عرب 48 في قلب العاصفة../ أبو علي حسن*

يستمر الجدل السياسي، بين العديد من المثقفين والسياسيين حول مغزى ودلالات وآفاق المطلب الإسرائيلي من الفلسطينيين للاعتراف بـ «يهودية الدولة الإسرائيلية»، وثمة تحليلات وأبحاث لا تتوقف منذ مؤتمر أنابوليس تحاول أن تستكشف خفايا هذا المطلب الإسرائيلي.. وبدا البعض العربي الفلسطيني متفاجئاً لهذا الطرح الإسرائيلي باعتباره اشتراطاً تعجيزياً للمفاوض الفلسطيني، وصور البعض أن هذا الطرح كما لو أنه جديد المخططات الإسرائيلية.

غير أن هذا الطرح ما كان يجب أن يفاجئ كل سياسي متابع أو مثقف وباحث ومتأمل لحالة الصراع العربية الإسرائيلية منذ بدايتها إلى يومنا هذا. ذلك أن دولة غارقة في عنصريتها، ومؤسسة على أنقاض أصحاب الأرض الحقيقيين عبر المجازر والإجلاء والتهجير، لا يمكن لها إلا أن تبحث عن طابع عنصري وعرقي لوجودها السياسي لضمان استمرارها..

وإذا ما رجعنا إلى الوراء قليلاً، أو بعيداً، سنجد أن إسرائيل هي ثمرة مشروع استعماري غربي، كان واضحاً في صياغته الأولى «مشروع ملنر ـ آمري» في أول أكتوبر 1917 الذي ينص على تأسيس «وطن قومي للجنس اليهودي»..الخ.. وبعده عدل المشروع إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي.. والذي سمي بوعد بلفور..

أي أننا كنا أمام مشروع استعماري منذ البداية يريد «دولة يهودية» على أنقاض الشعب الفلسطيني، ولم يشر وعد بلفور إلى الشعب الفلسطيني كحقيقة وجودية موضوعية على أرض فلسطين، إنما أشار إلى «الطوائف المقيمة الآن» في فلسطين التي لن يعمل على الانتقاص من حقوقها المدنية والدينية..!!

وفي 14 مايو عام 1948 يعلن البيت الأبيض بأن الحكومة قد أخطرت بأن هناك «دولة يهودية» قد أعلن عن قيامها في فلسطين وقد طلبت الحكومة المؤقتة لهذه الدولة الاعتراف بها، والولايات المتحدة تعترف بالحكومة المؤقتة بصفتها السلطة القائمة في دولة إسرائيل الجديدة..
كما أن هناك أكثر من إشارة ضمن «إعلان قيام دولة إسرائيل» يوم 14 مايو 48 تعطي لدولة «إسرائيل» طابعها اليهودي..

إن مفاجأة البعض، أو الظهور بمظهرالمتفاجئ بالطرح الإسرائيلي اليوم بـ «يهودية الدولة» يساوي عدم الإلمام بطبيعة الصراع وتمرحل تأسيس وتوسع الكيان الصهيوني وفق رؤية صهيونية تاريخية، وتساوي عدم الدراية الكافية بمنهجية مراحل التكوين والتأسيس والتوسع والتحول «لدولة يهودية» على كل أرض فلسطين منذ وعد بلفور إلى يومنا هذا..

ولعل البعض ممن تفاجأ كان غارقاً في الوهم، ومبتلعاً الطعم الأمريكي الإسرائيلي منذ كامب ديفيد ومدريد وأوسلو.. ومعتقداً بإمكانية السلام والتعايش مع إسرائيل، وانتزاع حقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة دولة فلسطينية على الأقل بحدود 1967. في ذلك الحين انبرى البعض من المحللين لتبرير هذا الوهم أو هذا الإذعان للمخططات المعادية، بأن إسرائيل قد فقدت وظيفتها الإستراتيجية في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة والغرب عموماً، وأنها في قادم الأيام لن تعود أداة في يد الإمبريالية والغرب، وأن مكانتها ودورها ووظيفتها قد انحسرت وجل دورها كيف تحافظ على وجودها، وتحقق السلام مع جيرانها عرباً وفلسطينيين..!!

ثمة أوهام قد أنتجت هذه المفاجأة اليوم، وثمة انحراف في الرؤى يعكس سذاجة الموقف وبؤس السياسة..أين الحقيقة إذاً؟؟
تتيح الذكرى الستين لقرار التقسيم فرصة للباحث الحصيف أن يقدم جواباً أو مشروع جواب، حيث تعيد الولايات المتحدة وإسرائيل الخطاب القديم، وتؤصل خطابها وأهدافها الإستراتيجية.. لقد انتهت من مسار مراحل عدة، وتلج مرحلة جديدة وفق معطيات الواقع السياسي المحلي والدولي.

ها هو الرئيس الأمريكي بوش يستعمل ذات التعابير والمفردات في وعد بلفور التي تذكرنا بجوهر الرؤية الإستراتيجية لوظيفة الكيان وعلاقته بالغرب. فما هو الجديد الذي دفع بوش وإسرائيل للولوج إلى مرحلة «الدولة اليهودية»..؟ لماذا الآن، وهل ثمة خطب يواجه إسرائيل اليوم، أو تهديد لها يرعب الإدارة الأمريكية..؟

لا شك أن أمريكا ورئيسها، كما إسرائيل وساستها يدركون الخطر الذي يواجه إسرائيل اليوم، إنه ليس خطر الجيوش العربية، ولا زحف المقاومة، إنما هو خطر تراكمي، قنبلة ليست من طبيعة القنابل العربية.. إنها القنبلة الديمغرافية التي لا تستطيع إسرائيل أن تهزمها لا بجيشها ولا بعتادها وبارودها.. إنها قنبلة بشرية يزداد خطرها يوماً بعد يوم، هذا هو الخطر الذي يقلق أمريكا قبل إسرائيل، لأنه خطر يضع إسرائيل أمام أسئلة وإشكالية وجودية، وأمام هوية تفقد عناصرها المكونة لها لتتحول إلى هوية جزئية لدولة ليست جامعة.

فالمؤشرات والإحصاءات السكانية والديمغرافي تقول أن عرب فلسطين 48 سيشكلون في عام 2020 نصف السكان في دولة إسرائيل، وإذا ما امتدت مساحة الزمن فسيتحولون إلى أغلبية داخل الكيان.. الأمر الذي يضع إسرائيل أمام استحقاقات مؤلمة وجبرية.

فإما التعايش مع هذا الجزء من الشعب الفلسطيني والاعتراف بأن دولة إسرائيل هي دولة لكل مواطنيها وتالياً المواطنين العرب أصحاب الأرض الأصليين فيها كامل حقوق المواطنة في الكيان وتنهي حالة التفرقة والعنصرية.
وفي هذا الخيار تكون إسرائيل قد اختارت طريق الذوبان التراكمي في البحر الفلسطيني على مدار عقود، والمحصلة الإستراتيجية هي تحلل الدولة الإسرائيلية، وغياب شمسها أمام حقائق الديمغرافيا..

وهذا ما لا تقبل به إسرائيل، وما يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على تحمل هذه الاستدارة التاريخية في صيرورة الصراع.. وخسارة إسرائيل «القاعدة الاستعمارية المتقدمة» على الأرض العربية التي رعتها الإدارات الأمريكية على مدار عقود من وجودها لتلعب الدور الإقليمي في المنطقة بمستوى الدول الكبرى.. وليس من قبيل المساعدة الإنسانية أن تقدم الولايات المتحدة ثلاثة مليارات دولار سنوياً لدولة إسرائيل، إنما من قبيل أن إسرائيل هي مستعمرتها في الشرق تنوب عنها كلاعب إستراتيجي وفاعل لإحداث التغيير الجيو استراتيجي في المنطقة.. كما ليس من قبيل الصدفة أن لا يمر يوم إلا ونسمع مسؤولاً غربياً يعلن ويطالب بالتعهد والحفاظ على أمن إسرائيل أولاً، ولعل هذه الأهمية الإستراتيجية لبقاء إسرائيل وديمومتها هي التي تدفع الرئيس بوش والإدارة الأمريكية لتأصيل الخطاب الاستعماري منذ وعد بلفور بالدعوة إلى «دولة للشعب اليهودي».

الخيار أو الاستحقاق البديل الثاني أمام إسرائيل في مواجهة القنبلة البشرية الفلسطينية، هو القبول بالأمر الواقع الذي تفرضه الزيادة البشرية للفلسطينيين في دولة الكيان ولكن على أساس عنصري بغيض وعلى أساس التفرقة العرقية والدينية، وبالتالي يبقي الجزء العربي الفلسطيني فاقداً لحقوقه المدنية والدينية والسياسية والحقوقية، ويمارس عليه أبشع أنواع القهر القومي والطبقي كما كان قائماً في جنوب أفريقيا، والولايات المتحدة نفسها قبل عقود.. وفي هذه الحالة فإن إسرائيل عليها أن تواجه النضال الوطني والطبقي والقومي داخل الكيان نفسه كما هو حاصل اليوم، ومواجهتها للرأي العام العالمي والمؤسسات الدولية التي تنادي بحقوق الإنسان، غير أن هذا الخيار مكلف لإسرائيل أمنياً واقتصادياً وسياسياً وعالمياً، وغير مضمون النتائج في المدى البعيد لا سيما وأن تجربة جنوب أفريقيا ماثلة للعيان.

من هنا يأتي خيار «الدولة اليهودية النقية».. الذي يخلص إسرائيل من عوامل تحللها أو موتها.. ولما كان بقاء إسرائيل وديمومتها هدفاُ استعمارياً وقت تأسيسها فهو هدف إسرائيلي واستعماري في آن مع تكوينها ولن يكون لإسرائيل ديمومة الدولة بدون أن تكون «دولة يهودية نقية خالصة» الأمر الذي يفرض استحقاق «النقاء العرقي» كإجراء سياسي، واستحقاق التخلص من «الشوائب» التي تعكر صفاء اليهودية والكيان، مما يرتب ويدشن عملية سياسية ممرحلة وممنهجة ومدروسة جيداً وفق آليات وعمليات سياسية وغير سياسية لإيجاد الوسائل المناسبة والممكنة للتخلص من عرب 48..

ومن نافل القول أن دولة فلسطين، أو كانتون فلسطيني هنا أو هناك ربما يكون (المكب) الطبيعي، أو الوعاء المناسب لاستقبال الشوائب الزائدة في الكيان الصهيوني. وقد يرتكز المنظور الصهيوني على أن هذا الخيار لن يشكل كبير تضحيات إسرائيلية أو إدانة دولية، أو إثارة للرأي العام الدولي لن تضاهي مخاطره بحال من الأحوال خطر التحلل والذوبان.
وعليه، فإن تسويق المنطق المرتكز على مقولة «ما دام الفلسطينيون أرادوا دولة لهم، فلا غضاضة بأن يرحل عرب 48 إلى دولتهم وشعبهم» قد يجد ما يبرره عند إسرائيل والغرب عموماً..!!

ومن هنا كم تبدو الأمور مدهشة في تسويق الدولة الفلسطينية على مدار عقد ونصف بعد أوسلو دون أن تتحول إلى واقع، لكنها تتحول إلى فكرة «كيان» تستوعب عرب 48..!! وما يزيد الدهشة والاستغراب أن يتردد شعار «دولتين لشعبين» في ظل رفض الدولة اليهودية كما لو أنه تدليساً وتضليلاً للشعب الفلسطيني. فدولتين لشعبين هي الأساس النظري لتسويق الدولة اليهودية.
فهل تكون الدولة الفلسطينية المنشودة هي الإجابة والحل المناسب لإشكالية وجودية للكيان الصهيوني..؟!
وهل بدأ عرب 48.. يواجهون العاصفة..؟!

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018