وداع رايس استقبال رايس../ جوزف سماحة

أعلن الخطاب الأخير للرئيس جورج بوش أن المرحلة المقبلة هي مرحلة توتر في العراق والمنطقة. يشمل ذلك فلسطين بالتأكيد ولبنان على الأرجح، فالرجل يعتقد أن التعثّر الذي يصيب مشروعه الإقليمي مدعاة لتجميع القوى وحشدها والاستمرار في الركض وراء «النجاح». لا يريد تغيير الوجهة. ليس في وارد التلويح بأي تسوية.

حاول التمهيد لخطابه بحملة إعلامية، وبلقاءات مع عشرات الأعضاء في الكونغرس، وبإيحاءات أنه افتتح، ضمن الإدارة، ورشة نقاش. بذل جهداً لم يعتد بذله بحكم إدراكه لانقلاب مزاج الرأي العام، ولنتائج الانتخابات النصفية، ولارتفاع سقف التوقعات بعد تقرير بيكر ــ هاملتون حيال اعتماد سياسة أكثر واقعية. يمكن القول، الآن، إن الجهد المذكور لم يثمر.

استُقبل خطاب بوش بين المؤيدين بفتور وبين المعارضين بصخب. أقلية فقط، يمثلها «المحافظون الجدد»، وجدت فيه ما يلتقي مع طروحاتها. إنها، بالضبط، الأقلية التي أدت دوراً مركزياً في الدفع نحو الوضع الراهن، والتي لا تجد بديلاً من استمرار الهرب إلى الأمام والقطع مع «الواقعيين».

لم يكد الرئيس ينهي خطابه حتى كان الكونغرس الأميركي يفتح النار... وهو مستمر. حصل ذلك في جلسة استماع لوزير الدفاع روبرت غيتس أمام لجنة الشؤون العسكرية في مجلس النواب. لكنه حصل، أساساً، في المواجهة بين وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس وأعضاء لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ. اللطف الذي أبداه النواب مع غيتس المتسلّم منصبه حديثاً تحوّل إلى شراسة في محاكمة رايس الأقرب إلى بوش والمسؤولة معه عن التخبّط الأميركي.

لم تجد الوزيرة في اللجنة أي مدافع عنها. الجمهوريون انشقّوا بين من يطالب بإيضاحات ومن يشنّ هجوماً عنيفاً. أما الديموقراطيون فماضون في اقتراح اقتراع رمزي يرفضون فيه الخطة الجديدة. «لن نقبل أن يكون جنودنا لحماً للمدافع»، إنه «خطأ مأساوي»، «لقد كنت مؤيداً للحرب ولم أعد لأنكم لم تقولوا لي الحقيقة ولم تقولوها للشعب الأميركي»، «إن سياستنا الحالية في العراق هي أكبر خطأ نرتكبه منذ فيتنام»، «لا بل إنها أكبر خطأ في تاريخ الأمة»، «لقد شاركت الرئيس حلمه لكني لا أعتقد أنه سيتحقق»، إلخ... هذا بعض ما واجهته رايس من انتقادات. لقد تفنّن شيوخ في مقاطعتها، وإذلالها، واتهامها بالكذب، واضطرّت، غير مرّة، إلى الاعتذار وإلى طلب السماح لها بإنهاء جملة، ولم تتردّد، أمام دفق الاعتراض، في الاعتراف بأنها مخطئة.

سألها سيناتور: «هل الولايات المتحدة أكثر أمناً الآن نتيجة تدخلنا العسكري في العراق قياساً بما كنا عليه قبل ذلك؟». أجابت. كرّر السؤال. حاولت الإجابة ثانية. كرّر السؤال. أجابت بعد أن كان اتضح تهافت منطقها.

إنه موسم المحاسبة في واشنطن. لم يعد السؤال عمّا إذا كان الديموقراطيون سيسائلون الإدارة. بات عن المدى الذي يمكنهم أن يصلوا إليه نتيجة اعتقادهم أن «الخطة الجديدة» ستفشل وأن الاعتراض هو بوابتهم إلى البيض الأبيض. ويتجرأ هؤلاء على المسؤولين لأن مشرّعين جمهوريين يقفون إلى جانبهم، ولأن لجنة بيكر ــ هاملتون اقترحت وجهة رفضها بوش، علماً بأنها، أي اللجنة، مؤلّفة من «حكماء الحزبين».

التعبير السائد في الولايات المتحدة هو أن بوش يقلّد ريتشارد نيكسون الذي اندفع إلى توسيع حرب فيتنام فيما كانت الحرب معزولة أميركياً. ويوحي هذا التعبير أن الحرب باتت شبه ساقطة في المتروبول.

يبقى أن يسقط التصعيد في العراق نفسه. ويمكن القول إن هذا مرجّح ولو أنه لن يأخذ شكلاً فيتنامياً، أي لن يكون عبر نجاح حركة تحرّر وطني تنجح في تحقيق شعارها عبر توحيد البلاد شمالاً وجنوباً. السقوط الأميركي في العراق، إذا حصل، سيأخذ شكلاً فوضوياً تلتقي فيه أعمال المقاومة بأعمال الاقتتال الداخلي.

في انتظار تبلور وجهة عراقية محدّدة، يجب علينا التذكير بمفارقة: إن ما خسرته وتخسره الإدارة الأميركية في الداخل تربحه، أو تحاول أن تعوّضه، في بيئة محيطة بالعراق يحكمها «المعتدلون العرب». إن هؤلاء أشدّ تمسكاً بالاحتلال من الأميركيين. وإذا كانت الحرب مرفوضة من سبعين في المئة من الشعب الأميركي، حسب آخر استفتاء، فإن أي استقصاء للرأي بين «المعتدلين العرب» يظهر أنها مرغوبة.

وهكذا فإن رايس ودّعت واشنطن تلاحقها الانتقادات. غير أنها ستصل إلى الشرق الأوسط لتلقى استقبالاً مريحاً من «أصدقاء» يراهنون عليها. يؤيد هؤلاء زيادة عدد القوات الأميركية في العراق وبقاءها. يؤيدون التشدّد الذي أبداه بوش حيال إيران وسوريا. يطربون لتراجع التطلّب الديموقراطي لمصلحة «أولوية محاربة التطرّف». يوهمون أنفسهم بأنهم قد يحصلون على «شيء ما» عبر تحريك المسار الفلسطيني، ولو مرّ ذلك باقتتال داخلي وانتهى إلى ما يشبه السراب. يربطون أمن أنظمتهم بالأمن الأميركي الإقليمي. باختصار يعادون من تعاديه أميركا في المنطقة، ويستعدّون للعب دور في «محور الاعتدال» بشروط هي شروط الحدّ الأدنى.

لم يستكمل، بعد، بناء «محور الاعتدال العربي». إلا أن تقدماً يحصل. إيهود أولمرت يساعد من بعيد. بوش يقوم بما عليه. حكام عرب يعيدون ترتيب الأولويات. إيران ترتكب الخطأ تلو الخطأ. نخب عربية حاكمة (أو معارضة) تزداد غرقاً في أزمتها وتبدو مصابة بنوبة عصبية قد يطول أمدها. قيادات عراقية غرائزية. صعود «البلطجة» إلى موقع الصدارة في فلسطين. الرقص حول جثة صدام حسين. مطاردة «الشيعة» في غزة. التفتيش عن «المجوس» في جبل لبنان. التسامح مع أن تكون «الصدّامية» مستقبل الحركة القومية. حيرة «الاعتدال» بين ممارسة الخضوع للخارج وخطاب التحريض ضد الداخل... هذه كلها، وغيرها، علامات على نجاحات في بناء المحور المشار إليه.

رايس قادمة لوضع مدماك جديد، لتحاول محاصرة أي تعبير يفتح أفقاً.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018