الربيع العربي... مثال حي وناصع.../ محمود الريماوي

الربيع العربي... مثال حي وناصع.../ محمود الريماوي

بعد مضي خمس سنوات على موجة الربيع العربي، يحق للمرء أن يتساءل إذا كانت هذه الموجة انحسرت وتوقفت، أم لا؟ الجواب المباشر أن هذه الموجة التي غلبت عليها العفوية قد توقفت فعلًا، بعد أن طرقت أبواب عشر عواصم عربية على الأقل، في دول المشرق والمغرب قبل زهاء خمس سنوات.

وتوقفها لا يعني أنها لن تتكرر، أو أنها غير قابلة للتجدد، فكما أن تلك الموجة جاءت بغير أن يتوقع أحد في الداخل والخارج اندلاعها، فإن المسار المستقبلي سيكون محكومًا بأمرين: سابقة نشوء هذه الموجة التي بذرت بذورها في تربة الوعي والذاكرة والوجدان. والمآل الذي اتخذه تطور الأحداث، وما خلّفه من نتائج خلال السنوات الخمس. وبطبيعة الحال، راكمت الدول والأنظمة خبرة جيدة في التعاطي مع هذه الموجة، إذا ما تجددت، أو إذا لاح احتمال أن تتجدد بصيغةٍ ما، ولا شك أنها خبرة أكبر من خبرة القوى السياسية، هنا وهناك، في التعامل مع الهبات الشعبية.

أجل توقفت الموجة، لكن الخيار الشعبي المدني السلمي الذي عبّرت عنه موجة الربيع، يظل قائمًا، رهانًا سياسيًا وحضاريًا ناصعًا.

لوحظ أن العام 2015 شهد حراكًا شعبيًا واسعًا في بلدين عربيين، هما العراق ولبنان. وقد بدا الحراك فيهما، وكأنه من توابع موجة الربيع العربي، ومحاولة من الشارع للعثور على نسختين، عراقية ولبنانية، ولو متأخرتين لتلك الموجة. اندفعت أجهزة حكوميةٌ لقمع الحراك الشبابي في بيروت وبغداد، لكن الدور الأول في تطويق الحراك تولته قوى طائفية في لبنان، تسللت إلى داخل الحراك، وعمدت إلى السيطرة على مفاصله، وسعت إلى توجيهه، وأحيانًا وضع رقابة على شعاراته. أما في العراق، فقد تولت مليشيات طائفية، قريبة من الحكم، محاصرة الحراك وتهديد الناشطين وخطفهم، واغتيال بعضهم. وهكذا، فإضافة إلى الدولة وأجهزتها في هذين البلدين، هناك مليشيات مسلحة تمثل قوى الأمر الواقع، وتشكل دولة رديفةً تناظر الدولة الرسمية، وتمنح هذه المليشيات نفسها حق السيطرة على الشارع، ومنع ظهور حراكاتٍ غير مرغوب بها. وذلك كما بدا في لبنان، من سلوك حزب الله، وبدرجة أقل حركة أمل، حيال الحراك الذي اتخذ له شعار "طلعت ريحتكم". وكما بدا من سلوك الحشد الشعبي تجاه المظاهرات في بغداد.

وقد استرعى الانتباه أن الحراك في البلدين لم يحظ بمتابعة إعلامية كافية، ولا أبدت قوى سياسية وحزبية عربية حماسة للحراكيين، وهو ما يدلل أن المزاج العام، في هذه الآونة، ليس منفتحًا على التجاوب مع هبات شعبية عربية، فيما الواقع اليومي، العنيف والدامي، لأحداث سورية واليمن وليبيا، لا يترك كبير مجالٍ للتفاعل مع موجاتٍ احتجاجية جديدة.

وإذا كانت موجة الربيع العربي قد وضعت شرعية الأنظمة على المحك، وكشفت عن مدى تيبس الأنظمة، أو مرونتها، في التواصل مع الشعوب، فإن هذه الموجة التي لم تعمّر طويلًا أسهمت، أيضًا، في كشف نقص المناعة لدى مجتمعات عديدة، فالطائفية سرعان ما ظهرت على وقع ما بدا حينها مخاضًا يضع البلاد والعباد على مفترق طرق، ومع الإخفاق في تفعيل مبدأ المواطنة، فإن الطائفية، ومعها القبلية والجهوية، لقيت ازدهارًا كبيرًا، ويتم الاعتصام بهذه المنظورات والاحتكام إليها بديلًا عن المواطنة والوطنية العامة، فيما نجاحات موجة الربيع تمثلت في الإعلاء من شأن المواطنة، وتغليب الشاغل الوطني العام، إلى جانب سلمية تلك الموجة ومدنيتها. إنها حواجز إعاقة بنيوية لم تظهر بسبب الربيع العربي، فوجودها سابق على هذه الموجة، لكن عفوية الربيع وغياب أي تأطير لأهداف هذه الموجة، والتوجس من المجهول، والخوف من المستقبل، أيقظ غرائز البحث عن أمانٍ وملاذ. علماً أن الفشل الأصلي في بناء دول دستورية حديثة هو ما أبقى الظواهر الطائفية والعرقية والقبلية كامنة في أحشاء المجتمعات، كما على سطح الحياة، وفي صلب تنظيم التعاملات الاجتماعية.

أسهمت القبلية والجهوية في ليبيا في منازعات عنيفة، وفي إطلاق دعواتٍ علنية، بل وإعلان تحضيرات للتقسيم، كما أسهمت في حرمان الجمهور من قطف ثمرات الثورة على نظام معمر القذافي، على الأقل من باب التمتع بالأمان، وشيوع سيادة القانون، وهو ما لم يحدث حتى تاريخه، ومن المؤمل أن تفتح الاتفاقات الأخيرة بين الفرقاء بابًا واسعًا للعودة إلى الحياة الطبيعية ووقف ظاهرة ازدواج السلطة.

وإلى ما تقدّم، وجد الإسلام السياسي (السني) في الربيع العربي سانحةً للصعود وللتغلغل وسط الجماهير الشعبية. وقد تحالف عدم تقبل النخب المدينية لهذا الصعود مع الجمود الفكري لهذا الإسلام السياسي ممثلًا على الخصوص بجماعة الإخوان المسلمين، مع رفض غالبية النظام العربي هذه الجماعة في كبح تصدّرها، ما أسهم، تاليًا، في انتكاستها وتراجع حظوظها. هذا بينما وجد الإسلام السياسي الشيعي في موجة الربيع العربي فرصة لتكريس التماهي مع دولة أجنبية، هي إيران، مرجعية سياسية وطائفية له، باستثناء بعض الأصوات المتميزة في لبنان، وبصورة أقل في العراق، التي يرفض أصحابها التخلي عن عروبة أبناء الطائفة، ووطنية الطائفة التي تتقدم على أي اعتبار عقائدي أو سياسي.

ويتصل بما تقدم بروز الطور الجديد من الإرهاب متمثلًا بتنظيم داعش الذي نجحت الأنظمة في صد تغلغله، وفي تضييق رقعة سيطرته وتحركه، وفي التحالف لشن حملة جوية عليه في سورية. وإلى جانب الفظائع المشينة التي اقترفها هذا التنظيم، فإن السنين الخمس الأخيرة شهدت مجازر وصنوفًا من الإرهاب في سورية، وعلى أيدي جهاتٍ ومجموعات تدعي مكافحة الإرهاب، فيما هي تمارس الإرهاب، وحرب التجويع حتى الموت التي انكشفت أخيرًا من دون أن تكون حديثة العهد، هي نموذج لهذا الإرهاب ضد المدنيين الذي مارسه النظام ومليشيا حزب الله.

بعد خمس سنوات على موجة الربيع، يبدو بعض العالم العربي، أنظمة ومجتمعات، وكأنه يشهد أطوارًا من التحلل والتراجع إلى ما قبل نشوء الدول، تتجاور مع مظاهر تماسك، كالإقبال المتزايد على التعليم الذي يشمل الإناث، لكن طيف الربيع العربي لا يغادر الفضاء العام، وعدًا مفتوحًا وخيارًا مُعلّقًا ومنوطًا بدينامياتٍ خاصة به.

(العربي الجديد)