مواجهة الضمّ، وثلاثة أوهام يجب تبديدها

مواجهة الضمّ، وثلاثة أوهام يجب تبديدها

يسابق رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وحليفه، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الزمن؛ لفرض عملية الضمّ والتهويد لمعظم أراضي الضفة الغربية، بعد أن رسّخا ضمَّ القدس والجولان.

ولا حاجة لانتظار الأول من تموز/ يوليو، فالعمليات التمهيدية لضم الأغوار ومناطق المستعمرات بدأت بوتيرة غير مسبوقة للتوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، وبالإعلان عن إجراء إحصاء لسكان مناطق الضم المقصودة، وبإغلاق حواجز مؤدية لمنطقة الأغوار في وجه الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية.

ولا يجب الركون إلى بالونات التخدير التي يطلقها الإعلام الإسرائيلي حول خلافات أميركية- إسرائيلية لا وجود لها، فحكومة إسرائيل التي ضمت المتنافسين اللدودَيْن، نتنياهو ورئيس الحكومة البديل، بيني غانتس، لم تُشكَّل إلا لتنفيذ الضم والتهويد و"صفقة القرن" بكل ما تمثله من نوايا التصفية لكل الحقوق الفلسطينية. وهل هناك ما هو أدلُّ على ذلك، من فرض ترامب للعقوبات على محكمة الجنايات الدولية لأنها تدرس إمكانية التحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل؟

الوهم الأول الذي يجب تبديده، يتمثل في الادّعاءات السخيفة بأنّ الضم لا يعني شيئا لأن الاحتلال قائم منذ عقود، وتتجاهل هذه الادعاءات أن فرض القانون والسيادة الإسرائيلية على أراضٍ محتلة يعني تغيير وضعها القانوني رغم تعارُضه مع القانون الدولي، ويعني تغيير قوانين ملكية الأراضي فيها بجعلها أراض إسرائيلية، لا حق لأصحابها بالاحتفاظ بها، بالإضافة إلى منع سكان الضفة والقطاع من دخولها إلا بتصاريح إسرائيلية، وأن الضم ليس سوى خطوة أولى لجعل العالم والعرب وبعض الفلسطينيين يتعايشون معه كأمر واقع، بل ومحاولة جرّهم للتفاوض على أساس "صفقة القرن" المزعومة، وعلى أساس التعاطي مع الأمر الواقع الذي يمثله الضم.

ولا يمكن هنا للفلسطينيين رفض الضم دون إلغاء الاعتراف الذي وقّعته منظمة التحرير، بإسرائيل، فبقاء الاعتراف بعد الضم، يعني الاعتراف بالضم.

أما الوهم الثاني، فهو الاعتقاد بأن إسرائيل ستمنح الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين المقيمين في المناطق التي ستُضم، وهذا الوهم المريع الذي يتجاهل ما أعلنه نتنياهو بلسانه، وما نصّت عليه "صفقة القرن" بكلام واضح كالشمس، والذي يُفيد بأن الأرض ستُضم دون سكانها الذين سيصبحون أغرابا في أرضهم، وستُحال الأراضي التي يملكونها إلى ملكية السلطات الإسرائيلية التي قد تؤجرهم أرضهم لفترة من الزمن قبل أن تستولي عليها نهائيا.

إن ما يقوم به نتنياهو هو تكريس نظام قانونيْن في أرض واحدة؛ قانون لصالح اليهود الإسرائيليين، وقانون آخر يضطهد الفلسطينيين، وهذا ما نسميه نظام الأبرتهايد العنصري.

الوهم الثالث الذي يجب تبديده، الاعتقاد بأن الضم يمكن مكافحته بالعمل الدبلوماسي فقط، وبدون حل مشكلة الانقسام الداخلي الفلسطيني، فالعمل الدبلوماسي مهم، ولكنه مجرد عنصر واحد من عناصر مقاومة المخطط الإسرائيلي، ونظام الأبرتهايد العنصري الذي أنشأه.

ولا بد أن يترافق مع جهد وطني مشترك، وموحد، لتصعيد المقاومة الشعبية في وجهه، ولخلق آليات لتوحيد النضال الفلسطيني المشترك في الداخل مع مثيله في الأراضي المحتلة، ومع جهد اللاجئين وجميع الفلسطينيين المقيمين في الخارج.

ولا بد أن يركز إلى جانب المقاومة في فلسطين على تصعيد حركة المقاطعة وفرض العقوبات على نظام الاحتلال، والضم، والأبرتهايد الإسرائيلي. وكل ذلك يمثل أجزاءً من الإستراتيجية الوطنية البديلة المطلوبة.

ولعل أفدح الأوهام، الاعتقاد بأن كل ذلك يمكن تحقيقه بجهد فصيل واحد، ودون إنهاء الانقسام الداخلي الفلسطيني وتشكيل قيادة وطنية موحدة، بالفعل والمضمون، وليس بالاسم فقط، قيادة قائمة على مبداَي الشراكة الحقيقية والديمقراطية الداخلية، مع وحدة القرارات الكفاحية والسياسية.

المسؤولية هائلة، ولكن الطريق واضح، والنصر ممكن، إذا ما تم التخلي عن أوهام وأدوات وأفكار الماضي، وتبني رؤية كفاحية عيونها على المستقبل، لا على الماضي.


* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ