إقرث: الجيش يدمرها في ليلة الميلاد

إقرث: الجيش يدمرها في ليلة الميلاد

عمر الغباري

في ليلة عيد الميلاد، 24.12.1951 ، قصف الجيش الإسرائيلي وفجر منازل إقرث ومسح من على وجه الأرض بلدًا آخر من بلدان فلسطين المنكوبة. قام بتفجير القرية بواسطة الألغام والمدفعيات، ثم قامت جرافاته بجرف أغلب معالم القرية باستثناء المقبرة ومبنى الكنيسة.  

في تلك الأثناء، قبل 65 عاما، كان مهجرو إقرث يستعدون للصلوات والاحتفالات بعيد الميلاد المجيد. كانوا حينها في قرية الرامة التي هُجروا إليها بأمر من الجيش الإسرائيلي في بداية تشرين الثاني/ نوفمبر 1948. العقلية الإسرائيليّة الإجراميّة تختار يوم عيده أهالي القرية لتبطش بمنازلهم ولتغتال أملهم في العودة. لم يكن اختيار ليلة العيد لتنفيذ الجريمة صدفة. من قصف هذا البلد في هذا الموعد تعمّد زيادة الإيلام والإهانة لأصحاب البيت في إقرث. فالهدم بحدّ ذاته مأساة ونكبة، لكنّ الهدم يوم عيدكم ألذّ، وقلب فرحتكم إلى مأساة واحتفالكم إلى عزاء هو أشدّ وقعًا. اغتصاب المناسبة وانتهاك قدسيتها، لا العيد يردعنا ولا المسيح يشفع لكم عندنا. ساديّة السيّد المستمتع بوجع ضحيته.

قبل هدمها بأربعة أعوام، دخلت الكتيبة 92 التابعة للجيش الإسرائيلي، يوم 31.10.1948 دون مقاومة، إلى منطقة القرية في إطار الحملة العسكرية 'حيرام' لفرض السيطرة على الحدود الشمالية للدولة اليهوديّة الجديدة. وقد قوبل الجيش الإسرائيلي من قبل السكان بقيادة الخوري إندراوس قرداحي وهو يحمل الإنجيل بيديه، وخلفه الأهالي وهم يحملون الأعلام البيضاء والخبز والملح علامة السلام والنوايا الحسنة.

رغم ذلك، وفي صبيحة يوم الجمعة 5.11.1948 ، طلب الجيش الإسرائيلي من أهالي إقرث تجهيز أنفسهم للرحيل إلى الرامة لمدة أسبوعين معللاً ذلك بأسباب أمنيّة وبالمحافظة على سلامة السكان. بدأ الترحيل عند فجر 6.11.1948 واستمر ثلاثة أيام، بواسطة شاحنات الجيش الإسرائيلي. وقد أُبقي في إقرث حوالي خمسين شخصاً برفقة الخوري لحراسة البيوت والكنيسة.

نزل الإقرثيون ضيوفًا على أهل الرامة وعدّوا الأيام ليعودوا إلى ديارهم، وبعد مرور أسبوعين توجهوا إلى مكتب الحاكم العسكري لطلب الحصول على 'تصريح' للعودة إلى بيوتهم؛ حيث عاش حينها جميع السكان العرب في الدولة تحت الحكم العسكري الذي فَرض على كل شخص الحصول على تصريح خاص للتنقل من مكان إلى آخر. رفض الحاكم العسكري منحهم تصريحا للعودة إلى إقرث دون أن يبرر قراره. تكررت الطلبات وتكرر معها الرفض إلى أن تبين للسكان أنهم وقعوا ضحية لمؤامرة مدبرة حاكتها السلطات الإسرائيلية لتهجيرهم من بيوتهم. بتاريخ 29.4.1949 نقلت شاحنات الجيش المجموعة التي بقيت في إقرث إلى الرامة وهكذا أُخليت القرية من أهلها تماما. خلال سنة 1949 أعلن وزير الأمن الإسرائيليّ عن المنطقة الواقعة بضمنها إقرث منطقة عسكريّة مغلقة.

توجه أهالي إقرث يوم 28.05.1951، أي بعد مرور سنتين ونصف على تهجيرهم، إلى محكمة العليا الإسرائيلية لاستصدار أمر من وزير الأمن ومن الحكومة يسمح بعودتهم إلى بيوتهم. امتد النظر في القضية بضعة أسابيع إلى أن أصدرت محكمة العليا يوم 31.7.1951 قرارها رقم 64/51 والقائل إن 'عدم السماح لأهالي إقرث بالعودة هو أمر غير شرعي، وأن الأهالي كانوا سكان إقرث حين دخول أنظمة الطوارئ'، وأضاف قرار المحكمة أن 'لا مانع قانونياً يقف عقبة أمام عودة الأهالي إلى قريتهم'. صدر القرار المذكور من أعلى هيئة قضائية في إسرائيل ولكنه بقي حبرًا على ورق حتى يومنا هذا.

إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والجيش الإسرائيليّ، قبل قرار المحكمة وبعده، لم يكونا الطرف الوحيد الذي يمنع عودة مهجري إقرث. فالمستوطنون اليهود 'المدنيّون' في مستعمرة 'شومِراه' التي أقيمت على أنقاض قرية تربيخا المجاورة كانوا قد حذّروا في رسالة إلى رئيس حكومتهم  عام 1949 من مغبّة إعادة أهالي إقرث إلى قريتهم، كما تظهر الوثيقة أدناه.

منع العودة هو عقيدة راسخة في كنه الفكر الصهيوني الاستعماري، حتى لو كانت المبررات تبدو فنّية أو قانونيّة أو اقتصاديّة أو أمنية-  كما يظهر بهذه الرسالة. الصهيونية لا تعترف بالحق الفلسطيني بالعودة ولا تعترف بالمسؤوليّة عن تهجيره ولا تعترف أصلًا أن هذا هو وطن الفلسطينيين. وإن اقترح بعضهم أحيانًا عودة جزئيّة فهي من منطلقات إنسانية أو براغماتية، لا من منطلق إعادة الحقوق إلى أصحابها. لأنّ الصهيونيّة الاستعمارية والعودة الفلسطينيّة لا تلتقيان، ولن تلتقيا. في ما يلي ترجمة الرسالة المذكورة:

 

 القرية التعاونيّة العمّالية 'شومِرَه' (تربيخا)   

 حيفا -  6.9.49

إلى حضرة رئيس الحكومة

السيد داڤيد بن غوريون

تل- أبيب

 

                                               بـيــان

                                              ====

السيد المحترم،

نحن الموقعين أدناه أعضاء موشاڤ العمّال 'شومِرَه'، مهاجرون جدد، استوطنّا في تربيخا قبل 4 أشهر واستلمنا من قسم الاستيطان التابع للوكالة اليهوديّة في أرض إسرائيل، كل أراضي القرى المهجورة الثلاث في المنطقة إقرث، النبي روبين وخربة صروح. إنّ عين الماء الوحيدة الموجودة في المنطقة كلّها هي في القرية العربيّة إقرث، نحن نشرب كل الوقت من مياه الآبار.

بصعوبة بالغة حصلنا قبل أسبوع على أنابيب ريّ  لمدّ شبكة أنابيب من العين إلينا. وفجأة نتلقّى خبرًا عن وجود برقيّة من مكتب رئيس الحكومة بشأن إعادة العرب إلى إقرث.

لقد توجّهنا إلى كل المؤسّسات ذات الصلة وحصلنا على جواب بأنّ هناك أمرًا من مكتب رئيس الحكومة من أجل إعادة العرب إلى إقرث.

إننا نعود ونعلن أنّه في حالة إعادة العرب إلى إقرث فلن يكون لنا أيّ وجود في تربيخا حيث انّ غالبيّة الأرض الزراعيّة والكروم تقع في أرض قرية إقرث، وعدا ذلك فإننا غير مستعدّين أن نبقى في المكان مع عرب لأنّنا سنكون دائمًا تحت خطر جبهتين.

إنّنا نعود ونعلن أننا لن نسمح للعرب بالعودة ما لم نتلقّ ردًّا من رئيس الحكومة. 

وعلى هذا نوقع

باحترام

باسم أعضاء موشاڤ شومِرَه

 رينه أڤراهام

نسخة

قسم الاستيطان، القدس
قسم الاستيطان، حيفا
مكتب الحاكم العسكري في عكا     

(المصدر: أرشيف إسرائيل. غل-13897/10)

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص