الحركة الطلابية والأفق الواسع.. في تشخيص التحديات../ أمير مخول

الحركة الطلابية والأفق الواسع.. في تشخيص التحديات../ أمير مخول

يثار بين الحين والآخر جدل حول الحركة الطلابية، هو أقلّ بكثير مما تجدر به هذه التجربة الهامة والمتميزة في حياة جماهير شعبنا الفلسطيني في الداخل. فالحركة الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية تقارب الأربعة عقود على بداياتها. وأعتقد بوجود مقوّمات استنهاض ضرورية لهذه الحركة فيما كانت إرادة وفيما لو أولَت أطرافها جهوداً لبحث ودراسة التجربة المتميزة في بناء مؤسسات الجماهير العربية ضمن مسارها الكفاحي.

وهناك تناسب وعلاقة سببية بين وضعية جماهير شعبنا وأولوياتها في نضالها من أجل مستقبلها ومستقبل كل الشعب الفلسطيني وفي صراعها مع إسرائيل ووتيرة هذا الصراع، وهويتها وبين شكل التنظيمات القيادية الشعبية العامّة أم القطاعية. وهنا يأتي شكل تنظيم الحركة الطلابية، وهذا يتطلّب فتح السؤال حول طبيعة وشكل التنظيم وبنية مؤسسات الحركة الطلابية القيادية، لكن بعد الإجابة الحاجة الى بلورة رؤية جماعية على ضوء المستجدات البنيوية سواء بالحركة الطلابية أم بالجامعات في العقدين الأخيرين.

وعند التطرق إلى مرجعيات مؤسساتية، من الجدير التأكيد أن كل مؤسسات هذا الجزء من الشعب الفلسطيني كما كل مؤسسات الشعب المرجعية والتاريخية هي في نهاية المطاف مؤسسات طوعية، والتفاعل والانضواء فيها طوعي، وهو نتاج قرار سياسي لكل مركّب من مركباتها. والحركة الطلابية العربية المنظمة ليست طوعية فحسب، بل هي الوحيدة بين مؤسسات الجماهير العربية المنتخبة مباشرة من جمهور الهدف ألا وهو الطلاب العرب.

كما وحثني على الإسهام بالكتابة، بالإضافة الى تجربتي السابقة في قيادة الحركة الطلابية في سنوات الثمانينيات ومتابعة دورها وأحيانا مرافقة عملها لغاية العام الأخير- قبل اعتقالي منذ أيار 2010- وذلك ضمن المساعي للإسهام في ترسيخ التعددية وضبطها وتوفير الأجواء لانتخابات الهيئات الطلابية. وقد تمّ ذلك في إطار عمل اتحاد الجمعيات العربية (إتجاه) وكذلك اللجنة الشعبية للدفاع عن الحريات والمنبثقة عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية..

مؤخرا قرأت مقالا للصديق الباحث مهند مصطفى وأحييّه على اجتهاده، وكذلك نقاشات ومواقف قيادات طلابية، وهي جميعها اجتهادات مباركة وضرورية وهناك حاجة الى توسيعها والتعمق بها. وقد رأيت من المناسب الإسهام ببعض الأفكار علّها تساعد في قراءة تجربة وحال الحركة الطلابية المنظَّمة أي لجان الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية والاتحاد القطري للطلاب العرب.

أحد الأمور الذي لفت نظري في النقاشات الأخيرة هو محاولات قراءة الضعف الحالي للحركة الطلابية من الباب الدستوري، أو التركيز عليه، والمقصود دساتير لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري. وقد بلغ الأمر استخدام مفردات مثل "الفراغ الدستوري" في مسعى لإحالة حالة عدم تشكّل هيئات اللجان المنتخبة والاتحاد القطري الى الوضع الدستوري. وإذ اتفق حول الحاجة لإعادة قراءة الدساتير التي تمّت مناقشتها جماعيَّا وإقرارها من قبل الطلاب العرب في الأعوام 1978 ولغاية 1980، حيث تمّ إقرار تحوُّل بنيوي من انتخابات اسميّة الى انتخابات نسبيّة، وقد جاء التعديل في حينه إدراكا لأهمية التمثيل النسبي للتنظيمات الطلابية (في ذلك الحين كانت هناك حركتان طلابيتان أساسيتان وهما الحزب الشيوعي والجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة (جبهة الطلاب العرب) وحركة أبناء البلد (الحركة الوطنية التقدمية). وقد جرى التعديل أساسا لأن الإطار- اللجان والاتحاد القطري- هو إطار طوعي ولأن التصويت وعملية الانتخابات أخذت منحى التصويت لكتلة من الأسماء، بغض النظر عن أفرادها بل بسبب انتمائها السياسي. فقد حصل قبل التعديل أن تحصل قائمة على ما مجموعه 94% من الأصوات والقائمة الأخرى على 49%، وكانت تركيبة لجان الطلاب العرب فقط للقائمة التي حصلت على الغالبية الضئيلة ولم تحظ الأقلية التي تشارف النصف على أي تمثيل (أشبه بالانتخابات المناطقية).

كما شمل الدستور الجديد في حينه تحولاّ في بنية الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين العرب ليصبح منتخبا مباشرة من مجموع الطلاب بدل الصيغة التأسيسية حينما كان اتحاد لجان الطلاب العرب. الدستور الذي تمت بلورته ومناقشته وإقراره في كل الجامعات- جماعيا وقد جرى ذلك ضمن هدف أبعد من قضية التمثيل فحسب، بل لتأطير كل طاقات الطلاب العرب وكل التيارات والقيادات وذلك ضمن المسعى والوعي لمتطلبات بنية الحركة الطلابية في مواجهة إحدى أخطر الحملات العنصرية الدموية الفاشية التي واجهت الطلاب حتى ذاك الحين، وشكلت تهديدا حتى لحياة القيادات الطلابية. وحدث ذلك في أعقاب صعود الليكود لأول مرة للحكم والحركات الفاشية الدموية التي رافقته، كما حدث في أعقاب بلورة جيل المستوطنين الأوائل في المستعمرات الاسرائيلية الاحتلالية في الضفة الغربية وقطاع غزة والتي بدأها حزب العمل. وقد عملت هذه الحركات الدموية بالتعاون مع ادارات الجامعات أو أوساط متنفذة فيها والتي تواطأت مع الحركات الفاشية على ضرب وترهيب وتطويق الطلاب العرب وحركته المنظمة في بناء الذات والهوية الفلسطينية والتي قادها جيل يوم الأرض كما يطلق عليه، حيث شبّ هذا الجيل على إحدى أهم معارك الصمود والبقاء والتحدي لشعبنا الاّ وهي يوم الأرض 1976.

كما ذكر سابقا أعود وأؤكد أن لجان الطلاب العرب والإتحاد القطري هي الأطر الوحيدة ضمن مسار بناء مؤسسات الجماهير العربية والتي قامت على أساس انتخاب مباشر من قبل جمهور الهدف- أي الطلاب الجامعيين العرب، ولا توجد أيه مرجعية مؤسساتية أخرى منتخبة بشكل مباشرة من الجمهور. (جدير التذكير أن اللجنة القطرية للطلاب الثانويين العرب تأسست في السبعينيات وكانت منتخبة لكن على أساس مدارس لكنها لم تعد قائمة من أكثر من عقدين) وقد شكّل الطلاب الجامعيون مصدر شرعية اللجان والاتحاد القطري في حين أن جدارة ومصداقية هذه المؤسسات قد اكتسبتها ضمن العملية الانتخابية وضمن المسار الكفاحي والثمن الباهظ الذي دفعته قياداتها وجمهورها من ملاحقات سياسية وسجن وإرهاب شرطة وعصابات يمينية منظمة وترهيب إدارات الجامعات والإبعاد عن الدراسة وإصابات نتيجة اعتداءات دموية وترهيب دموي منظم وحتى محاولات اغتيال فعليّة خطيرة. إضافة وفي المقابل إحقاق حقوق وإنجازات هامة وتسهيل دخول الطلاب العرب للجامعات وإرشادهم بالتسجيل وخلق حياة طلاّبية ثقافية وطينة. وليس صدفة أن نسبة تصويت الطلاب العرب للجان والاتحاد القطري كانت تصل أكثر ن تسعين بالمائة، وذلك رغم أنها كانت تجري في ظروف صراع صعبة في مواجهة منع الجامعات أجرائها وتحمّل تبعات إجرائها رغم مساعي الجامعات المعادية.

ما أردت تأكيده هو أن الدستور – بلورته أو تعديله- ليس بالضرورة مسألة تنظيمية بل بالأساس تعبير عن حالة سياسية وحاجة سياسية استراتيجية أكثر من الجانب التنظيمي الذي لا يشكل هدفا بحد ذاته بل شكل تنظّم لتحقيق هدف استراتيجي جماعي متعدّد اللاعبين وذوي الشأن- أفرادا وتنظيمات. وعليه فإن ما أُطلق عليه "فراغ دستوري" باعتقادي ليس دقيقا عند البحث عن أسباب تجميد عمل هيئات اللجان والاتحاد القطري، فالمسألة التي تقف وراء تجميد الهيئات هي غياب القرار السياسي، وجوهرها ليس مسألة دستورية، فبالإمكان حتى بالوضع الحالي وضمن الدستور القائم التوصل الى اتفاق وإجماع أو تشكيل هيئات اللجان والاتحاد القطري على أساس ائتلاف وبقاء معارضة، والعملية الانتخابية تخضع الجميع إلى محاسبة ومراجعة. ومع هذا اعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل وائتلاف شامل هو الأساس لتعديل الدستور كما ترتأيه الحركة الطلابية صاحبة الشأن والقرار.

بخلاف مراحل التأسيس في السبعينيات وما تلاها من أوئل الثمانينيات فقد بدأت تنعكس مظاهره التعددية- والمقصود التعددية الوطنية- على الساحة الطلابية وهي التعددية السياسيّة التياراتية والحزبية القائمة اليوم والتي تبلورت بين جماهير شعبنا ضمن مسيرتها الكفاحية التراكمية. فإضافة إلى جبهة الطلاب العرب والحركة الوطنية التقدمية في الجامعات نشأت في الثمانينيات الحركة التقدمية والتي لم تدم طويلا بل بضع سنوات، ومن ثمّ التجمع الوطني الدمقراطي (التجمع الطلابي الدمقراطي) في النصف الثاني من التسعينيات ولاحقاً الحركة الاسلامية من خلال تنظيم "إقرأ" وتنظيم "القلم"، والتي تعتبر حديثة العهد في العمل الطلابي في إطار الهيئات التمثيلية للطلاب العرب. وهي تعددية مباركة وصحيّة وسوف أتطرق لها لاحقا.

إنقطاع عملية المراكمة والاستدامة

الوضع الحالي للحركة الطلابية يعكس مأزقا، وهذا المأزق ليس وليد اللحظة فحسب، بل وليد مرحلة أو مراحل سبقته. وأعتقد أن سنوات التسعينيات قد شهدت تراجعا كبيراً في دور الحركة الطلابية وجوهر دورها التمثيلي والأخطر هو انقطاع في عملية الانتخابات وبالذات كوننا نتحدث عن جمهور متغيِّر أي أن كل عام يشهد تخرّج الكثيرين ودخول طلاب جدد كثيرين. وعند الحديث عن التراجع ليس المقصود المقارنة بين قيادات طلابية بل أساساً بين وضعيّة وظروف وعوامل مؤثرة. وقد صاحب تراجع هذا الدور تحوُّلان هامّان. الأول هو انقطاع عملية المراكمة واستدامة العمل فمثل هذه الهيئات المنتخبة طوعاً وتحديّاً، والتي مجرّد إجراء الانتخابات هو عملية حياة لها، وهي أيضا عملية إدارة صراع مع إدارات الجامعات التي لا تعترف بها رسمياً ولا بشرعية طابعها التمثيلي حتى وإن اضطرّتها إرادة الطلاب العرب على احترام مرجعياتهم إلا أن هذه الإدارات سعت باستمرار إلى محاولة منعه أو لإفراغه من مضمونه أو الإبقاء – لو استطاعت ولو كان القرار بيدها- على وظيفة خدماتية للجان الطلاب العرب لا التمثيل المباشر. ولاحقاً، وهذا ما برز في جامعة حيفا، بشكل فظ، حيث تتعامل الجامعة أساسا مع "الكتل" الطلابية (وتطلق عليها اسم الخلايا الطلابية) في محاولة لتجنب التعامل مع لجنة الطلاب العرب. وفي أجواء غياب هيئات لجنة الطلاب العرب يسهُل على الجامعة الإمعان في مسعى تشتيت طابع اللجنة التمثيلي.

في المقابل فإن إجراء انتخابات وعدم استكمالها بانتخاب هيئات لتفعيل اللجان والإتحاد القطري فيها أيضا إضعاف لعلاقة مع جمهور الطلاب. هذا الجمهور انتخب لجان الطلاب العرب ولم يحصل على لجان، حتى وإن انتخب كل طالب أو طالبة قائمة من القوائم المرشحة، فإنه شارك عمليا في انتخاب مؤسسات تمثيلية قيادية لكنها لم تتشكّل رغم الانتخابات ولجنة الطلاب العرب هي في جوهرها هيئة تمثيلية قبل اي مميز أو دور آخر، ودور جوهري مكمّل هو تمثيل مصالح الطلاب العرب وصوتهم الطلابي والسياسي وحقوقهم ومحصلة برامجهم، كل ذلك إضافة للحماية وبلورة الهوية وإدارة الصراع مع الجامعات وفتح آفاق مستقبلية.

وإن إنتُخِبَت اللجان على أساس مبدأين- التمثيلي والبرامج السياسية الطلابية، إلا أنه توجد عملية تآكل في موقع اللجان والاتحاد القطري تنعكس في أحد أخطر تجلياتها ألا وهو نسبة التصويت المتدنية جداً لهذه الهيئات مما يمس بالشرعية، وفي المقابل جرى تحوّل في مفهوم الحركات والتنظيمات الطلابية. وأعتقد من المفيد هنا قراءة تجربة مراحل التأسيس والبناء لأنها شكلت مراحل صعود وبلورة ورؤية وأفق واسعين.

العامل الآخر الذي أرى به مؤثرا في عملية مراكمة التجارب وبناء المؤسسات وبلورتها هو العلاقة بين التنظيمات أو الكتل الطلابية وبين الأحزاب السياسية. طبيعة هذه العلاقة تغيّرت بشكل جوهري قياساً للسبعينيات والثمانينيات. وبالإمكان كما أعتقد إحالة ذلك الى انقطاع عملية المراكمة من جهة. كذلك لتبلور تعددية سياسية واسعة بين الجماهير العربية. فالتنظيمات الطلابية السياسية يطغى عليها طابع أقرب الى فرع الحزب وخلايا الحزب وليس طابع حركة طلابية سياسية اجتماعية منتمية لتيار معين وترفد أحزابها بالقوة وكذلك بالطروحات والخطاب المتجدد.

وما ميّز في السابق في السبعينيات والثمانينيات هذه العلاقة هو أن جبهة الطلاب العرب والحركة الوطنية التقدمية لم تكونا مجرّد فروع أو خلايا للحزب الشيوعي والجبهة أو للحركة الوطنية التقدمية ابناء البلد، حتى عندما كان هذان الحزبان أكثر محوريّة ومركزية في حياة الناس. فهذان التنظيمان شكّل كل منهما إطاراً طلابيا استقطب نسبياً أوساطا طلابية أوسع مما استقطبته جماهيريا الجبهة وأبناء البلد. ولا يقلل من هذه الظاهرة وجود شريحة محددة انتمت للتنظيمات الطلابية السياسية في الجامعات وتراجعت بعد عودتها لبلدتها وإنهاء الدراسة.

والعامل المهم والجوهري في هذا التفاعل هو تأثيره الداخلي على الخطاب والجدل السياسي والفكري في كل من التنظيمين الأم. فالنقاش والصراع والخلاف السياسي والفكري بين التيارين الحزب الشيوعي وأبناء البلد كان له أثر عميق، أذكره حين كنت في حينه في قيادة العمل الطلابي وجبهة الطلاب العرب ودائرة الحزب الشيوعي الطلابية. وقد أثّر النقاش على المواقف والطروحات والمفاهيم في كل إطار. وأعتقد أن نشوء حركة "ميثاق المساواة" في النصف الأول من التسعينيات كان متأثرا إلى حد كبير بانهيار الدول الاشتراكية والاتحاد السوفيتي من جهة ومن أثر التفاعل المذكور على الساحة الطلابية حيث كان كمُّ كبير من قياداتها في صلب هذا التحول بشأن تأسيس حركة ميثاق المساواة ومن ثم التجمع الوطني الديمقراطي. وقد انعكس الأمر في بنية وتركيبة هذا الحزب الجديد وبالتأكيد في طروحاته.

إنني أسرد هذا في محاولة للتأكيد على أن التنظيم الطلابي السياسي ليس فرعاً ولا خلية حزبية بالمفهوم التقليدي، بل شكّل إطاراً أوسع، وإلى حدّ كبير "أوتونومي" أو ذو كيان بحدّ ذاته. ضمن إطار حزبي سياسي جماهيري قطري مركزي. فالتنظيم الطلابي كان أقرب إلى تمثيل سعة التيّار الذي ينتمي إليه منه إلى الحزب فحسب. وأحد التعبيرات عن ذلك كان تسميته الأطر والمفردات المستخدمة: جبهة الطلاب العرب وليس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والحركة الوطنية التقدمية وليس ابناء البلد مع العلم أن الالتزام الحزبي والإيديولوجي كان قوياً وغنيّاً أكثر مما هو الأمر عليه اليوم. وكنموذج للإطار الأوتونومي أقام الحزب السياسي دائرة طلابية علمت مقابل الأطر الطلابية التابعة للحزب أو التيار، وعلى سبيل المثال فان الدائرة الطلابية في الحزب الشيوعي (لم تكن دائرة طلابية للجبهة) لم تكن متلقيّة للتعليمات أو التوجيهات من قيادة الحزب، بل كانت رافداً أساسيا وقد يكون الرافد الأساسي لإثارة نقاشات وطروحات فكرية وسياسية وسلوكيات متأثرة بتفاعلها في الجامعات وبالأساس في الحركة الطلابية العربية. لذلك كان كثير من هذه النقاشات في المسالة القومية والديمقراطية.

هناك أهمية أخرى لكون التنظيم الطلابي الحزبي أوسع من إطار الحزب، وهذا ناتج عن كون الحركة الطلابية هي شبابية بامتياز، بطلابها وكوادرها وقياداتها، وهذا عامل ثابت وقد شكلت هذه الحركة دفيئة لنشوء قيادات مستقبلية وتمثيل روح العصر أو المرحلة. إن روح مرحلة التأسيس والتي تزامنت وتبلورت في السبعينيات ونمت مع يوم الأرض 1976 وما سبقه من تحوّلات على بنية المجتمع العربي وإعداد للإضراب العام تختلف عن روح المرحلة في العام 2011، خاصّة وأن العصر الحاضر هو عصر الاتصالات والمعلوماتية وإمكانيات التواصل المحلي والعالمي يضاف اليها وهذا سيكون عاملاّ مؤثرا جدا وأقصد ثورات العالم العربي في تونس ومصر ومجمل الدول العربية والتي أطلقها الشباب وتحولت الى ثورات الشعوب. إن هذه الفئة العمرية تعمل بوتيرة اتصال سريعة جداّ، أسرع كثيرا من وتيرة عمل الحزب السياسي التقليدي أو المركزي، وهذا أمر طبيعي لوصف حالة وليس انتقاصا من الحزب السياسي. لكن تكنولوجيا المعلومات لا تكفي فالقانون الأساسي في هذا الصدد هو: لا حركة شبابية تنجح إن لم تكن شبابية في روحها وتبلور رؤيتها وطريقها لمستقبلها ولا تتوقف عند يومها.

التعددية الحالية

أحد مميزات الحركة الطلابية اليوم هو التعددية الواسعة والتي تبلورت عمليا في أربعة تيّارات مركزية- الجبهة وأبناء البلد الأقدم والتجمع الوطني الديمقراطي والحركة الإسلامية. وهذه هي عمليا التيارات المركزية بين الجماهير العربية.

لقد دخل التجمع للحركة الطلابية بعد تأسيسه في النصف الثاني من التسعينيات، وأعتقد أن إحدى أهم تجاربه الحداثوية في هذا الصدد كان تأسيس تنظيم "جفرا" في جامعة تل أبيب وقد رفدت هذه الحركة الحزب بالقوة وقد اعتمدت أسلوب الحركات الشبابية شكلاّ وعمليا مثلت تياراً أكثر من حصرها في تمثيل حزب. والتطور الواعد الآخر هو دخول الحركة الإسلامية إلى هذا التفاعل في الحركة الطلابية العربية المنظمة والمشاركة في انتخابات اللجان والاتحاد القطري وهو تطوّر واعد لسببين جوهريين: الأول هو مخاض تجربة التعددية وانعكاسه على العمل الطلابي وبشكل تبادلي على كل التيارات الفاعلة الأربعة، وانعكاس ذلك على العمل الطلابي العربي وكنموذج للتفاعلات خارج الاجتماعات. وفيه مؤشرات للاصطفاف السياسية الممكنة في قضايا تتعلق ببنية التمثيل السياسي للجماهير العربية وأقصد لجنة المتابعة وفكرة انتخابها المباشر من الجمهور. وثانيا- لأنه يرسّخ التعددية ويلغي كل مسلكيات وطروحات الإقصاء وبالذات على المحور الديني العلماني، بل فيه تأكيد على أن كل تنظيم طلابي سياسي هو مسؤول تجاه كل الطلاب العرب وليس فقط تجاه التيار الذي ينتمي اليه. وهذا نتاج الانتخاب المباشر للهيئات. وإلا لما خاض الانتخابات الطلابية. ومن شأن التفاعل بين كل التيارات الأربعة ضمن انتخابات مباشرة من قبل جمهور الطلاب، أن يشكل نموذجاً جاذباً لانتخاب الهيئات التمثيلية لجماهير شعبنا مباشرة من جمهورها، بما فيه لجنة المتابعة. وهذا مستوى تنظيم أرقى ليس فقط في تمثيل قضايانا داخليا أو أمام إسرائيل بل أيضا تجاه مجمل التمثيل الفلسطيني الواسع لشعبنا وكجزء منه. فالشعب الفلسطيني ليس محصوراً بالضفة والقطاع بل أيضا الشتات وفلسطيني الـ 48. والقيادات والأطر القيادية الفلسطينية ينبغي أن تكون لكل الشعب وليس لجزء محدد منه وأن تمثل مجمل القضية الفلسطينية وبكل مركباتها.

الحركة العربية المتجددة قادرة على خلق علاقات واسعة وتكامليّة مع حركات التضامن وحركات المناصرة العالمية للشعب الفلسطيني وللحق الفلسطيني، وبالذات ضمن سعي الحركة الطلابية العربية إلى تعزيز وتعميق وتوسيع أثر خطاب الحق الفلسطيني القائم على كون الجماهير العربية في الداخل هي جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني ومن القضية الفلسطينية ومن الغبن التاريخي الذي لحق بنا كشعب ومن الحق الفلسطيني في الوطن وعليه وكل مستحقات ذلك. وفي هذا الصدد بإمكان الحركة الطلابية العربية لو أرادت أن تلعب دورا محورياً في مقابل الحركات العالمية لمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها وعزلها ونزع شرعية النظام الاستعماري العنصري. ومقاطعة الأكاديميا الإسرائيلية وفرض العقوبات عليها في مواجهة استبداد إدارات الجامعات تجاه الحركة الطلابية العربية والعنصرية الأكاديمية الرسمية.

إن هذه المهام هي إضافة للدور المعهود للحركة الطلابية وليست بديلاً عنه. ويبقى الأساس هو الحضور القوي للجان الطلاب العرب والاتحاد القطري والتنظيمات الطلابية على تعدديتها ضمن الأطر التمثيلية الوحدوية، وذلك لضمان حقوق الطلاب العرب وتوفير الظروف لقيامهم بدورهم المتوخى تجاه أنفسهم وتجاه تطورهم الأكاديمي وتجاه الأجيال الصاعدة وتجاه كل شعبنا، بما فيه تعزيز التفاعل مع المدى المؤسساتي والشعبي للجماهير العربية في الداخل، وبامكان الحركات الطلابية أن توفر بيئة لبروز قيادات تكون مرشحة للعب دور على مستوى القيادات الشعبية والسياسية لاحقاً. وعلى الصعيد الفلسطيني الواسع يكون من المفيد التنبّه إلى حقيقة أنه وبمدى قدرتنا على التواصل الفلسطيني والعربي والدولي وعلى ترسيخ خطاب الحق الفلسطيني فإن لذلك أيضا تأثير على مجمل الخطاب الفلسطيني الشبابي والشعبي والرسمي، في مواجهة الخطاب التجزيئي للقضية الفلسطينية والسلوك السياسي المنبثق عنه والذي يحصر جُلّ القضية الفلسطينية في نتائج احتلال العام 1967 والذي علميا ينتقص الحق الفلسطيني الطبيعي القائم على إصلاح الغبن التاريخي الناتج عن المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين وبالذات نكبة العام 1948 واحتلال الوطن وتهجير غالبية أهله.

إن حضورا قويا للحركة الطلابية العربية المنظمة والمنتخبة وقيامها بدورها، هو الأساس لكل التفاعلات الأخرى، بما فيها لمناصرة أوساط يهودية دمقراطية ومناهضة للصهيونية من محاضرين وطلاب، فالحركة الطلابية العربية المنظمة هي سيدة الموقع على حلبتها وهي تمثل مصالح مجتمعة لجمهور كامل ورؤية جامعة وبعيدة المدى نحو المستقبل. أما بناء المؤسسات وشكلها ودستورها فهي أمور خاضعة للرؤية والدور والموقع.

في شكل التنظيم

مفروغ منه أن الطلاب العرب وحركتهم الطلابية السياسية هم أصحاب الموقف والقرار في تحديد الدستور لمؤسساتهم التمثيلية، وكل ما يرد هو مقترحات علها تساعد وترفد متخذي القرار الطلابي والقيادات الطلابية، كونها تستحضر تجارب محلية وعالمية هامة في هذا الصدد. كما أن كل المقترحات هي إضافة لما هو موجود وليست بديلا عنه. أي ليست بديلا عن التنظيم الطلابي السياسي بأي شكل كان. لكن النقاش الدستوري من شأنه أن يأخذ بالحسبان تحوّلات جارية في الحركة الطلابية وطبيعة الجامعات والمؤسسات الأكاديمية. فلو قارنا الوضع اليوم بسنوات الثمانينيات أو التسعينيات وما سبقها فان أحد أهم التحولات هو نتاج عملية الخصخصة العامة للمرافق الإسرائيلية العامة، وخصخصة واسعة للتعليم العالي تنعكس في نشوء العديد من الكليات الأكاديمية الخاصة ليصبح عددها أكبر بكثير من عدد الجامعات المركزية التي تركز فيها التعليم العالي سابقا. وهذا يعني وجود حاجة لاعادة تعريف الحركة الطلابية وحدود عمل لجان الطلاب العرب واتحادهم القطري، مع التاكيد أن طبيعة الحياة الطلابية مختلفة ما بين جامعة وكلية مخصخصة. وكذلك اختلاف مواز في مستوى ومجال التفاعل الطلابي. وكي نحدد مفهوم حركة طلابية لا يكفي عدد الطلاب وحده، بل إن طبيعة الحياة الطلابية هي عامل حاسم، وكذلك فإن لجان الطلاب العرب ليست هيئات مفروغا من وجودها إلا بقدر ما يدافع الطلاب عنها وعن وجودها وذاك من خلالها.

العامل الآخر وهو ذو بعد آخر تماما، وهو طبيعة وشكل التنظيم الشبابي والطلابي والاجتماعي العالمي والمحلي في كل بلد، والمقصود في ذلك هو طبيعة ما يطلق عليه "الحركة الاجتماعية" التي تبلورت في أعقاب انهيار المعسكر الاشتراكي وتحول العالم الى أحادي القطب. تحت سطوة اللبرالية الجديدة المعولمة.

وقد نشأت هذه الحركة الاجتماعية العالمية والحركات في كل بلدان العالم كرد على اللبرالية الاقتصادية الجديدة. وفي محور عمل هذه الحركات الاجتماعية أنها قائمة على أساس العدالة الاجتماعية وتوزيع خيرات الشعوب لصالح الشعوب واحترام حقوق الإنسان وكرامته ضمن عملية التنمية الشاملة لصالح الإنسان وليس لصالح رأس المال والمعولم الذي تحتكر فيه قله قليلة في العالم غالبية خيراته، وتحتكم إلى أقصى درجات الاستغلال وإرهاب الدولة والعدوان. وما يميز هذه الحركات الاجتماعية هو التفاعل الأوسع للأجيال الصاعدة، لكن الأهم أنها تشكل فضاءً مفتوحاً لكل التفاعلات والاجتهادات ولكل التنظيمات والحركات والأطر والأشخاص المعنيين بلعب دور ضمن المعايير الأخلاقية لهذه الحركة الاجتماعية، وأهم تعبير عنها هو المتندى الاجتماعي العالمي الذي يمنحها الإطار الجامع، وهو عبارة عن فضاء لإطلاق المبادرات وبناء التفاعلات والتحالفات وإطلاق الحملات ويتميز بتنوع أنشطة الحركات المعنية بالمشاركة. وهذا النموذج ممكن للحركة الطلابية الاستفادة منه الى جانب لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري. وهو أيضا يشمل ملاءمة للحركة الطلابية المنظمة ذاتها للموضوع المذكور آنفا بشأن خصخصة الجامعات ونشوء الكليات التي يدرس فيها آلاف الطلاب العرب. فمثل هذا الإطار يتيح المجال للتواصل الطلابي الشبابي وللتفاعل الواسع وهو متاح لكل الطيف السياسي والاجتماعي الناشط بين الطلبة العرب.

كما وبإمكان الحركة الطلابية المنظمة الاستفادة من تجربة تنظيمات حديثة العهد جامعة للتيارات المختلفة. والمقصود هنا حركات على شكل حركة "حق الشبابية" وحركة "حيفا الفتاة" و"أبناء ترشيحا". وكذلك تجربة الائتلاف الشبابي لمناهضة مشروع الخدمة المدنية الاسرائيلي وشباب العودة وتجربة الائتلاف لمواجهة جدار الفصل العنصري (بلعين، نعلين، الشيخ جراح) وغيرها.

إن ما يميز هذه الحركات الشبابية الطلابية هو كونها مبنية لتكون أطرا جامعة للشباب والطلاب من أكثر من تيار واحد وم حزب واحد، وبمستطاع لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري الاستفادة منها في توفير البنية المفتوحة لاستقطاب وتفاعل كل الأطر الطلابية الشبابية السياسية. وهذه تلتقي مع فكرة "الحركة الاجتماعية" الهادفة لاستعادة الحركة الطلابية زخمها كحركة تنتج نماذج عمل وتنتج طروحات وتنتج قيادات مستقبلية على أساس رؤية مبلورة للحركة الطلابية. وكلها تدعّم موقع الحركة الطلابية العربية المنظمة والتفاعل الايجابي بين كل تياراتها واجتهاداتها والتفاعل مع أطر شعبنا الجماهيرية القيادية السياسية والأهلية الأخرى.

وإذ انطلق من قناعتي بضرورة وجود حركة طلابية منظمة وبالأهمية القصوى لانتخاب لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري للطلاب العرب فإن كل مبررات نشوئها في السبعينيات لازالت قائمة بل تزداد الحاجة إلى هذه الحركة المنظمة وإلى هذا النموذج من التنظيم القائم على مبدأ الانتخاب المباشر من جمهور الهدف.

أما تعديل الدستور فمن شأنه التجاوب مع الدور والأهداف وضمان تفعيل الهيئات، على أساس التعددية المترسخة وانطلاقا من أن هيئات الطلاب العرب هي طوعيّة لكنها تمثلية، وما يجمعها في نهاية المطاف ويضمن عملها بالشكل الافضل هو الالتزام الأخلاقي والقرار السياسي. والهوية الشبابية الوطنية والديمقراطية المنفتحة على ذاتها وعلى كل شباب العالم.

الحركة الطلابية العربية المنظمة اليوم أمام امتحان المصداقية. في امتحان المصداقية تكون مسؤولية القيادات والتنظيمات عليا، لكن القرار يعود لكل طالب وطالبة ولجموع الطلبة العرب صاحبة القرار والمرجعية.
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018