بمناسبة "30 سونيا و25 خساير"/ بلال فضل

بمناسبة "30 سونيا و25 خساير"/ بلال فضل

ضجّ كاتب صديق من وطأة القمع السيساوي الأهوج، فكتب تدوينة منفعلة، أعلن فيها ندمه على المشاركة في مظاهرات 30 يونيو، لينشر موقع إخواني بارز، بعدها، مقالاً يرد على كلام صديقنا بطريقة شديدة 'الإخوانية'، حيث اشترط كاتبه لقبول ندم صديقنا أن يقدم اعتذاراً تقبله كل أمهات شهداء الإخوان وأقاربهم، ليكتشف صديقنا أنه أصبح شريكاً في القتل والقمع، لمجرد أنه مارس حقه في التظاهر ضد الرئيس الإخواني الفاشل، ولأنه طالب، مع ملايين المصريين بانتخابات رئاسية مبكرة، في الوقت الذي اتهمه أنصار الحكم العسكري بأنه إخواني لعين، خان بندمه شهداء الجيش والشرطة الذين يشهرون صورهم دائما، في وجوه كل من يحذر من استمرار نظام السيسي في صناعة الإرهاب، وتعميق أسبابه.  بعد ذلك، كتب شاب إخواني تدوينة قصيرة، تطالب جماعته الباسلة بتفريغ عشرين عضوا من كل المهام التنظيمية، وإرسالهم إلى دول متقدمة، ليدرسوا العلوم السياسية والإعلام وتوجيه الرأي العام، لأن الجماعة ستحتاجهم حين تعود إلى الحكم، في وقت قال إنه 'أقرب مما يتخيل الجميع'. وعلى مقربة منه في الفضاء الافتراضي، انشغل أخ له بتحذير أنصار الشرعية من أن تأخذهم رأفة بمعارضي السيسي 'الذين اشتركوا في 30 سونيا'، لأن عزل هؤلاء سياسياً، بعد أن يأتي النصر القريب، سيثبت تعلم الجماعة من أخطاء الماضي، لكن إخوة له اتهموه باللين والرخاوة، مقترحين حلولاً أكثر عنفاً وصرامة، سبق أن قرأت بعضها، في كتابات وتعليقات إخوانية.

لا تبدو هذه الثقة بالنصر القريب متسقة مع الوحلة التي يتخبط فيها تنظيم الإخوان، لكنك ستجد نبرتها تعلو وتحتد، كلما ارتكب نظام السيسي قرارات تثير الغضب الشعبي، لأن ذلك يوهم الإخوان باقتراب عودتهم إلى الحكم، فيثور بينهم الجدل حول ترتيب أولوياتهم في تصفية الحسابات مع أشخاص أعدائهم، كأن مشكلتهم كانت أصلاً مع أشخاص، وليس مع مؤسسات عتيدة ذات مصالح وامتيازات، حاولوا استرضاءها بخيانة شركاء الثورة، قبل أن يتذكّروا، بعد فوات الأوان، شعارات النقاء الثوري ووحدة الصف واستكمال الثورة.

من حق المقهورين أن ينفسوا عن قهرهم، كما شاءوا، ومن حق المرتبكين الذين طفح بهم الكيل تفضيل المستبد الذي 'حاول وفشل' على المستبد البارع في صنعته، لكن ذلك لن يلغي ضرورة أن يبدأ الجميع الحكاية 'من أولا'، إن أرادوا اتخاذ موقف سليم من 30 يونيو، ليتذكروا دور قادة الإخوان في إنجاحها وتعقيد مضاعفاتها، بإدخالهم البلاد في طريق مسدود اعتماداً على حسابات خاطئة، ومن دون تذكير أنصار الإخوان أن عبارة محمد مرسي التي صفقوا لها قبل عامين: 'ما فيش مانع نضحي بشوية عشان الباقي يعيش'، هي نفسها التي سهلت مهمة السيسي في إقناع الشعب بالتضحية بهم لعله يعيش، ومن دون أن يمنع ذلك إدانة جريمة السيسي في القفز بطلب التفويض على مطلب الانتخابات المبكرة، ليحقق مطامعه الشخصية، ويرتكب سلسلة مذابح بات يتباهى علناً بتواريخها، لأنه يظن أنه سينجو من تبعاتها إلى الأبد، ومن دون أن يمنع ذلك، أيضا، من التذكير بدور النخب المدنية، في تقديم غطاء أخلاقي لتلك المذابح.

لكن، للأسف، لن تنتهي 'المأساة المصرية'، بالاكتفاء بتوزيع الإدانات الأخلاقية والثورية، أو بمنح صكوك الغفران، أو التنافس على جائزة (أحسن ثائر)، أو ترديد شعارات حماسية تجاوزها الواقع، فذلك كله يدخل في بند الزياط الذي قد يريح في تهدئة الانفعالات، لكنه لن يغير من واقع انتهاء حكم الإخوان، كما لم ولن تغير الحرب الشرسة على '25 يناير' من مسؤولية جميع المصريين، أيّدوها أم كرهوها، عن مواجهة أسباب اندلاعها السياسية والاجتماعية، خصوصاً أن النظام المباركسيسي يعمل، بمنتهى الغباء، على تعميق تلك الأسباب، بشكل ينذر بكوارث محققة.

لا أظنك ستكذب على نفسك، فتمنيها بحل قريب، وأنت ترى استمرار غياب العقل، وتواصل قتل السياسة، وسيادة وهم الانتصار الساحق الذي يحلم به أنصار الحكم العسكري وأنصار الإخوان معا، فبدون تبدد ذلك كله، سيظل أنصار الإخوان مسكونين بأحلام الانتقام والثأر، وسيظل أنصار الحكم العسكري منتشين بمواصلة محو المختلفين معهم لتحقيق الاستقرار. أما الثوار المؤمنون بالحرية والدولة المدنية والحقوق المكفولة للجميع، على الرغم من كل جراحهم وأخطائهم وقلة عددهم، فسيظلون الطرف الذي يتفق أنصار الحكم العسكري وأنصار الإخوان على معاداته، لكن ذلك لن يحل أزمات الواقع المرير الذي شارك الإخوان والعسكر وحلفاؤهم في صنعه، ولن ينهي بؤس المصريين، بل سيزيده ويضاعفه، حتى يجد جميع المهزومين أنفسهم، بعد زوال وهم الانتصار الساحق، مجبرين على البحث عن حلول، لو أسيئ اختيارها، ستعيد خلق دائرة الدم وإنتاج مناخ الفشل من جديد.

يدّينا ويدّيك طولة البال والأمل.

(العربي الجديد)