والغنوشي أيضاً أيديولوجي وإقصائي../ علي جرادات

والغنوشي أيضاً أيديولوجي وإقصائي../ علي جرادات

ثمة كثيرون، ومن مشارب فكرية سياسية متنوعة، عبَّروا عن صدمتهم وخيبة أملهم، مما كشفه شريط مُسرَّب يظهر فيه زعيم "حركة النهضة" التونسية، راشد الغنوشي، في لقاء مع قيادات التيار السلفي التونسي، وهو يحثهم على الإكثار من بناء المساجد، وإقامة جمعيات "الدعوة"، وعلى التروي وعدم إبداء التطرف في الدعوة إلى "أسلمة المجتمع التونسي"، مؤكدا لهم أن حركته الفائزة لتوها بالسلطة تسعى أيضاً إلى "الأسلمة"، إنما بتدرج، وبحذر، بحكم أن "العلمانيين، (لاحظ أنه يقول العلمانيين وليس بقايا النظام السابق)، ما زالوا يسيطرون على مفاصل الدولة ومفاتيح التحكم بسلطتها، (الجيش والشرطة والإعلام والإدارة...الخ")، وبحكم الخشية من تكرار تجربة انقلاب الجيش الجزائري بسبب ما أبدته "جبهة العمل الإسلامي" من تطرف فور فوزها في الانتخابات التشريعية عام 1991.

واللافت أكثر، بل الغريب الدال أكثر، أن الغنوشي الساعي إلى كسب ود السلفيين والتحالف معهم ضد "العلمانيين"، هو نفسه مَن طالب، (في تصريح علني)، السلطة التي يقودها حزبه بضرب مهاجمي السفارة الأمريكية من "السلفيين، معللا ذلك، (في مقابلة صحافية)، بالقول: إن هدف هؤلاء المهاجمين هو تخريب علاقة سلطات "الإسلام السياسي" بالدول الغربية، وبالولايات المتحدة بالذات، ذلك لأن "المحافظين الجدد" ما زالوا، خلافا لإدارة أوباما، يرفضون قبول تسلُّم "المعتدل" من تيارات "الإسلام السياسي" للسلطة، وأنهم ماضون في محاربتها منذ تفجيرات 11 أيلول 2001.               
 
في الضمني وغير المباشر تنطوي خيبة أمل مَن صدمتهم أقوال الغنوشي، على إقرارٍ بفشل الرهان على فرضية أن بمقدور تيارات "الدين السياسي" عموماً، وليس تيارات "الإسلام السياسي" فحسب، التخلي عن هدفها الأساس، "تديين السياسة والمجتمع والدولة"، كفرضية خلقها، وأشاعها، في العالمين العربي والشرق أوسطي، تبني تصنيف، (هو أصلاً موضع شك)، يفرِّق بين "المتطرف" و"المعتدل" من تيارات "الإسلام السياسي"، بينما يجمعهما الهدف ذاته، وإن اختلفا حول وسيلة أو تكتيك تحقيقه. ولعل هذا أهم ما كشفته أقوال الغنوشي في الغرف المغلقة، المخالفة حدَّ التناقض لما قاله، (وما أكثره)، من على شاشات الفضائيات وصفحات الكتب والمجلات والصحف، بوصفه زعيماً لـ"حركة النهضة" التي يضعها التصنيف آنف الذكر من دون تمحيص في خانة "الأكثر اعتدالاً" داخل "أكثر تيارات الإسلام السياسي وسطية" ("الإخوان").
 
وفي الضمني وغير المباشر أيضاً، تكشف مفارقة مطالبة الغنوشي بالتحالف مع "السلفيين" ضد "العلمانيين الوطنيين"، وبضربهم، (السلفيين)، عندما يهاجمون سفارات أو مصالح "العلمانيين الأجانب"، حتى وإن أساؤوا للدين، عن أن "المعتدل" من حركات "الإسلام السياسي"، (ككل حركات "الدين السياسي"، هي في الباطن حركات سياسية توظف الخطاب الديني، بل توظف خطاباً سلفياً، لبلوغ السلطة والحفاظ عليها، حتى، وإن بدت في الظاهر حركات "إنعاش ديني"، بل، وحتى لو أدى هذا التوظيف إلى عودة مجتمعاتها إلى جحيم التمييز والتعصب والكراهية بين الأديان والطوائف والمذاهب وتغذية الفتن بداخلها، وإلى ضرب وحدة مكونات هذه المجتمعات، وإلى إشغال شعوبها عن معارك إنهاء تبعيتها لدول غربية استعمارية ذاتها ما زالت تنهب ثرواتها وتنتهك استقلالها وسيادتها وحقوقها، وتعيق تنميتها المستقلة، وإلى إشغال كادحي هذه الشعوب عن نضالهم الاجتماعي المشروع، (وليس الفئوي كما بات يسمى)، لنيل حقوقهم في الأرض والعمل والتنظيم الحزبي والنقابي والتظاهر والتعليم والصحة والإسكان...الخ  
                            
على أية حال، تحيل تناقضات خطاب تنظيمات "الإسلام السياسي"، كما ظهَّرها الفارق بين الأقوال العلنية وأقوال الغرف المغلقة، للغنوشي، إلى أن انتفاضات الشعوب العربية هي، وإن فتحت الباب لانجاز خطوات حاسمة نحو هدف: "الدين لله والوطن للجميع"، أي "فصل الدين عن السياسة والدولة"، فإن مسيرتها نحو هذا الهدف، (وكما مسيرة جميع الثورات والانتفاضات الشعبية)، تبقى معقدة وشائكة وبطيئة، وتتجلى في خطوات إلى الأمام، وأخرى إلى الوراء.

واستطراداً، ومن قبيل التدليل، فإن بين انجازات الثورة الفرنسية كما عرضها ماركس في مقالته "حول المسألة اليهودية"، أنها أرست، (نظرياً على الأقل)، (خاصة في لحظتها "اليعقوبية")، نظاماً سياسياً جديداً لم تجرِ فيه "خصخصة الملكية"، فحسب، بل، و"خصخصة الدين"، أيضاً، بمعنى انحساره من الحيز العام إلى الحيز الخاص، حيث أصبح الانتماء الديني مسألة خاصة، أي فردية، ارتباطاً بنشوء مفهوم "الدولة الأمة" التي جمعت دويلات الأمة الواحدة، (ذات الأديان والطوائف المختلفة)، في دولة واحدة بنظام سياسي يفصل الدين عن الدولة والسياسة، ويساوي بين مواطنيها كأفراد أحرار بمعزل عن انتمائهم الديني والطائفي، مقارنة بالأنظمة الملكية الأرستقراطية القديمة للدولة، (الإقطاعية)، القائمة على أساس التحالف مع، والاعتماد على، نفوذ وسلطة الكنيسة الموزعة على طوائف مختلفة، حيث كان هناك لكل فئة دينية قانون يحكمها.

في المقابل، فإن النظام العلماني الأوروبي، (شأنه شأن أي ظاهرة سياسية أخرى)، لم يولد دفعة واحدة، بل شهد، ولا يزال، لحظات مدٍ وجزر، وتعددت أشكال ولادته، إذ لم تكن خطوات ولادته في معظم دول أوروبا، بالجذرية ذاتها في فرنسا، ارتباطاً بحركة، وبطبيعة، القوى الاجتماعية والسياسية المنخرطة في النضال من أجله، فشكل إنهاء الحروب الطائفية بين الكاثوليك والبروتستانت في هذه الدول، (مثلاً)، لم يتجاوز في بدايته حدود الحل القائم على مفهوم "التسامح" المتبادل، وهو على أية حال المفهوم الذي ما زال سائداً حتى اليوم في مجتمع الولايات المتحدة، كمجتمع تكوَّن على أساس هجرة طوائف من دول أوروبية، (ومن بريطانيا بالذات)، عانت من اضطهاد السلطات القائمة فيها آنذاك. وأكثر، فإن النظام السياسي في أوروبا، ووليده في أمريكا الشمالية، الولايات المتحدة، يشهد منذ سنوات ردة في مجال العلمانية تعكس تراجعه في مجال الديمقراطية،  بسبب استخدام الاحتكارات الرأسمالية الغربية المعولمة للدين، من خلال خطاب سياسي استعمالي رخيص يحيل الحضارة الأوروبية إلى "أصول مسيحية"، أو "يهو-مسيحية" أحياناً، وكل ذلك في إطار محاولة تصوير الطابع السياسي الاجتماعي للصراع الناجم عن سيطرة هذه الاحتكارات الناهبة، (بالمعنيين القومي والكوني)، وكأنه "صراع حضارات". وهذا هو بالضبط جوهر خطاب "المركزية الأوروبية" الذي تتبناه، وإن بشكل معكوس حركات "الإسلام السياسي"، بشقيها "المعتدل" و"المتطرف" اللذين يجمعهما تبني الهدف ذاته، ويفصلهما توسل تكتيك بلوغه، كما أكدت أقوال الغنوشي المثقلة بحمولة يفوح منها طابع أيديولوجي إقصائي، بلا لبس أو شك.                         
 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018