الأردن على صفيح ساخن...

الأردن على صفيح ساخن...

سهيل كيوان

صدقت سفيرة إسرائيل في الأردن، عينات شلاين، التي نقلت عنها صحيفة "هآرتس" الأسبوع الماضي، قولها إن الوضع في الأردن، السياسي والاقتصادي، مقلق وصعب للغاية. ورغم رد الأردن بأنه لا يحتاج لمثل هذا التشخيص وبأن وضعه مستقر، إلا أن الحقيقة هي أن النظام الأردني يمر بفترة عصيبة وحساسة جدًا سياسيًا واقتصاديًا في علاقة جدلية  بين الاقتصاد والسياسة. وهذا ينعكس بما يتعلق بالعلاقة مع دولة الاحتلال التي لا تعرف حدودًا لأطماعها واستفزازاتها، وذلك كون الأردن موقّعا على اتفاقيات وادي عربة وعملية تطبيع تتعارض مع الحد الأدنى لعلاقات الاحترام المتبادل بين الدول، وهو تطبيع ترفضه قطاعات واسعة من الشعب الأردني أصلا، ويتزايد هذا الرفض الشعبي بإزاء ممارسات الاحتلال الإجرامية التي لا تتوقف بحق الفلسطينيين أرضًا وشعبًا طرديًا، كلما زاد الوضع الاقتصادي سوءا.

وجاء قانون إسكات الأذان، الذي ووفق عليه بالقراءة الأولى في الكنيست، ليسكب البنزين على لهيب الغضب الشعبي. فمنع الأذان في مدن فلسطين، وخصوصا في القدس، له رمزية تاريخية ويمس مباشرة بمشاعر الأردنيين وعقيدتهم، إضافة إلى أنه يتعارض مع اتفاقات وادي عربة ويمس بهيبة المملكة الأردنية قيادة وشعبا، علما أن المملكة هي راعية المقدسات في مدينة القدس.

لا تستطيع حكومة الأردن مواصلة الصمت على الممارسات بحق المدينة المقدسة التي كانت في عهدتها حتى حرب حزيران 1967، وخسرها العرب في معركة خاطفة لصالح إسرائيل. فمنع الأذان والحديث عن بناء هيكل والهدم وطرد السكان من القدس، وعمليات التهجير للعرب تجري على قدم وساق، والهدف المعلن هو خفض نسبة العرب في المدينة المقدسة من 28% حاليا إلى 12% حتى عام 2025.

إلى جانب قانون إسكات الأذان، جرى حديث كثير عن نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، الأمر الذي يعني اعترافا بها كجزء من إسرائيل وليس كمدينة محتلة، وهذا يعني مزيدا من التعقيدات والتوتر، وحشر أصدقاء أميركا في الزاوية ووضعهم في موقف أكثر حرجا.

كل هذا وأصوات اليمين ويمين اليمين ترتفع بقوة وتعلن بأن مكان دولة فلسطين العتيدة هو شرق الأردن وليس الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يعني اشتعال الضوء الأحمر أمام المملكة الهاشمية التي تدرك قيادتها أن هذا النظام العنصري المتطرف لن يتورع عن فعل أي شيء يخدم أيديولوجيته، التي تقول إن حدود دولة إسرائيل من البحر إلى النهر، وأن حل قضية اللاجئين يكون من خلال توطينهم في أماكن تواجدهم وعدم السماح بعودة أي منهم، والوضع العربي العام الحالي ووجود إدارة أميركية ترفع راية الإسلاموفوبيا يشجعهم حتى صاروا  يرون بأن الفرصة باتت مواتية لتحقيق أحلامهم الوردية بدولة يهودية من البحر إلى النهر، يعيش فيها أقل ما يمكن من العرب وبناء الهيكل على حساب المسجد الأقصى.

حرصت حكومات إسرائيل المتعاقبة على علاقة طيبة سرية وعلنية مع النظام الأردني حتى في أصعب الأزمات، إلا أن هذه القيادة الأردنية باتت تشعر بأن بيبي نتنياهو ورجاله ما عادوا يكترثون إلا لأنفسهم، خصوصا بعد أن أصبح رئيس جمهورية مصر العربية أكبر حلفائهم  وتمزقت سورية، الأمر الذي يعني شعور الإسرائيليين بالتفوق والقوة والغرور بشكل غير مسبوق منذ تأسيس دولة إسرائيل.       

الضغوطات دفعت الملك الأردني عبد الله، للسفر إلى واشنطن لبحث هذا الوضع الخطير معه، ويبدو أن الملك عبد الله نجح بإقناع دونالد ترامب بخطورة وحساسية الوضع، وأن ما يجري قد يزعزع الاستقرار. واضح أن ترامب تفهم موقف الملك عبد الله، وخصوصا أن هناك اتصالات أخرى تعبر عن القلق بهذا الشأن، فأوعز بتجميد عملية نقل السفارة بانتظار جولة المبعوث الأميركي إلى المنطقة لبلورة رؤية مشتركة استعدادا لإعادة إحياء المفاوضات.

يزيد من مأزق النظام الأردني مأزق نظام سلطة رام الله التي سد نتنياهو في وجهها كل المنافذ الممكنة، التي قد تدعيها حول وجود أمل في العودة إلى التفاوض ولو شكليا، الأمر الذي يعني أن هناك انفجارا مؤجلا بات يقترب وبتسارع كبير في الضفة الغربية ترافقه تهديدات باجتياح غزة وغليان في مناطق 48 بسبب تصاعد سياسة الهدم، وما شوهد في الأيام الأخيرة في رام الله من احتجاجات على التنسيق الأمني ورد فعل السلطة العنيف يشير إلى أن الاحتقان بات قابلا للانفجار، وهذا بلا شك سينعكس على الساحة الأردنية.               

لم تترك إسرائيل بقيادتها المتطرفة مساحة للمناورة لا للنظام الأردني ولا للسلطة في رام الله، ويومًا بعد يوم تدفع بهما إلى زاوية اليأس التي تعدّ أرضا خصبة للعنف وسفك الدماء.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018