توصيات بيكر- هاملتون: خريطة هروب أم إعلان إفلاس امبراطوري! عبد اللطيف مهنا

عنونت لجنة بيكر- هاملتون، ذات المسمى الرسمي:"مجموعة الدراسات حول العراق"، تقريرها الذي صدر مؤخراً، بعد حملة تسريبات تقديمية مدروسة عديدة، ب"الطريق إلى الأمام: مقاربة جديدة"... هذه المقاربة الموصوفة بالجديدة، جاءت في 150صفحة، وحملت بين طياتها 79 توصية غير ملزمة، قدمتها للادارة الأمريكية هذه اللجنة المشتركة، المشكلة من الحزبين اللذين يختصران الحياة السياسية الأمريكية، الجمهوري الحاكم والديمقراطي، الذي فاز في الانتخابات الاشتراعية النصفية الأخيرة، مسيطراً على الكونغرس بمجلسية...

المقاربة وجديدها تضمنت تشخيصاً من قبلها للورطة الأمريكية في العراق، وحلولاً إنقاذية مقترحة منها للخروج من مأزق المشروع الاحتلالي هناك. أما "إلى أمامها" هذا فليس أكثر من ما وصفه البعض بخارطة طريق أمريكية في المنطقة، أو هو لعبة إخراج مأمولة للولايات المتحدة من ذلك المأزق، الذي تتخبط في تبعاته للعام الرابع إثر غزوها للعراق... لعبة جوهرها محاولة استبدال الاحتلال الفاقع القائم المرفوض بتبعية مستقبلية مموهة شبه مقبولة، وذلك بتغيير في الأساليب الاخضاعية المتبعة الفاشلة لا في جوهر الاستهدافات والاستراتيجيات المعتمدة... لكنها، ولعل هذا هو المهم، تشكل في حقيقتها إعلان إفلاس امبراطوري واضح لايمكن إنكاره، وإقرار، من قبل غالبية الأمريكان سبقهم إليه كل العالم، ربما باستثناء الادارة الأمريكية مع استثناءات لأقلية فيها، بوصول لا يدانيه شك إلى استنتاج فشل مدو لمشروع احتلال ليس من السهل ترميمه، و يصعب الانكفاء عنه، اللهم إلا إذا كان انكفاءً شكلياً، لا سيما بالنسبة لامبراطورية وصلت قمة قوتها وبدأت بالتالي حتمية انحدارها تلوح، ومن غير المستحب، في هكذا حالة، الاعتراف المباشر بالفشل، أو بمجرد التفكير باحتمالات الأفول الامبراطوري المترتب عليها، وإن كان غير القريب الموعد.

ومع ذلك، فلعل من الخطأ مجرد الظن، ولو لوهلة، أن مثل هذا التقرير، الناضح بما يمكن تسميته بالواقعية الامبراطورية... بدلاً مما اعتدناه من الادارة الأمريكية خلال الستة أعوام السابقة من الاستباقية الجامحة، أو حقبة من ليس معي فهو ضدي... والداعي إلى اعتماد مزيج من الديبلوماسية والضغوط بديلاً من الترهيب والاملاءات الفجة، أو الساعي إلى تغليب لغة المصالح سبيلاً للهيمنة وليس إشعال حرائق الحروب الكونية، والهادف في النهاية إلى حماية الاستراتيجيات الامبراطورية، ومعها إنقاذ امبراطور البيت الأبيض من حماقاته الكونية... قد يشكل انقلاباً حاسماً في السياسة الأمريكية في المنطقة، ناهيك عن تواضع احتمالات كون توصياته غير الملزمة، أو أغلبها على الأقل، سوف تحظى بقبول الادارة وسيدها، فتأخذ بالتالي سبيلها إلى التطبيق، وهذا ما سوف نعرض له لاحقاً...

لقد ضم التقرير أربع نقاط تعد أساسية لدى واضعيه أو هي تتعلق مباشرةً بالعراق، حيث حث الادارة على التحرك لمعالجة الوضع "الخطير والمتدهور" هناك، وهي:

دعم ما أطلق عليه حكومة وحدة وطنية، طبعاً وفق الأنموذج الأمريكي لهذه الوحدة، واعتماد تحرك ديبلوماسي إقليمي لحشد مثل هذا الدعم ونشدان المساعدة في إيجاد المخارج المبتغاة، ورفض فكرة المؤتمر الدولي، الذي نادى به الأمين العام للأمم المتحدة، وتغيير المهمة المباشرة لجيوش الاحتلال وملحقاتها مما تبقى بعد في العراق من قوات حلفائه الدوليين، لتغدو مهمة مساندة ومساعدة لقوات محلية يتم تسريع عملية تشكيلها وتدريبها وتجهيزها.

ولتسهيل كل هذه التوجهات والمهمات، وحيث يضم التقرير تصوره لمستقبل المنطقة بأسرها، ويرى تداخلاً في أزماتها وترابطاً لحلولها، يقرّ بضرورة فتح حوار مع الحلقات المعترضة على المشروع الأمريكي في المنطقة، أي مع سوريا وايران، والتلويح لهما بما يدعوه التقرير بالحوافز، تلك المثقلة بالاشتراطات شبه المستحيلة التي لم تتغير... وحل الصراع في فلسطين، الذي يصفه ب"الواجب الحل" عبر مسار محادثات تقتصر المشاركة الفلسطينية فيها على "أولئك الذين يقبلون بحق اسرائيل في الوجود"، وتكون على أساس رؤية بوش للحل القائلة بحل الدولتين...

يقول التقرير:
"إن الولايات المتحدة لاتستطيح تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط إلا إذا تعاملت بشكل مباشر مع الصراع العربي الاسرائيلي واستقرار المنطقة"... وأخيراً، يطالب التقرير الادارة بالشروع في سحب "الوحدات المقاتلة مطلع العام 2008" من العراق!

لكنما، هناك أمور لا بد من ملاحظتها، وجوهرها أن التقرير، الذي لا يمكن تجاهل البون الشاسع بين لغته واللغة البوشية المعتادة، والذي يعتبره الديمقراطيون "طوق نجاة" لسيد البيت الأبيض، لم يأت بجديد أو متغير أو ما قد يمسّ من قريب أو بعيد الأهداف الامبراطورية الأمريكية التقليدية شبه الثابتة في المنطقة، كالنفط واستمرار تدفقه وتأمين طرق إمداداته، واسرائيل أمناً ووجوداً وتفوقاً ودوراً، كثابت دائم من ثوابت السياسة الأمريكية فيها، ثم ما يعرف بمكافحة الارهاب، والموقف الأمريكي المعلن من الملف النووي الايراني...
والآن، أما وقد صدر التقرير، وأحيط بكل هذه الضجة، أمريكياً ودولياً وإقليمياً، ترى ماهي حظوظ تطبيق بعض ما يتيسر من توصياته التسع والسبعين؟!

هذا إذا ما أخذنا في الاعتبار مسألتين هما، أولاً: مدى الورطة الأمريكية في العراق، والتي تتفاقم جراء اشتداد بأس المقاومة العراقية وتصاعدها، وارتفاع مستوى أدائها وفعاليتها ضد الاحتلال، حيث يقول قطب اللجنة الثاني لي هاملتون:
إن "الوقت يضيع، والوضع يتدهور، وعلينا التحرك بسرعة، إنها ليست مسألة أشهر، وإنما مسألة أسابيع، وربما أيام أيضاً"!

والثانية، مواقف ثلاثة أطراف لها كلمتها المقررة من هذه التوصيات، هي، البيت الأبيض، والمحافظون الجدد، واسرائيل...

كان أول رد فعل للرئيس بوش وصفه للتقرير بأنه "تقويم قاس"، ومع أنه "يحمل بعض المقترحات المهمة"، فلقد اتفق مع زائره، الذي جاء لمناقشة مرحلة ما بعد هذا التقرير معه، حليفه الصدوق رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، بأن التقرير غير ملزم كرزمة واحدة، ولاسيما وان هناك توصيات أخرى منتظرة من قبل لجان أخرى يجب النظر فيها، واختيار ما ناسب منها، مثل: البنتاغون، الخارجية، مجلس الأمن القومي... وأخيراً قالها بوش: "لا أعتقد أن جيمس بيكر و لي هاملتون يتوقعان الموافقة على كل التوصيات"..!

الضيف البريطاني الذي سبق ورحب بتوصيات بيكر-هاملتون، وكان قبلها قد ربط المخرج من الورطة العراقية بحل المسألة الفلسطينية، اتفق مع مضيفه وفق ما قاله الأخير، وهما معاً في مؤتمرهما الصحفي المشترك في البيت الأبيض، على أمور لاتبشر بتغيير، أو تؤشر على إفادة من تجربة تجعل التقاطع مع توصيات لجنة بيكر-هاملتون في صورتها الراهنة على الأقل أمراً متوقعاً. فحيث اعترفا ب" أوقات صعبة وعصيبة" لكل من أمريكا وبريطانيا، اتفقا على " أن النصر في العراق أمر مهم "، وإن الصراع فيه إنما "يستهدف الديمقراطية"، لا أكثر ولا اقل! وأن كل المشاكل في كل من العراق وأفغانستان وفلسطين ليست بسبب الاحتلال، وإنما بفعل "المتطرفين"... "وأن القاعدة أشد هؤلاء تسبباً" فيما يجري، رغم أن تقرير بيكر- هاملتون، والبنتاغون أيضاً، لا ينسب لها إلا 3% من الهجومات ضد الاحتلال في العراق وأفغانستان.

لكن اللافت أن جديد بلير، الذي أعلنه بوش مبعوثاً للشرق الأوسط في الأيام القريبة القادمة، والذي يجدر التوقف عنده، هو ربطه الارهاب بالطائفية لأول مرة، وتأكيده على أنه هناك طريقان فحسب أمام الشرق الأوسط هما: إما نظام علماني ديمقراطي، أو ديكتاتورية دينية!!!

والآن، ماذا عن المحافظين الجدد... بعد بوش، تعالت الأصوات المقللة من شأن التقرير والمعترضة، مثلاً، على الحوار مع إيران وسوريا، حيث توالت التأكيدات على الاشتراطات السابقة لمثل هذا الحوار، من ذلك، ما قاله رئيس الأكثرية الجمهورية في مجلس النواب الحالي جون بونر: أنه "لن يُحقق النصر بتجديد مهل استنسابية أو بالتفاوض مع حكومات معادية"!

أما سنو، المتحدث الرسمي باسم بوش فقال: نرفض التفاوض المباشر مع طهران "ما لم تعلق بشكل مؤكد تخصيبها (لليورانيوم) وتوقف نشاطاتها" النووية!

...آخر ما صدر عن البيت الأبيض في هذا السياق هو الوعد باستراتيجية أمريكية جديدة في المنطقة قبل نهاية العام، توازت مع مطالبة ديموقراطية بمراقبة أداء الرئيس من قبل لجنة تشكل من الكونغرس لضمانة التزامه بتوصيات لجنة بيكر- هاملتون!

... وماذا عن اسرائيل؟
اسرائيل المستفيدة من غزو العراق وتدمير الدولة العراقية، والمتضررة قطعاً من فشل المشروع الاحتلالي الأمريكي هناك، والتي ساءها مجرد ورود مصطلح "حق العودة" في التقرير سارعت إلى رفضه وحتى سخرت منه... قال رئيس الوزراء أولمرت:
"لنا رأي مختلف، وبحسب علمي فإن للرئيس الأمريكي رأياً مغايراً" لرأي أصحاب التقرير. وزادت على هذا مصادر رئاسة الوزراء الاسرائيلية بتسريبات من نوع:
"إن تأثير التقرير يمكن أن يكون كتأثير تقرير طاليا ساسون بشأن المواقع الاستيطانية غير المرخصة"!!!

ما تقدم يعني أمراً واحداً، وهو أن التقرير له من يقاوم تطبيق ما لايرغب في تطبيقه من توصياته، أو من يمتلك القدرة على تعديل توجهاتها، وما من شك في أنه يستطيع إلى ذلك سبيلاً.. أي هناك من يملك القول بأنه لن يمر!
... وحتى لو مر، وحتى لو كان في جوهره، كما سبق وأن قلنا، إعلان إفلاس امبراطوري مدو، فلن تتغير الأهداف الاستراتيجية للامبراطورية الأمريكية في المنطقة... وهذا ما أكده ضمناً هذا التقرير... أو خريطة طريق بيكر- هاملتون المنقذة بتوصياتها ال79 غير الملزمة!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018