قحطان الجائع وعدنان المتخم../ زكريا محمد

يمكن للمرء أن يتفهم قلق المملكة السعودية من الحوثيين على حدودها. لكنه لا يمكن أن يوافق على ان التغلب على الأخطار القادمة من اليمن سيتم بطرق عسكرية.

فمشكلة اليمن الأساسية، التي ولدت الحوثيين، وستولد ربما كثيرين مثلهم، ليست مشكلة مجموعات خارجية مرتبطة بأطراف خارجية، بل مشكلة جوع وفقر.

وبناء على التقسيم العربي القديم، الذي يقسم الجزيرة العربية إلى: جنوب وشمال، قحطان وعدنان، فإنه يمكن القول إن المشكلة تكمن في أن قحطان جائع وعدنان متخم.
هذا هو جوهر الأمر وجوهر القضية.
هذا هو الخلل المركزي الذي قد يؤدي إلى انفجار اليمن وانهياره.
وهذه هي مشكلة السعودية والجزيرة العربية كلها.

بالتالي فالتغلب على الأخطار الأمنية القادمة من اليمن لن يتم بالقصف الجوي والمدفعي، بل عبر خطة مارشال سعودية- خليجية تؤدي إلى إخراج اليمن من فقره وجوعه.

القصف الجوي والمدفعي لا ينفع هنا. القصف ينفع في تسوية مسألة صغيرة على الحدود، وليس أكثر من ذلك. أما التغلب الدائم فينبغي أن يتم عبر خطة شاملة لإنقاذ قحطان. لا يمكن لعدنان ان يظل متخما في حين يتضور قحطان جوعا. هذه وصفة متفجرة، ستلهب الجزيرة العربية كلها في نهاية الأمر.

وإذا كان الخطر الحوثي مرتبطا بالخطر الإيراني، كما يقال، أي أن السعودية تدير معركة مع إيران وهي تتصدى للحوثيين، فإن أبسط أسس المواجهة مع إيران تقتضي أولا عمل توازن جغرافي- بشري مع إيران. ومن دون اليمن، لا يمكن بناء هذا التوازن مطلقا. يعني أنه لا أمل مطلقا في تحقيق توازن عربي- إيراني في الجزيرة والخليج من دون اليمن، من دون سكانه الكثار، ومن دون تحديثه وإنهاء فقره، ودمجه في كيان واسع واحد يدعى الجزيرة العربية. فعبر توحيد قحطان وعدنان، يمكن القول أن توازنا ما قد حصل مع إيران، ومن دون حروب وتهديدات.

وعدم القيام بأمر كهذا، أو عدم وضعه كهدف يعمل على تحقيقه جديا، فإن اليمن كله قد يتحول إلى يمن حوثي، يوما ما. ولنتذكر أن الفروق بين قحطان الجائع وعدنان المتخم كانت دوما تؤلم اليمنيين. لقد كان اليمن كله دوما يشعر بأنه منبوذ، وبأن السعودية تريد ان تذله، وانها لا تهتم بأمره. بل إن السعودية كانت في الماضي تدعم تقسيم اليمن وتجزئته، بل وتقضم حدوده أحيانا. وفي مرات عديدة كادت هذه الحساسيات النابعة من كل هذا أن توصل عدنان وقحطان إلى الحرب.

لا يمكن للسعودية ان تتصرف كما لو أن حدودها حدود إلهية، وان الثروة النفطية بداخل هذه الحدود لا علاقة لقحطان بها. ليس قحطان مجرد شحاذ ملعون يطمع في نهب شيء من هذه الثروة. هذه رؤية قصيرة النظر جدا. وهي ستؤدي إلى كوارث على الأمن السعودي مستقبلا. فما لم يتم إنقاذ قحطان من فقره وجوعه ومشاكله، وإشراكه بشكل ما في ثروة عدنان، فإنه قد يعمد يوما ما إلى التحالف مع أي قوة خارجية تبحث عن حلفاء. هذه القوة قد تكون إيران أو الهند أو غيرهما. نعم قد يتحالف قحطان الجائع، لا الحوثيون وحدهم، مع الآخرين ضد إخوته المتخمين.

لا يمكنها حفظ أمن السعودية واليمن، والجزيرة كلها، من دون تبني سياسة تدمج اليمن مع السعودية تدريجيا، كي يتشكل على مدى عشرين أو ثلاثين سنة كيان موحد أو شبه موحد.

وإذا لم يحصل هذا، فاليمن سينفجر ويفجر أشقاءه معه.
عليه، كفى حديثا عن الحوثيين ومخاطرهم.
فالمشكلة مشكلة قحطان كله لا حوثييه.
وفي يمن جائع يسف التراب، عليك ان تتوقع أنه قد يولد كل يوم حوثيون على جبل الدخان، أو على جبل النار والكبريت.