التيار القومي الديمقراطي... ثلاث كلمات

التيار القومي الديمقراطي... ثلاث كلمات

في الحركة بركة، أو الحياة والسياسة تحديدًا لا تحتملان الفراغ، لذا سأنقل هنا بإيجاز قدر المستطاع خلاصة نقاشات شاركت فيها في الأشهر القليلة الماضية عن آفاق التيار القومي الديمقراطي في الداخل تحديدًا، وفلسطين عمومًا، على أن تنشر لاحقًا بتوسع أكبر في صحيفة يعتزم القائمون على الحوار والمناقشات إصدارها لنقل الطروحات والأفكار إلى النقاش العام ولتتحول إلى منبر شعبي لمن يرون بأنفسهم ينتمون لهذا التيار.

يمكن إيجاز هذه التصورات بثلاث كلمات – مصطلحات: هوية، حرية، عدالة اجتماعية. هذه المصطلحات هي قيمية وليست شعارًا، وهي مستلهمة من انتفاضات الشعوب العربية منذ أواخر العام 2010، والتي تميزت بقيمة إضافية هي روح التماثل، أو التضامن كما يفضل أحد المتحاورين تسميتها. هي تماثل وتضامن لأن الانتفاضات الشعبية توحدت حول قيم إنسانية وليس شعارات سياسية مجردة أو عفوية أو طروحات سياسية حزبية. وهذا يدلل على أنه بمقدور السياسة أن توحد مجموعة بشرية مهما كان حجمها حول قيم محددة دون الانتماء أو الانتساب المباشر لحركة أو تيار. هذه إحدى ميزات الحراكات السياسية الكبرى التي تغير "مجرى التاريخ"، وهي التي تدفع الإنسان الفرد أو المجموعة إلى "العودة للتاريخ" وصنعه.

أمام التيار القومي الديمقراطي هنا في الداخل الذي أخفق في السنوات الأخيرة بأخذ شكل واضح، تجارب ملهمة تؤكد "سيامية" القومي والديمقراطي، وقد تناولت ذلك في مقال سابق قبل سنوات. هذه التجارب هي الانتفاضات الشعبية في الدول العربية التي أكدت على أن أي طرح قومي غير ديمقراطي لا يمكن أن يكون طرحًا تحرريًا، لأن التعبير الحقيقي عن طموحات الأمة العربية لا يمكن إلا أن يكون بالتعبير الحر للإرادة الشعبية، أي من خلال الديمقراطية. لا يجوز الادعاء بتبني طموحات وتطلعات الشعوب العربية من دون الإدراك العميق أن تحقيق هذه الطموحات والتطلعات لا يمكن أن يتجاوز الديمقراطية. من بمقدوره التحدث باسم الشعوب والأمة العربية؟ هذا الربط بين القومي والديمقراطي ليس أداتيًا بل جوهريًا، لأن التعبير عن حق الشعوب العربية بتقرير مصيرها لا يمكن إلا أن يكون عبر الديمقراطية، إذا غابت الديمقراطية حضرت الميادين المركزية التي تملأها حركة الجماهير.

كما يجب أن يعلن هذا التيار العداء للأنظمة العسكرية (والاستبدادية والطائفية بالطبع)، ليس بسبب ممارساتها غير الإنسانية بحق شعوبها فحسب، بل أيضًا لأنها تسلب حق الشعوب بتقرير مصيرها بنفسها، أي تتناقض جوهريًا مع قيم هذا التيار، أي التعبير الديمقراطي والحر عن الإرادة الشعبية.

أما بما يخص الهوية، فإن في واقعنا السياسي المليء بالتناقضات هنا باتت مسألة الهوية هي ضرورة وليست شوفينية أو تطرفًا قوميًا أو وطنيًا. لا يمكن للإنسان أن يكون حرًا ومنسجمًا مع نفسه دون هوية ينتمي إليها أو يتضامن أو يتماثل معها، خصوصًا في ظل مواجهة مشروع استعماري استيطاني يهدف إلى تجريف هذه الهوية ماديًا ومعنويًا. ولا تقتصر مسألة الهوية على الهوية الوطنية والقومية، بل أساسًا هي الهوية الإنسانية المنفتحة والحرة وتشمل النسوية والتقدمية. الهوية هنا صميمية لأنها تدرك أنها الرابط الأساسي للأفراد الذي يشكلون الإرادة الشعبية.

أما العدالة الاجتماعية، فهي ليست مقتصرة على البعد الاقتصادي فحسب، أو على "العدالة كإنصاف" بحسب رولز، أي أن العدالة تكون بإنصاف الأكثر استضعافًا، بل تمتد إلى كل مناحي الحياة الاجتماعية، أي المساواة الاجتماعية على كافية المستويات، وأولها المساواة بين الهويات المختلفة، المساواة بين الأجناس، والمساواة في الحق بممارسة الحرية. ولكي تتحقق هذه المساواة ولو نسبيًا، فلا بد أن يكون الانتماء للإرادة الشعبية الحرة قائمًا على الانتماء الحر للأمة وليس على الحسب والنسب. لا يمكن التعبير عن إرادة الأمة الحرة إذا كانت الانتماءات فئوية أو طائفية، ولا يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية طالما الانتماء الفئوي ما زال الناظم الرئيسي للعلاقات والحياة الاجتماعية والسياسية. فإذا كانت الحرية تعني الحريات الفردية أساسًا، فإن العدالة الاجتماعية إذا ما التقت مع الديمقراطية، تجعل هذه الحرية معممة بالتساوي على البشر، وتوفر لهم ولو الحد الأدنى المعقول من العدالة والإنصاف ليتمكنوا من ممارستهم للحرية.

هذه روح التيار القومي الديمقراطي بإيجاز شديد، الذي يجب أن يكون حيزًا للتماثل والتضامن المشترك، التضامن بمعناه القيمي العميق، أي التضامن والتماثل من باب الانتماء لهذه القيم، وليس من باب الانتماء الحزبي أو الحركي.

هذا التيار إذا أخذ شكلا واضحًا وبهذه الروح، وبعيدًا عن المنافسات الحزبية والحركية الصغيرة والانتخابية، فإن عقول وبيوت الناس ستكون مشرعة أمامه بكل تأكيد.

أخيرًا، عودة إلى صاحبنا الذي فضل استخدام مصطلح التضامن على التماثل، وقد عبر عن فكرته بتحليل لافت لجنازة الفنان أيمن صفية لجهة حجم المشاركة الواسعة من شرائح اجتماعية متعددة، والتي اجتمعت في جنازة شخص أغلبهم لا يعرفونه ربما شخصيًا، ولكن مشاركتهم عبرت عن الرغبة الفردية بالتضامن الجماعي مع قيم اعتبروا أن صفية عكسها، أو الرغبة الفردية بالانتماء لمجموعة تحمل قيمًا يتماثلون معها، والميادين العربية عبرت عن هذه الرغبة أيضًا كما شهدنا في لبنان والعراق والسودان مؤخرًا. والمصطلحات الثلاثة أعلاه توجز هذه القيم.