متى ينتهي هذا الفجور../ ظافر الخطيب

متى ينتهي هذا الفجور../ ظافر الخطيب

حين ترتاح الكلمات اتكاءً على أحداث تأخذها تارةً نحو الماضي وطوراً نحو الحاضر ومن ثم إلى المستقبل، ودائما في معرض الفجور، بين ماض لا يجبّ ما قبله، وحاضرٍ لا يستوجب مستقبله، فتحتار النصوص، في التوصيف كما في التحليل، كما في كل العمليات العقلية، طالما أن المعطيات التي تتخذ مكانها سريعا نحو الواقع، عطيات فاجرة وليست ذات صلة، وربما كان انتقال المشهد الفلسطيني بين غزة و انتصارها، الأمم المتحدة و إنجاز 29 تشرين الثاني، إلى المزيد من القضم والاستيطان، وصولاً إلى نكبة اليرموك والاستقبال اللبناني "المميز" لجموع النازحين إليه، مثالا أصيلاً على ما تقدم.

والسؤال المطروح هنا يتعلق بالمعضلة التاريخية، لماذا تنجح عمليات التسرب في النضال الوطني الفلسطيني وتخفق عمليات التسلل الفلسطينية نحو فضاء ينسجم مع الأثمان المدفوعة من قبل الشعب الفلسطيني؟

أمام مشهد غزة، كانت الأسارير ترتاح، مع قدرة المقاومة في زمن ارتباك "الربيع العربي" على إحداث فارق نوعي بين الفعل العدواني ورد الفعل المقاوم، فارق نوعي ليس في أدواته العسكرية، بل في دلالاته ودروسه و آثاره، وبالمقابل كانت هناك توقعات فعلية، فعلية باعتبار أنها باتت ممكنة مع توفر شروط موضوعية لمصالحة فلسطينية تنهي حالة العقم والخمول على مستوى الإدارة والقيادة، بما يفسح المجال أمام وحدة فلسطينية تنتج مشروعاً فلسطينيا واحدا وموحداً، يقود إلى إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار كل وسائل وأدوات النضال المتاحة أقله فلسطينياً.

بين تشرين وكانون الأول هناك الكثير مما يجب أن يقال، لكن انتقال الكاميرا بين مشاهد العدوان الصهيوني على غزة، وأداء رجال المقاومة المثير لعناصر الفخر والإعتزاز، والمنتج لتفاؤل تاريخي ندر وجوده في العقود السابقة، بالإذن من الانتفاضيتين ومفجريها، وبين مشاهد نكبوية جديدة ممهورة بتوقيع عربي يتنقل بين اليرموك الذي تقصفه الميغ ومخيمات سوريا التي تحولت إلى خطوط تماس بين جيش النظام السوري وعساكر المعارضة السورية، وبين جموع النازحين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان.

تتكثف الأسئلة بين لماذا وكيف، وكان يفترض أن تتحول الإجابة إلى كيفيات تقود الأداء الفلسطيني وتبعده عن أسر الدوائر المحيطة والمؤثرة، من دول مانحة ومتغيرات حاسمة في التوازن الداخلي الفلسطيني، يضاف اليها خطط و سيناريوهات تخضع لعصبيات فئوية متنوعة، ولا داعي هنا لاستعجال مقولة "كأنك يا أبو زيد ما غزيت".

ثلاثية " أحدٌ أحد" مستفحلة في فجورها وتستحق كلام من نوعٍ فاجر ربما، لكن الكاتب يتجاوز الانفعال الطالع من رحم الغضب الشديد حتى مستوى استثارة عصبية فلسطينية.

أول الثلاثية هو ما يتعلق بذلك التأخير غير المبرر، عن تحويل نصر غزة وإنجاز الأمم المتحدة إلى  إنجاز سياسي على الرغم من توفر بيئة مناسبة، والإنجاز السياسي هنا ليس أقل من اتفاق فلسطيني نوعي وشامل وإستراتيجي، في حين أن كل ما قيل من طرفي الانقسام عن الوحدة ما زال في طور الكلام، وحتى الآن لم نجد أي نتائج ملموسة، بالعكس من ذلك، نجد أحد الطرفين يتغنى بالانتصار، ويسارع إلى تحقيق أعلى قدر من الاستثمار السياسي، حتى لو وصل الأمر إلى الرقص على الدماء في غزة، و هي دماء لا تختصر نهر الدماء الفلسطينية على مر التاريخ، دون القفز عن خطيئة استقبال القاتل انطوان زهرا على وقع موسيقى الموت. وفي المقابل فإن الطرف الآخر يسارع إلى التغني بإنجاز الأمم المتحدة، و يسارع إلى تقديمه كنموذج نهائي لأسلوب سياسي لطالما أوقعنا في المتاهات، وبالإذن من مقولة "من برا هلّا هلّا و من جوا يعلم الله"، فإن هذا قد يعبر عن استمرار في تطبيق منهج " أنا أو لا أحد" و "مهما كان الثمن"، وهو أداء لا يستحق معه إلا رفع البطاقة الحمراء بوجه طرفي الانقسام، و صياغ قرار اتهامي يطالهما معاً وعلى نفس الدرجة، وهي تهمة موصوفة، عنوانها التفريط المجاني.

ثاني الثلاثية، عنوانها نكبة المخيمات الفلسطينية في سوريا هو ما يتعلق بأوضاع الفلسطينيين في سوريا، والتكرار الممنهج غير المبرر لتجارب الأردن ولبنان. ولئن كان اليرموك قد تصدر الأخبار، والفضل في ذلك لأداء طائرات الميغ وانحرافات البعض الفلسطيني وجنون جبهة النصرة وتحويل المخيم معه إلى نقطة إستراتيجية للانطلاق نحو الداخل الدمشقي، بما حول المخيم إلى أنقاض، واللاجئين إلى نازحين، فإن هذا الأمر طال معظم المخيمات الفسطينية في سوريا، من مخيم الطوارئ في درعا إلى العائدين في حمص، إلى جندرات في حلب، إلى الحسينية وجرمانة، وفي كل الأحوال فإن الرقص فوق الدماء يسير بجنون لا توقفه رحمة نظام ولا عطف معارضة، بل تديم معاناته ونتائجه  حالة من التخلي كامل.

ثالث الثلاثية، هو في الأداء اللبناني "المميز" تجاه  الاستقبال الاستثنائي للعائلات الفلسطينية، وهو استقبال عبر عنه بشكل فج الوزير اللبناني جبران باسيل وربيبه ميشال عون، كما عبر عنه ضمناً التركيز السلبي للإعلام اللبناني الذي لا يمكن أن يشتم منه إلا رائحة العنصرية، خاصة إذا ما ارتبط ذلك بالرسوم المفروضة على الحدود مع لبنان على النازح الفلسطيني بخلاف النازح السوري، وعدم اهتمام الحكومة اللبنانية بتقديم الدعم اللازم، وصولاً إلى حالة التخلي من قبل المنظمات الدولية، كأن منطق هذا السلوك يشي بنواياه، للفلسطيني أن يبقى في ظل الموت والخطر إذا أراد أن يحتفظ ولو بنصف كرامة، نصف كبرياء، وعليه يظل السؤال الحائر، بين نصر وتفريط، بين إنجاز وتفريط، بين صمود وتفريط، بين نضالٍ وتفريط، متى ينتهي هذا الفجور إلى غير رجعة‍‍؟

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018