلكات العامة وأصول الدولة وسياسة حرية التجارة فوقع إفقار كافة المزارعين الصغار وسياسة التشجيع اللامحدود للاستثمارات الأجنبية حتى سيطرت على البلاد “مافيات” واستخدمت لديها عددا كبيرا من القادة والسياسيين.

ثانياً: ركوب موجة الكراهية للسياسات الأمريكية، وقد تراوح هذا النهج الذي استخدمه جميع مرشحي اليسار، وبعض مرشحي اليمين، بين أسلوب الشتائم اللاذعة الذي يستخدمه واشتهر به هوجو شافيز رئيس فنزويلا، وبين أسلوب الانتقاد المهذب ولكن العنيف للسياسات العدوانية الأمريكية، ففي انتخابات إكوادور ركز رافائيل قوريا هجومه على شخص الرئيس الأمريكي مصوراً إياه في شكل شيطان غبي. وثبت أن الشعوب في أمريكا اللاتينية، مثل الشعوب العربية والإسلامية، صارت تفضل الاستماع إلى من ينتقد السياسات الأمريكية التي تراها سبباً أساسياً في معاناتها الداخلية والخارجية. ويعتقد معلقون أن قوريا حقق الفوز لأنه أعلن أنه سيطالب أمريكا بإزالة قاعدتها العسكرية في مدينة مانتا، أو تقبل أن تقيم إكوادور قاعدة عسكرية في مدينة ميامي بولاية فلوريدا! وهدد بأنه لن يجدد اتفاقية التجارة الحرة في عام 2009.

ثالثاً: غلب الطابع الديني على سلوك المرشحين في عدد غير قليل من الانتخابات الرئاسية التي جرت أخيراً في أمريكا اللاتينية. لا أستبعد أن بعضهم كان يتمسح بالدين، كما يفعل بعض من السياسيين في الشرق الأوسط، رأيت مثلاً نوبووا أكبر منتج للموز في أمريكا اللاتينية والملياردير المتعدد الشركات ومليارات الدولارات ومرشح الرئاسة عن اليمين في إكوادور، ينزل على ركبتيه محتضناً الإنجيل ودموعه تذرف أمام الناخبين وكاميرات التصوير وهو يعلن أنه “رسول من عند الرب”، وسمعت قوريا، أستاذ الاقتصاد والحاصل على الدكتوراه من جامعة الينوي في الولايات المتحدة، يدعو الحشود إلى الصلاة أثناء إلقائه خطاباته وتذكيرهم بأنه ابن عائلة فقيرة اعتمدت أمه في تربيته وإخوته على صدقات الكنيسة، وأنه تعلم في مدارس دينية وفي الجامعة الكاثوليكية في بلجيكا.

رابعاً: التلويح بإقامة تكتلات إقليمية على أسس “قومية” أو اقتصادية أو اجتماعية، إذ يسود الاقتناع في أمريكا اللاتينية بين الجماهير، وبخاصة الطبقة الوسطى، أن سلبيات العولمة صارت تحاصر إيجابياتها، وأنه إذا كان من غير الممكن، ولا المفيد، تجاهل العولمة فعلى الأقل يجب إقامة المؤسسات وصنع السياسات التي تكفل التخفيف من مضار العولمة. وتعتقد النخب الاقتصادية “اليسارية” في القارة أن أهم الحلول يكمن في إقامة تكتلات تخفف من ضغوط المؤسسات الدولية وتساعد في إعادة التفاوض على الدين الخارجي كما فعلت الأرجنتين وكما تعهد رئيس إكوادور الجديد.

لا أستبعد وقوع صدام قريب بين الولايات المتحدة وهذه الدول ذات التوجهات اليسارية وبخاصة بعد فوز شافيز بفترة رئاسية جديدة. يقول اقتصادي شهير في أمريكا اللاتينية إنه لا يتصور أن يحاول كل من أورتيجا في نيكارجوا وقوريا في إكوادور رفع الغبن عن الفقراء دون أن يغضبا أمريكا. “إن أي خطة جادة توضع لتخفيف معاناة الفقراء في أمريكا اللاتينية ستمس بالضرورة وبالضرر معاً مصلحة أو حليفاً أو عميلاً للولايات المتحدة الأمريكية”، وهو الأمر الذي لا يمكن أن تسكت عنه واشنطن سواء في أمريكا اللاتينية أو هنا في الشرق الأوسط.

لم يخطئ ريتشارد هاس فيما كتبه عن مكانة أمريكا في الشرق الأوسط، فمكانتها هنا بالفعل متدهورة، ولكنها ليست أسوأ كثيراً من مكانتها في أمريكا اللاتينية، الفناء الخلفي للولايات المتحدة وعمقها الاستراتيجي والاقتصادي.

"الحياة"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018