الضريح ليس كومة حجارة فقط...

الضريح ليس كومة حجارة فقط...

سهيل كيوان

نادرًا ما تجد قرية عربية، ليس فيها ضريح لولي أو لشيخ يعتبره الناس صالحًا، سواء داخل القرية أو خارجها.

في الجنوب الغربي لقريتي مجد الكروم، منطقة نسميها جلّون، فيها ضريح عرفناه منذ طفولتنا بقبر الشيخ طُعمة، حرّم الرعاة دخول الماعز إلى الشجرة التي تظلل ضريحه، وحرم الناس من فعل أيّ نشاط غير لائق بالقرب منه، وآمن بعضهم بأن الشيخ يحرس المزروعات وحظائر الماعز القريبة، وكل من يقترب من هناك بهدف سيء يُعاقب بضربة غير معلومة المصدر.

عندما نمر بالقرب منه، نتوقف ونتلو الفاتحة بخشوع واحترام شديد ورهبة، فهو ضريح بعيد ووحيد في سفح الجبل، والأشرطة الخضراء التي يعلقها الناس عليه تشير إلى أن زائريه كثر، بل والبعض يقيم الطقوس الخاصة بمباركة الأطفال المواليد الجدد وإبعاد الشرور عنهم في ظل الخروبة القريبة من ضريحه.

مثل هذه الأضرحة، منتشرة في كل فلسطين، إذ تكاد لا تخلو منها قرية أو مدينة.

كثير من هذه الأضرحة يعود لقادة عسكريين من رجال صلاح الدين الأيوبي الذين كانوا يستشهدون خلال المعارك، أو توفوا أثناء تنقلاتهم فدفنوا في مكان قريب من ساحة المعركة، من بين هؤلاء ضريح الشيح حسام الدين أبو الهيجاء قرب قرية كوكب أبو الهيجا، وقرى أبو الهيجا هي مزارع قدمها صلاح الدين الأيوبي لبعض قادته كي يفلحوها ويعيشوا منها، بهدف إعمار فلسطين والتصدي للغزو الخارجي، ولهذا نجد أن معظم سكان هذه القرى ينتمون لعائلة أبو الهيجاء.

الشيخ طعمة، كان يسميه بعض المسنين قبر البدوية، قال البعض إنه ضريح امرأة بدوية توفيت أثناء مرور أسرتها في المكان فدفنوها هناك.

يذكر المسنون أنه في البداية كان كومة من الحجارة، وفيما بعد رفعوا الحجارة حتى صارت بارتفاع قامة رجل، ثم جاء من بنى حولها جدارًا وجعل لها بابا وسياجًا من شوك القندول، وصار الجميع يتوقف عنده لقراءة الفاتحة، إلى أن أصبح على ما يبدو فيه من جلال ورهبة.

دارت قصص كثيرة حول هذا الضريح وغيره، سواء من أولئك الذين يؤمنون بالغيبيات أو الذين ينكرونها، ولكن الجميع احترم الضريح ورفات ساكنه.

في إحدى الصباحات الصيفية، مشيت ممارسًا الرياضة واقتربت في الطريق المحاذي

للضريح، وكما اعتدت منذ طفولتي، توقفت وبدأت بقراءة الفاتحة، انتبهت لوجود سيارة، ظننت أنها لواحد من أهل البلدة، ولكن عندما اقتربت أكثر انتبهت أنهم ثلاثة رجال من الروس القادمين الجدد، كانوا يدورون حول الضريح وهم يحملون جهازا لكشف المعادن، وبعد استيعاب الدهشة فهمت أنهم يبحثون في هذه الأمكنة عن الذهب.

بعض هذه الأضرحة يحاول اليهود احتلالها، واعتبارها من تراثهم كما حدث لضريح أبو حجر أحمر قرب المغار، وهناك ضريح الشيخ شحادة في قرية عين غزال الذي ما زال أبناؤه وأحفاده يعيشون حتى يومنا هذا في قرية الفريديس، حوّله اليهود إلى ضريح أحد الربانيم، يتباركون به يكتبون له أوراق تمنياتهم، ولكن لا يلبث أن يأتي مسلمون ويكتبون عليه ضريح الشيخ شحادة ومرة أخرى يعود اليهود ويزيلون اليافطة العربية ويضعون يافطة عبرية وهكذا داوليك.

ومن القصص الشهيرة في هذا المجال ضريح أحد أهالي قرية كفر ياسيف الذي خشي أن يبيع أولاده أرضه بعد موته فأوصى بأن يدفن في كرم الزيتون، وفي فجر يوم ما أتى الدكتور بطرس دلة كي يحرث أرضه فوجد عشرات من المتدينين اليهود يصلون على الضريح فسألهم لماذا تصلون حول هذا الضريح فقالوا لأن هذا ضريح رابي يهودي. فسألهم: كيف عرفتهم أنه رابي يهودي! فقالوا لأنه مدفون خارج القرية، ولو كان مسلمًا أو مسيحيًا لدفنوه داخل القرية وليس خارجها! فقال لهم- هذا الرجل من عائلة صفية وأنا شخصيًا حضرت جنازته وأولاده ما زالوا أحياءً يرزقون.

قبل بضعة أشهر مررت من هناك فلم أجد ضريح الشيخ طعمة، فقد سويت حجارته بالأرض، تعجبت فمن له مصلحة بهدمه! ظننت أن صاحب الأرض هدمه ليزرع مكانه.

ولكن دهشتي لم تطل، فقد علمت أن أحد المتشددين من المتدينين الجدد من أبناء القرية يهدم هذه الأضرحة وليس فقط في قريتنا، بل حيث يجدها، ويعتدي على القبور، وذلك لإيمانه بأن إشهارها حرام وخصوصًا أضرحة الشيوخ تلك.

السلطة تحاول سرقتها دون هدمها بل بترميم بعضها وتحويله لليهود كي تضفي شرعية على وجود جذور عميقة وقديمة لهم في فلسطين، وبدون عناء يأتي أحد الجهلة ليهدم أحد معالم وجودنا وتاريخنا في بلادنا.

في الوقت الذي يبحث فيه اليهود عن كل حجر يربطهم ولو كذبا، كادعاء نتنياهو العثور على ميدالية من نصف شيكل عمرها ثلاثة آلاف، عام تبين أن عمرها خمسة عشر عاما فقط، ويقوم بعض جهلائنا بتدمير معالم شعبنا وجودنا وقطع جذورنا.

هنا ليست قضية إيمان بقدسية هذه الأضرحة وساكنيها، ولكنها ليست كومة حجارة، القضية هي محاولة محو تاريخنا الذي يجب أن نتمسك فيه وأن نرمم ما تضرر منه وأن نكف أيدي العابثين عنه سواء كانوا من المستوطنين الذي يحاولون سرقته وتزييف هوية ساكينه أو أولئك الجهلة الذين يتمرجلون على تاريخنا وتراثنا ويحاولون هدمه ومحوه باسم الدين.