إنّها الحرب على إيران..

إنّها الحرب على إيران..

وقع عددٌ من الانفجارات والحرائق خلال الأسبوعين الأخيرين في إيران، جميعها في منشآت للطاقة، وأخطرها كان في موقع لإنتاج أجهزة الطرد المركزي في نطنز.

آخر الانفجارات وقع فجر اليوم الثلاثاء، في أحد المصانع، وقد أدّت هذه التفجيرات بحسب اعتراف إيراني، إلى اشتعال حرائق كبيرة، ووقوع خسائر بشرية، وأضرار مادية كبيرة.

تكرار الانفجارات في مواقع للطاقة، في فترة زمنية قصيرة، يعني أن وراءها فاعلا، وليست حوادث عرضية.

كالعادة تحدّث الإعلام الإسرائيلي عن تفجيرات غامضة، إلا أن صحيفة "نيويورك تايمز"، نقلت عن مسؤول مخابراتي شرق أوسطي كبير، يبدو أنه من الموساد، قوله، إن إسرائيل تقف وراء التفجير في موقع نطنز القريب من طهران، وبحسب العادة والتجربة التاريخية، فإن هذا يعني أن إسرائيل تقف وراء التفجير فعلا، فهي صاحبة المصلحة الأولى في هذه التفجيرات، هذا يعني أنها قامت بها بمفردها، وربما بتعاون أميركي- إسرائيلي، وربما بتعاون مع أطراف أخرى، قد يكشف المستقبل عنها.

هنالك احتمال واقعي جدًا، أن تكون هذه هجمات "سايبر" إلكترونية، تعني السيطرة من بعيد على شبكات الحواسيب التي تشغّل هذه المنشآت، والتحكم بمعطياتها، لتكون النتيجة انفجارات وحرائق.

وهنالك احتمال آخر، وهو أن يكون للموساد عملاء داخل هذه الأماكن الحساسة، خصوصًا في تفجير الموقع النووي، وبالتالي قد يكون الانفجار بتضافر وتنسيق الهجمات السيبرانية مع عملاء داخليين.

المواجهة الإيرانية- الإسرائيلية حقيقة موجودة على أرض الواقع، منذ سنين، ولكنها تحوّلت إلى هجمات مباشرة على القوات الإيرانية في سورية، وتمرُّ الآن في مرحلة التصعيد، ويبقى القرار الآن في الملعب الإيراني، في كيفية الرّد على هذه التفجيرات.

لا شكّ في أن إيران تحاول الرد في حرب سيبرانية، وليس استهتارًا بقدراتها، ولكن يبدو أنها في هذا المجال، ليست على مستوى إسرائيل المدعومة أميركيًا.

من الملفت أن الأخطاء العسكرية الإيرانية تكررت في السنة الأخيرة، منها إسقاط الطائرة المدنية الأوكرانية بصاروخ إيراني، بعد إقلاعها من مطار طهران، في كانون الثاني/ يناير الماضي، وذلك ليلة الهجوم الإيراني على قواعد أميركية في العراق، كردٍّ على اغتيال قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وبدا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب ليلتها كأنه على دراية بما جرى قبل نشر إيران حقيقة ما حدث، فقد كتب حينها عبر حسابه في "تويتر"، أن "كل شيء يجري على ما يرام". وكان رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، ونظيره الكنديّ، جاستين ترودو، أوّل من شكك بإسقاط الطائرة بصاروخ إيرانيّ!

كذلك قصفت سفن إيرانية فرقاطة حربية إيرانية بصاروخ "كروز" في أيار/ مايو الماضي، فقتلت وجرحت حوالي أربعين من البحارة على ظهرها، وحادثة الخطأ هذه، لم تكن الوحيدة خلال العام الأخير، الأمر الذي يثير الشكوك حول هجمات سيبرانية أميركية، تضلّل أو تعطل أجهزة الدفاع والهجوم الإيرانية، وتخترق نظامها الصاروخي.

من المتوقع أن نشهد المزيد من الهجمات على مواقع إيرانية حساسة، فرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، يسعى للقضاء على برنامج إيران النووي كإنجاز خاص به، ويطمح إلى تحقيق هذا خلال فترة رئاسة صديقه ترامب، الذي لن يتخلى عنه في حال ردّت إيران ووقعت مواجهة مباشرة، أي أنه لم يبقَ سوى أشهر قليلة لتحقيق الهدف في حال رحيل ترامب عن السلطة، حيث ستجري الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر المُقبل، كما أن ترامب بحاجة ماسة إلى إنجاز خارجيّ شعبوي، وذلك في ظلّ التراجع الحادّ في شعبيته، إثر فشله في إدارة أزمة كورونا، وعلى ضوء استطلاعات الرأي التي لا تبشّره بالخير أمام الديمقراطي، جو بايدن؛ لهذا ليس مستبعدًا أبدًا أن "يلعب" في ورقة ضرب البرنامج النووي الإيراني لإنقاذ شعبيته.

من ناحيتها، تطمح إيران إلى تخصيب كمية من اليورانيوم تكفي لبناء قنبلة نووية، وتسعى لتحقيق هذا الهدف بأي ثمن، ولهذا فالأرجح أنها لن ترد على الهجمات مباشرة، فهي تسعى لتمرير الوقت قدر الإمكان، لأن الرّد والدخول في مواجهة مفتوحة مع الحلف الأميركي- الإسرائيلي ليس في صالحها، ولهذا سوف تواصل التجاهل لربح الوقت، خصوصا أن فشل ترامب وفوز بايدن، قد يتيح لها العودة إلى الاتفاق النووي الذي وقعته في فترة رئاسة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، إلا أن الرياح لا تسير كما تشتهي سفن إيران، فنتنياهو يستغل اللحظة والظروف المواتية، والمرجّح أن يصعّد الهجمات، وخصوصًا ضد المنشآت النووية وما يخدمها، والسؤال هو: كم ستتحمل إيران من الضربات تجنّبا لمواجهة شاملة؟