"بيوغرافيا" فلسطينية بمنظور إسرائيلي

"بيوغرافيا" فلسطينية بمنظور إسرائيلي

سليمان أبو ارشيد

في قراءته لكتاب البيوغرافيا السياسية لمؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لـ د. أيلي غاليا والذي صدر مؤخرا، يضع الصحفي جدعون ليفي يده على الاستنتاج "المؤسف" الذي يستشفه البحث، عندما يقرر أن جورج حبش، وليس ياسر عرفات، هو من أصاب في نظرته إلى إسرائيل وكيفية التعامل معها.

حبش العدو اللدود للتسويات والرافض للتفاوض مع العدو إلا عبر فوهة البندقية، والحالم بالدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية صدق، كما يقول ليفي، لأن انتصار عرفات في "الصراع التاريخي" الذي دار بين الرجلين كان شرا من هزيمة، ولم تجلب من تسوياته واعترافه بإسرائيل والاكتفاء بـ 22% من الأرض سوى المزيد من تعميق الاحتلال ومن تعزيز الاستيطان وتمكينه.

الكتاب الذي يتصدر غلافه شعار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وصورة لجورج حبش الشاب، بالأبيض والأسود، يذكرنا بألوانه الكالحة بإصدارات سبعينيات القرن الماضي التي لم تضئها الألوان ولم تصقل أوراقها تقنيات الطباعة الحديثة، في حين يفتح مضمونه دفاتر النكبة والنكسة وحركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال تتبع سيرة جورج حبش الذاتية المجدولة بمسيرة الكفاح الفلسطيني منذ نكبة 1948 .

السيرة تبدا بعودة حبش الذي كان يدرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت إلى اللد عشية النكبة، والتحاقه بفريق الإغاثة الطبية العامل هناك، وتروي قيامه بدفن شقيقته في ساحة بيتهم بسبب تعذر الوصول إلى المقبرة المدينة المستباحة من القوات الإسرائيلية، كما تصف على لسان جورج حبش، مشاهد "الجثث المنتفخة الملقاة على جوانب الطرقات ونظرات الذعر والرعب التي تملأ عيون الناس، وكيف تم طرده وعائلته من بيته في الرابع عشر من تموز، أحد أيام شهر رمضان الحارة مع بقية سكان اللد، وكيف جرى تفتيشهم ونهب الأموال والأشياء النفيسة التي كانوا يحملونها قبل إخراجهم من المدينة.

لقد شكلت النكبة ومناظر التهجير تلك، المخزون العاطفي لطالب الطب الشاب الذي بلورته لاحقا أفكار قسطنطين زريق وغيره من المفكرين القوميين السابقين، والتي كونت وعيه السياسي وشكلت أساسا لحركة القوميين العرب التي أسسها وقادها لاحقا مع آخرين. وهي قناعات لم تهزها التحولات الفكرية التي مر بها حبش الذي ظل البعد القومي يحتل حيزا أساسيا في منهجية تفكيره السياسي والأيديولوجي، ويشكل ركبا مهما في إستراتيجية تحرير فلسطين التي كان بناها على مدار سنوات تطور حركة القميين العرب، وحتى بعد تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما أن إيمانه بالقومية العربية والوحدة العربية كطريق لتحرير فلسطين لم تتغير حتى يوم مماته، كما يقول.

الكاتب الذي يسجل لصالحه، وهو غير المحسوب على اليسار الإسرائيلي، تحليه بالكثير من الموضوعية في سرد سيرة أحد القادة الفلسطينيين "الأكثر تطرفا" بنظر المجتمع الإسرائيلي، يتوقف عند أبرز المحطات في حياة هذا القائد الفلسطيني، من النكبة إلى النكسة، ومن حركة القوميين العرب إلى تشكيل الجبهة الشعبية، ومن عمان إلى بيروت ليرصد التحولات الفكرية والصراعات السياسية التي مر بها وأدارها في المستويين التنظيمي الداخلي والسياسي الفلسطيني والعربي، وهو يفعل ذلك بحياد وموضوعية يشوبها بعض الإعجاب أحيانا، ويدل على ذلك المديح الذي يكيله للرجل في تلخيصه كما في المقدمة حيث يقول، مثلا، إن اسم جورج حبش سيخلد في الذاكرة الفلسطينية كرجل ضمير ومثقف مخلص لمبادئه رغم التحولات السياسية التي مر بها، وكشخصية سحرت الكثير من الفلسطينيين ليس بسبب خصاله فقط، بل بفعل نظرته البعيدة المدى والباعثة للأمل، ونجاحه في تحديد الأهداف واستعداده للتضحية وتكبد المعاناة اللامتناهية حتى الانتصار، وهو يشكل نموذج المثقف الذي تجاوز هويته الدينية والقطرية إلى الفضاء العربي الواسع.

ويختم بالقول، إنه رغم كل ما قد يقال عن الفشل العسكري والسياسي والتنظيمي للجبهة الشعبية في الإمساك بناصية قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني، فإن ذلك لن يختزل من تأثير جورج حبش على السياسة الفلسطينية، ومساهمة الكبيرة في بلورة رؤيا جيل فلسطيني كامل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018