حرية التعبير بيّنة والتحريض بيّن

حرية التعبير بيّنة والتحريض بيّن

مثلما هو الحلال بيّن والحرام بيّن، فحرية التعبير بيّنة وواضحة المعنى، والاستفزاز والتحريض واضح أيضًا. حرية التعبير تعني البحث والدراسة واتخاذ موقف والتعبير عنه بحرّية دون إكراه، سواء في ما يتعلق بالنبي محمد أو غيره من أنبياء أو قادة تاريخيين، فهذا حق إنساني، ولكن التشهير بهذا أو ذاك حتى بالبشر العاديين لأجل الكسب السياسي، فهو بعيد عن كونه حرية تعبير.

لماذا نرى هذا الحماس للدفاع عن النبي محمد، حتى لدى المسلم العلماني، وحتى لدى من يعاقرون الخمرة ويرتكبون كل "الخطايا" في الليل والنهار؟

السبب هو أن المسلم يشعر بأن رسوله تعرّض للظلم في طفولته ثم للاضطهاد وإلى العداء في بداية نشره للدين الجديد، وقد تحمّل لأجل هذا مع بعض صحابته الكثير من الأذى!

ثم إن الرسول يمثّل مكارم الأخلاق التي يعتز بها كل عربي، من كرم وستر على الآخر ومساندة الضعيف وغيرها، لهذا يشعر المسلم بأن النبي يمثله، خصوصًا وهو يتعرّض لظلم في حياته، وأكثر أنصاره وأشدهم حماسًا هم من المظلومين، سواء من قبل ذوي القربى أو غيرهم.

ثم تأتي سيرة الرسول ودعوته لتحرير المظلومين وإنصافهم مثل التشجيع على تحرير العبيد ككفّارة على الخطأ أو عن عدم القيام بواجبات دينية، ووعد بالجنة لمن يفعل، من خلال أحاديثه ومن خلال الآيات القرآنية، ورفضه الحاسم للعنصرية العرقية، والحث على دفع أجرة الأجير قبل أن يجفّ عرقه، وغيرها من معاملات مع الجيران ومع أبناء الملل الأخرى من أهل الكتاب، وكيفية ردّه على من أساؤوا إليه، ورجولته في المعارك؛ كل هذا يجعله نموذجا في عين المسلم، بل ويراه بأنه فوق بقية البشر، ولولا حديث الرسول بأن الأنبياء أخوة، لفضله المسلم على غيره من النبيين، ولهذا فهو يرى بالمس فيه مسّا شخصيًا به؛ قوميًا وطبقيًا.

المرجعية الفلسفية لحرية التعبير هي الفلسفة الوجودية، التي تعني حرية الإنسان في خياراته وقراراته في ما يتعلق به، وهذا يشمل عقيدته ولباسه وتقييمه الذاتي للعلاقات الجنسية بين الرجل والمرأة والقيم الاجتماعية، وخياره في ما يدخل إلى فمه أو لا يدخل، فالمبدأ هو الحرية ورفض فرض أي قيمة على الآخر في أي جانب من جوانب حياته!

تأسست الفلسفة الوجودية على يد الفيلسوف الدنماركي، سورين كجرود (1813- 855)، وأشهر رموزها الفرنسي جان بول سارتر، ويرى باحثون أن أبا العلاء المعري كان سبّاقا في هذه الفلسفة قبل ألف عام. هذه الفلسفة ترى أن الله وخَلْق الكون قضايا لا يدركها عقل الإنسان، ولهذا فمن يؤمن، إنما يؤمن دون أي علاقة للعقل في الموضوع، والمؤمن لا يسعى لإثباتات عقلية لوجود الله، والإيمان أو عدمه يدخل في ضمن الحريات الشخصية، إلا أن ما يعلنه الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يتناقض مع الحرية التي يقول إنه يدافع عنها.

عندما يقف رئيس دولة يعيش فيها ستة ملايين مسلم، ويحرّض بصورة غوغائية على دينهم ويصفه بأنه في أزمة، ويعلن الحرب على من يسميهم دعاة الانفصال عن مبادئ الجمهورية لأنهم مسلمون اختاروا عقيدتهم فهو يعرف بهذا أنه يستفزهم، ولكنه يفعل هذا لأجل الكسب السياسي.

في المقابل توجد مجموعات دينية إسلامية متطرفة تستفيد من تحريض ماكرون وغيره وتجيّره لصالحها، وتتحول المعادلة إلى "معنا أو ضدنا"، هل أنت مع ماكرون أم مع النبي محمد؟ ويسقط بين المقاعد أولئك الذين لا يريدون للدين أن يكون في دائرة لعبة السياسة، لأن ماكرون العلماني أدخل الدين في لعبته السياسية. رد فعل المراهق الشيشاني إجرامي، ولكنه عمل فردي.

لم يعلن علماء المسلمين بأنه يجب قتل المعلم، والذي يجب أن يرتدع هو والسلطات التي كان من واجبها منع التحريض والاستفزازات، وإدراك أنه ليس كل المسلمين ممكن التحكم في تصرفاتهم.

المعايير المزدوجة واضحة، عندما يتحدّث أحدهم عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي أو يُخرج فيلما ضد الاحتلال يُتّهم فورًا باللا سامية، وعندما يوصف الرسول بأن له علاقة بـ"بيدوفيليا (اشتهاء الأطفال جنسيًّا)"، ويُرسَم كشيطان فهذه حرية تعبير.

النقد الديني والفكري يدوّن في كتب فكرية أو مقالات، أو ندوات فكرية، وهو نقد يُطرح بذكاء مع حرص على مشاعر الآخرين، بغض النظر من يكون هذا الآخر، أما التحريض وتهييج الغرائز من رئيس دولة أو حزب بقصد الكسب السياسي فهذا ليس بحثا فكريا ولا حرية تعبير، إنها إساءة وخلق فتن قد تراق بسببها دماء.

في تصرّفاته يسعى ماكرون للمزايدة على اليمين الفاشي الذي تمثله ماري لوبان، قائدة حزب يميني متطرف ينافس على السلطة والذي يجمع أصواته من خلال العداء للمسلمين والأجانب.

إضافة إلى هذا، ليس سرًا أن هناك جهات إسلامية متطرّفة، تستغل الفرصة لحشد المؤيّدين تحت شعار نصرة الرسول محمد (ص).

هنالك شعور بالضيم لدى المسلمين، على مستوى السياسة العالمية، ولهذا باتوا حسّاسين إزاء كل تحريض عليهم، فما يسمى العالم الحر وعلى رأسه أميركا وأوروبا، يغيب عندما يتعلق الأمر بحقوق العرب والمسلمين وأرواحهم وأموالهم وبلادهم، فإذا كانت سياسة فرنسا تتغطى بشعار الجمهورية الذي يعني الحرية لكل البشر، فهي لم تطبّقه، ولم نر هذا منها في تعاملها مع قضايا العرب والمسلمين منذ قرون.

سياسات ساسة فرنسا غير المتوازنة، والكيل بعدة مكاييل، أخرجهم منذ زمن بعيد من دائرة الموضوعية في ما يتعلق بحرية التعبير والتنوير، وأبقى فرنسا في خانة الدول الاستعمارية العنصرية التي لا يهمها سوى مصالحها المادية فقط، دون أي التفات إلى المبادئ التي أسّست وقامت الجمهورية الفرنسية على أساسها، بل نراها تابعة حتى لرئيس متطرف مثل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي يعلن عنصريته على الملأ بدون رتوش أو أقنعة.