تغييب السياسة عن المجتمع العربي../ توفيق المديني*

لم يشهد العالم العربي هذه السيرورة الطويلة من تحديث السياسة ، لأن الدولة العربية المعصرنة التي قامت في مرحلة ما بعد الكولونيالية كانت تجهل وتتجاهل الديمقراطية السياسية، باعتبارها سيرورة نمو المجتمع المدني، مع فكرة الإنسان ومفهوم التاريخ والتقدم. وفضلاً عن ذلك حظرت هذه الدولة العربية ممارسة السياسة على الصعيد الداخلي، وألغت حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، علماً أن هذه الأخيرة هي التي تنتج حرية الفئات والطبقات الاجتماعية والأحزاب والحركات السياسية المعبرة عنها وليس العكس، وهي التي تنتج مفهوم الشعب، الذي ينتج السياسة، والذي تقوم وحدته الحقيقية الواقعية بوحدة الكثرة والاختلاف والتعارض.
فالسياسة العقلانية هي الكل التي تقوم على الاختلاف والتعارض الأساسي المنطقي والتاريخي للديمقرطية والتقدم، وإلا فلا منطق ولا معقولية ولا سياسة.

ولما كانت هذه الدولة العربية قد قلصت المجال السياسي للمجتمع وجعلته حكراً على النخبة الحاكمة والمسيطرة على السلطة ليطابق حدود الهوية الحصرية للحزب الحاكم، أو العائلة أو الطائفة الحاكمتين، أي الاستبدادية بطبيعتها، والمصادرة لحق المعارضة في العمل السياسي، فإنها بالمقابل صاغت المجتمع المدني على صورة الحزب المهيمن بمفرده الضيقة والحصرية. وبدل أن تتموقع هذه الدولة العربية في مصاف الكليات كتعبير عن الشأن العام وعن الكل الاجتماعي، أو بوصفها السياسي والحقوقي عن المجتمع المدني وعنوان وحدته، نجدها تعيد إنتاج الأنماط التقليدية في السلطة، العشائرية، والجهوية، والطائفية والنخبوية الأوليغارشية، وتحول الصراع السياسي في المجتمع إلى اقتتال اجتماعي، أو حرب أهلية تمزق النسيج الاجتماعي وتودي بالمجتمع والدولة، على حد سواء. علماً أن ممارسة الصراع السياسي في ظل سيادة العقلانية على نطاق العلاقة الجدلية بين السلطة والمعارضة، يعني في أحد معانيه الانشقاق الذي يولد الوحدة، والشر الذي ينتج الخير، والصراع الذي ينتج التقدم، وليس ذلك النوع من الصراع على البقاء كصراع الحيوانات في الغابة.

وأكدت التجربة العربية خلال العقود ما بعد الكولونيالية أنه عندما تخفض السياسة من مستوى العام إلى مستوى الخاص المكتفي بذاته الطبقي، والجهوي، والحزبي الضيق، والطائفي، وتلك هي الحال في ظل الدولة التسلطية العربية، يكون المجتمع قد كف عن إنتاج السياسة، وتكون عملية تهميشه قد بلغت مداها من خلال تذرر المجتمع.

ولما كانت الدولة التسلطية قد ألغت المجتمع العربي من إنتاج السياسة، وأطّرت الانتخابات العامة التي تجري في هذا البلد أو ذاك لخدمة أهداف ومصلحة هيمنة الحزب الواحد، وعدم السماح حتى بهامش من المنافسة والترضيات المحدودة للمعارضات الرسمية، وألغت أيضاً أنشطة مختلف تكوينات المجتمع المدني، والتيارات الفكرية والحريات السياسية المتنامية في صلبه التي تعمل في المجال الفكري السياسي، بما فيها التيار الإسلامي المستنير الذي يشكل بعداً فكرياً وثقافياً وإيديولوجياً وسياسياً في الواقع العربي، وينتمي إلى المجتمع المدني، فإن هذه الدولة قد ألغت نفسها كدولة، وتحولت إلى سلطة غاشمة، تعتبر أن الحزب المهيمن، أو العائلة، أو الطائفة الحاكمة فيها، يمثل الحلقة المركزية في جميع أشكال التمثيل السياسي، وهذا ما أظهرته تجارب عدة بلدان عربية بوجه خاص.

علينا أن نعي أن نزع السياسة من المجتمع العربي ينبع من سيادة الرؤية الحصرية والاستبدادية والواحدية في إيديولوجية الدولة التسلطية العربية التي تنصب نفسها كلاً أو نفسها محل الكل، وتطرد الآخرين من عالمها، ولا تنظر إلى الاختلاف إلا على أنه مروق وكفر وإضعاف لوحدة الجماعة السياسية في أحسن الظروف، وتعطي نفسها من الحقوق والامتيازات ولا سيما امتياز تمثيل الطبقة أو الشعب أو الأمة، ماتنكره على غيرها. هذه الدولة التسلطية العربية تقلص المصلحة العامة والشأن العام حتى ينطبق على مصالحها الخاصة النخبوية، وشأنها الخاص، وتقلص الوطن إلى حدود سلطتها، فلا يبقى من مكان للآخر المختلف عنها أو المعارض السياسي سوى القبر، أو النفي داخل الوطن أو خارجه. ويصبح كل معارض لها معارضاً للوطن والشعب والأمة، للإسلام أو القومية أو الاشتراكية، فيصبح نفي التعدد نفياً للوحدة، ونفي الاختلاف نفياً للتشابه والتماثل، ونفي الكل ضياعاً للكل والجزء معاً.

وترفض إيديولوجية الدولة التسلطية العربية تصور المجتمع أو الشعب العربي أنه مؤلف من فئات وطبقات اجتماعية تختلف مصالحها، وتتعارض، ومن تيارات فكرية وثقافية وإيديولوجية متباينة ومتعارضة أيضاً، ولا تعترف بحقوق المعارضات السياسية، وبذلك تتم إعادة إنتاج الاستبداد، وإخراج الشعب من عالم السياسة، ولا سيما من عالم الدولة التي يعبر مفهومها وواقعها عن الشأن العام المشترك بين جميع المواطنين.

كما أسهمت أيضاً ضآلة الطبقة السياسية العربية الحاكمة، وهشاشتها واختراقها من قبل الدوائر الامبريالية، وطابعها النخبوي، فضلاً عن تأخر وعيها الايديولوجي السلفي والاغترابي الغربي بوجه عام، في نزع السياسة من المجتمع العربي.

إن مفهوم السياسة، باعتباره الحقل العام الذي تتخذ فيه التعارضات الاجتماعية، طابعاً عاماً، وتحل فيه بالطرق السلمية التوافقية - والمجتمع المدني، والدولة الديمقراطية، وصراع الطبقات، محصلة ضرورية أي منطقية من أجل تحقيق حرية الفرد، وحقوق الإنسان والمواطن، والمساواة الحقوقية لا الأخلاقية بين المواطنين بصرف النظر عن الواجبات، حيث إن مساواة المواطنين أمام القانون تشكل أساس الموقف العقلاني من الآخر، لاسيما في مجال الأحزاب، والانتماءات السياسية إلى المعارضة، وأسس السياسة كفاعلية اجتماعية، التي يتخذ فيها التنافس بين الأفراد والتعارض بين الفئات والطبقات، والصراع بين الاتجاهات الايديولوجية والأحزاب السياسية طابعاً مدنياً وحضارياً سلمياً.

ولا يمكن استئصال شأفة العنف من الحياة العربية، ومن العلاقات الاجتماعية إلا بتحقيق مساواة المواطنين أمام القانون، ورؤية حق السلطة أنه نابع من حق المعارضة السياسية في الوجود والنشاط، واعتبار الحياة الاجتماعية قوامها الصراع السياسي، بوصفه صراع الأضداد الذي ينتج حالة نوعية جديدة أرقى وأفضل، يجب أن يتم في حقل الثقافة، وفي مؤسسات المجتمع المدني، وأجهزته الايديولوجية، كالأحزاب، والصحافة، والجمعيات، والنقابات، باعتبارها ميدان الضرورات التي لا بد منها من أجل عودة إنتاج السياسة في المجتمع، واستنهاض الحركة الشعبية، القادرة هي وحدها على صنع السياسة.


"دار الخليج"