احتمالات ما بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان/ ماجد كيالي

لم تنته الحرب على لبنان، أو في المنطقة، تماما، بحكم وقائع ومعطيات متعددة، أهمها:

1) أن قرار مجلس الأمن الدولي (1701) دعا فقط لوقف الأعمال العدائية، بين الجانبين المتحاربين، ولكنه لم يدع لوقف إطلاق النار، الذي ظل مرهونا بمدى الاستجابة اللبنانية والإسرائيلية، والإقليمية أيضا، للبنود التي تطرق إليها هذا القرار.

2) أن الحرب، على رغم قوتها وشدتها ومداخلاتها الدولية والاقليمية، لم تؤد إلى تحقيق الحسم في أي الملفات أو الاستهدافات التي أدت إلى اندلاعها. فإسرائيل، مثلا، لم تستطع استعادة الجنديين الأسيرين من حزب الله، كما لم أنها اخفقت في تقويض قوة هذا الحزب أو في نزع سلاحه. وبالمقابل فإن حزب الله، الذي خرج مع شعور بانتصار في هذه الحرب، فإنه بات أكثر تمسكا بحقه باستمرار المقاومة، وامتلاك السلاح، لاستعادة مزارع شبعا، وتحرير اللبنانيين الأسرى من السجون الإسرائيلية، وصد اعتداءات إسرائيل على لبنان.

3) أن الوضع السياسي على الصعيد الإقليمي مازال ساخنا، ومازالت التوترات بين مختلف الأطراف على أشدها، فثمة الملف النووي الإيراني، حيث أعلن المرشد الأعلى للثور الاسلامية في إيران على خامنئي، مؤخرا، بأن إيران ستواصل سعيها لتملك الطاقة النووية. وكذلك فإن الوضع في فلسطين على حاله، لجهة الحرب الإسرائيلية على السلطة (منذ 25/6)، بدعوى اسقاط حكومة حماس واستعادة الجندي الأسير لدى المقاومة الفلسطينية. أيضا، ثمة الابتزازات الموجهة ضد سورية، بدعوى تدخلها في الشؤون اللبنانية ودعمها للمقاومة في فلسطين ولبنان. ولاشك أن الوضع غير المستقر في العراق، يثير لدى الولايات المتحدة ولدى الأطراف الاقليميين، الكثير من التوتر والاضطراب.

على ذلك يبدو أن أن ما جرى في لبنان هو مجرد جولة من جولات الصراع، بين إسرائيل، من جهة، وحزب الله من الجهة المقابلة، بكل ما في ذلك من مداخلات دولية وإقليمية.

لكن استئناف الجولات الأخرى ليست قدرا لهذه المنطقة بالضرورة، وهي أيضا ليست مرهونة بموعد زمني محدد، بقدر ماهي مرتبطة، بعوامل عدة، لعل أهمها:

أولاً، مدى الجدية في تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي، وهذا يتوقف على مدى تلبية المطالب الأمنية الإسرائيلية، وضمنها وقف الهجمات الصاروخية على إسرائيل، من قبل حزب الله، ونشر قوة الطوارئ الدولية وقوات من الجيش اللبناني على الحدود اللبنانية، المحازية لشمالي إسرائيل، لمنع أي تواجد لمجموعات المقاومة المسلحة، ومنع أي احتكاك عسكري بينها وبين إسرائيل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذا الأمر يتوقف على مدى تلبية إسرائيل للاستحقاقات المطلوبة منها، بشأن مزارع شبعا، لنزع مبررات التسلح لدى حزب الله (في حين ستبقى قضية الأسرى رهن عملية مفاوضات بين الجانبين).

ثانياً، قدرة حزب الله على التكيف مع الوضع السياسي الداخلي في لبنان، ومدى استجابته للشروط الدولية، المتعلقة بمسألة الاحتفاظ بسلاحه (من عدم ذلك). ولاشك أن نجاح اللبنانيين في إيجاد المعادلة السياسية التي تضمن الأمن والاستقرار والوحدة الوطنية، تتطلب، أيضا، تنفيذ إسرائيل للاستحقاقات المطلوبة منها، لجهة الانسحاب من مزارع شبعا، ووقف الاعتداءات على الأراضي اللبنانية، مثلما تتطلب نوعا من الانفراجات في التوترات السائدة في الشرق الأوسط، لاسيما بالنسبة لإعادة تفعيل عملية التسوية.

ثالثا، يخشى أن الحرب الإسرائيلية ضد لبنان هي بالفعل بمثابة جولة أولى من حرب إقليمية على تشكيل الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، بعد أن باتت الولايات المتحدة تعتقد بأنها تستطيع أن تفرض املاءاتها السياسية واولوياتها بوسائل القوة، وفق مبدأ الحرب الوقائية، وبعد أن باتت هذه المنطقة، في عرف الدول الكبرى، بمثابة رجل مريض ينبغي علاجه، باستئصال المرض منه (الإرهاب والتطرف) وبفرض الوصاية عليه، بدعوى إصلاحه!

ومن ذلك ربما تشهد المنطقة العربية، في المدى المنظور، مزيداً من التجاذبات والضغوطات والتدخلات السياسية، الدولية والإقليمية، التي ربما تتضافر مع الوسائل العنفية أو العسكرية، في سياق السعي الأمريكي (والدولي ربما) لإعادة ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط. ولكن هذا الأمر سينتظر التطورات التالية:

1 ـ مدى حسم الإدارة الأمريكية أمرها، لجهة فرض املاءاتها في المنطقة، بدعوى مكافحة الإرهاب، أو لجهة إقامة شرق أوسط جديد. وهذا بالطبع مرهون بالشكل الذي سيأخذه هذا الحسم (سياسيا أم عسكريا)، لاسيما لجهة الحؤول دون تمكين إيران من امتلاك القدرة على إنتاج الطاقة النووية، والسعي لإضعاف نفوذها في العراق ولبنان، كما لجهة الاستمرار بابتزاز وتهديد سورية، بهذه الحجة أو تلك، وكيفية تعاملها مع هذا الملف. ويندرج في ذلك أيضا مسألة موقف هذه الإدارة من حركات المقاومة الوطنية المسلحة (خصوصا حزب الله وحماس)، حيث أن هذه الإدارة تتعمّد عدم التمييز بين حركات التحرر الوطني ضد الاحتلال (وضمنها حركة التحرر الفلسطينية وحزب الله)، وبين الحركات الإرهابية المتطرفة، مثلما تتقصّد عدم التمييز بين الحركات السياسية الإسلامية، وبين الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي تنتهج الأعمال الإرهابية.

2 ـ كيفية تجاوب أو كيفية تعامل القوى الإقليمية في المنطقة، مع النتائج السياسية للحرب الإسرائيلية على لبنان، ويندرج هنا كيفية محاولة النظام الإقليمي العربي، تجاوز ثغراته وخلافاته الداخلية، وتعزيز وحدته وتصليب موقفه وتفعيل دوره، في مختلف الملفات، بدءا من ملف تعزيز التكامل العربي، إلى ملف الإصلاح الداخلي، وصولا إلى طرح مختلف الخيارات الممكنة لمواجهة مختلف التجليات أو التحديات الناجمة عن وجود إسرائيل في هذه المنطقة، وسياسات القوة والغطرسة التي تنتهجها.

3 ـ ثمة أهمية خاصة هنا لملاحظة كيفية تعامل كل من إيران وسورية (وأيضا حركة حماس وحزب الله) مع التهديدات والابتزازات الموجهة ضدهما، هل هي على شكل استيعاب وتأقلم وتفويت أم على شكل مواجهة؟ وإلى أي مدى؟

4 ـ لاشك بأن التحولات السياسية في إسرائيل، بعد الحرب، سيكون لها انعكاسا كبيرا على السياسة الأمريكية، إزاء الشرق الأوسط، كما على التوجه بشأن تفعيل عملية التسوية، من عدم ذلك. وفي الواقع فإن السياسة الإسرائيلية المقبلة، هي التي ستحدد اتجاه دفة السياسة الإقليمية، باتجاه الحرب أم باتجاه السلام.

5 ـ ستبين التطورات مدى قدرة المجتمع الدولي، على إقناع الإدارة الأمريكية، خصوصا على ضوء اخفاقها في العراق وعلى ضوء الدروس المستخلصة من الحرب على لبنان، بتفعيل عملية السلام، وتنظيم مؤتمر مدريد 2، على أسس جديدة، تضمن تنفيذ إسرائيل للاستحقاقات المطلوبة منها، على مختلف المسارات (اللبناني والسوري والفلسطيني)، بحيث يتم خلق واقع من السلام العادل والشامل في المنطقة، بحيث يضمن الأمن والاستقرار لجميع دولها.

هكذا ثمة إشكاليات عديدة وأسئلة كثيرة طرحتها الحرب الإسرائيلية على لبنان، بوقائعها ومداخلاتها وتوظيفاتها، ولكن الإجابة عليها مازالت رهن التطورات المحلية والإقليمية والدولية، التي مازالت في طور التفاعل؛ وبناء على شكل هذه التفاعلات واتجاهاتها سيتم رسم مسار المنطقة، في المستقبل المنظور، إلى مزيد من الاستقرار، أو إلى مزيد من التوتر والاضطراب والحروب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018