من أزمة كورونا إلى "الوعي الأسود" إلى وباء الصهيونية

من أزمة كورونا إلى "الوعي الأسود" إلى وباء الصهيونية

لم يكن أحد يتوقع أن يدخل "الوعي الأسود" من داخل الإمبراطورية الأميركية بهذه القوة وبهذا الزخم في صلب الموجات الاحتجاجية والثورات المتلاحقة العربية والعالمية، التي تجدّدت وامتدت إلى دولٍ جديدة، عربيةٍ وغير عربية، في العامين الماضيين. كما لم يتوقع أحد أن تعيد حركة "الوعي الأسود" المتجدّدة إشعالَ الحرب على الماضي الاستعماري ورموزه وأن تُجددَ المعركةَ على الوعي، التي تجلّت في تحطيم تماثيل تجار العبيد والعدوان على الشعوب وثرواتها. والأمر الأهم أنّ هذه الانتفاضات تضيف تحديًا هاما وكبيرًا أمام أقطاب النظام العالمي الظالم، التي ظنّت أنّها انتهت من خطر الموجة الأولى لجائحة كورونا، وأن الفرصة عادت لاستئناف جريمة الاستغلال والتمييز العنصري والاجتماعي بصورة أوسع لتعويض ما خسروه من أرباح.

حتى أسابيع قليلة خلت، بدت حركة احتجاجات المواطنين الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية للكثيرين نقطةً صغيرةً ذات طابع محلي في بحر التمرد الذي يأبى السكون. وإذ بها تشعل موجاتٍ جديدةً من الاحتجاجات وتلتقي مع صرخات المظلومين في كل مكان، كان محفّزها بوعزيزي الأميركي (جورج فلويد)، الذي قضى خنقا تحت رجل شرطي أبيض. وبهذا تتجلى نظرية "التقاطع" (intersectionality) في أوضح صورها، أي ترابط النضال بين جميع المقهورين على خلفية عرقية وطبقية وإثنية ودينية وقومية وجندرية. وهذا الاصطلاح/ التقاطع صاغته عالمة الاجتماع النسوية والناشطة، كيمبرلو كرينشو، وهي أيضًا من أصول أفريقية، عام 1989، لتشرح كيف تتعرّض جماعات وأفراد لأنظمة متداخلة من القمع المؤسس على الجندر والعرق والإثنيّة والطبقية. وبات المصطلحُ جزءًا من قاموس الحركات والأفراد الثوريين.

ليس نضال السود ضد العنصرية جديدًا. فالمقاومة ضد نظام العبودية والعنصرية والاستغلال لم تتوقّف على مدار الزمن واتخذت أشكالًا مختلفة من التمرد الفردي إلى العرائض والكتابة السياسية والفكرية، وصولًا إلى الروابط والحركات الاحتجاجية والثورية. وفي الولايات المتحدة الأميركيّة وبعد إلغاء العبوديّة رسميا قبل أكثر من 150 عامًا، وجد السود أنفسهم يجدّدون النضال والمقاومة لإزالة إفرازات ونتائج قرون من العبودية والتمييز. وبرز من بين السود أكاديميون بارزون ومثقّفون كبار جيّروا ثقافتهم وعلمهم وأخلاقياتهم، لشحذ وعي السود ولاستنهاضهم للدّفاع عن ذواتهم في مواجهة سلطة السّيّد الأبيض، الذي شيّد نظاما سياسيا واجتماعيا ديمقراطيا ليبراليًا يقوم على التنافس الحر غير المنضبط، متنكّرًا للعدالة الاجتماعية والمساواة العرقية. ناهيك عن الحروب الإمبرياليّة والتدخل الخارجي وتفكيك الدول. وكان من أبرز الذين أسسوا لهذا الوعي ويب دو بويز (1868 – 1963)، وهو عالم اجتماع وناشط سياسي أميركي من أصول أفريقيّة وكان من أهم دعاة الحقوق المدنية، وبرز كزعيم حركة Negro (الزنوج) في أوائل القرن العشرين، وهي مجموعة من النشطاء السود الذين ناضلوا من أجل المساواة والعدالة. وألّف عددًا من الكتب وأشهرها "أرواح الشعب الأسود" الذي يتحدث فيه عن عبقرية وإنسانية الإنسان الأسود. وهو، بهذا، يتصدّى لعنصرية الإنسان الأبيض، ويدعو السود إلى الاعتزاز بذاتهم وبلون بشرتهم. وكان ضد الانصهار والعزلة في آن معًا. وظهرت لاحقا، منذ الأربعينيّات، حركات احتجاجية بين السود، مثل "الفهود السود" و"القوة السوداء" و"أمة الإسلام" والذي اقترن بها اسم لويس فركان، وإليجا محمد ومن ثم مالكوم إكس، و"حركة الحقوق المدنية" بقيادة القسّ مارتن لوثر كنغ وغيرها.

وفي قارة أفريقيا نفسها، التي تعرّضت لعدوان هو الأبشع والأشدّ انحطاطًا في تاريخ البشرية، تجلى في إقدام أوروبا الصاعدة على خطف الناس ونقلهم إلى قارات بعيدة واستعبادهم من ناحية، وممارسة النهب والقمع الوحشي من خلال استعمارها واستيطانها من ناحية ثانية، ظهرت حركات ثورية تحرّرية من الاستعمار، خاضت كفاحا تحرريا بطوليا. وفي جنوب أفريقيا استلهمت حركات تحررية ذلك الإرث الفكري والعملي التحرري الذي كان يتصاعد وينمو بين السود في أميركا في القرن الماضي في نضالها لإسقاط نظام الفصل العنصري. ومن المنظّمات الجنوب أفريقية التي اكتسبت شهرةً، بدرجة ثانية بعد منظمة "المؤتمر الوطني الأفريقي"، حركة "الوعي الأسود" بقيادة ستيف بيكو، الذي اُستشهد تحت التعذيب في سجون نظام الأبرتهايد عام 1977، وقال عنه نيلسون مانديلا الذي كان لا يزال في السجن " كان عليهم قتله لإطالة عمر الأبرتهايد"، الأمر الذي يؤشر إلى أهمية الدور الذي لعبه بيكو في تأجيج النضال عندما كانت قيادات المؤتمر الوطني الأفريقي إمّا في السجون أو في المنافي.

ولد اصطلاح "الوعي الأسود" من ضرورة أن يتخلى الإنسان الأسود عن شعوره بالدونية، ويستعيد ثقته بنفسه وباعتزازه بلون بشرته كخطوة أُولى أو كشرط لتحرّره الشخصي. وقد تشكل وعي ستيف بيكو أكثر من خلال تأثره بكتابات مفكري ما بعد الاستعمار، مثل فرانس فانون وغيره. ومن أشهر أقواله "إنّ أقوى سلاح في يد القاهرين هو عقل (وعي) المقهورين". ما معناه أن سيطرة القاهر على المقهور تتحقّق وتستمر من خلال ترويض وتشويه وعيه، ودفعه إلى التماهي مع المستعمر. لقد كانت فلسفته تقوم على ضرورة تحرير السود لأنفسهم والاعتماد على ذاتهم من أجل إحداث تغيير جذري في جنوب أفريقيا، وهو رفض أفكار الاندماج التي كان يروج لها الليبراليون البيض في جنوب أفريقيا (نفس مقولات اليسار الليبرالي الصهيوني وحلفائه العرب) بدون إلغاء مجمل نظام الفصل العنصري والرأسمالي، فقد كان يرى أن الاندماج سيصبح على حساب السود ويُكرّس دونيتهم.

إن ما يجري حاليًا، في العمق، هو ثورة ثقافية غير مسبوقة لم تحدُث منذ زمن طويل من حيث ارتباط الانتفاضات الجديدة بالنضال ضد العنف الذي يمارس على أساس العرق والاستعمار والجندر والطبقة. إن اتّساع حركة الاحتجاج ضد العنصرية في أنحاء العالم وتوسّع أهدافها وإقدامها على تحطيم تماثيل تجار العبيد ورموز الاستعمار والإبادة مثل كريستوفر كولومبوس وإدوارد كولستون وجيفرسون ديفز وغيرهم، يُظهر أن مسار الحركة يتّجه نحو إعادة كتابة التاريخ وتصحيح مناهج التعليم وتنظيفها من الروايات التي تمجّد تجّار العبيد ولصوص القارات وأوطان الشعوب الأخرى. وفي هذه الدائرة تتموضع الحركة الصهيونية وقادتها الذين سرقوا وطنًا، وشرّدوا شعبا بأكمله وكتبوا روايتهم المزيفة وعرضوا جريمتهم كعملية تحرر وهي رواية لجريمة وحشية ولمشروع غير إنساني لن يدوم.