النكبة كذبة...

النكبة كذبة...

أعلنت سفيرة إسرائيل في بريطانيا، تسيبي حوتوفيلي، قبل أيام قليلة أن النكبة كذبة عربية يجب كشفها ومحاربتها.

في الماضي كانوا يتحدثون عن النكبة كمأساة إنسانية وقعت، ويحمّلون مسؤوليتها للعرب وللفلسطينيين بالذات، أي أنهم كانوا يعترفون بوقوعها ويرفضون تحمل المسؤولية، لكن السفيرة حوتوفيلي ذهبت بعيدًا، وأعلنت بأن النكبة كذبة من تأليف العرب.

النكبة مصطلح لغوي واسع، وممن القول إن أحدهم نُكب في أملاكه، أو في أسْرته، أو في صحته، ولكن في الواقع الفلسطيني فإن ما يوازي هذه الكلمة في الواقع، أكبر بكثير من مجرّد نكبة، الواقع هو عبارة عن سلسلة من النكبات والكوارث التي ما تزال مستمرة منذ عام 1948، إنها مثل الحِمم البركانية التي لا تهدأ إلا لتعود من جديد، بصورة أشدّ أذىً.

مشروع الاقتلاع الصهيوني لم يتوقف عند عام 1948، فهو ما يزال مستمرًا. إنه ليس حدثًا مرّ وانتهى، إنه فعل مستمرٌ ما زال يتداعى ويتجدّد في وجوه مختلفة.

معظم أبناء شعبنا الفلسطيني ما يزالون بلا وطن، وملايين منهم بلا جوازات سفر، ومعظمهم ما يزالون في الشتات، ويعيشون على جلودهم الغربة، ومحرومين من حقوق الإنسان الأساسية حتى هذه اللحظة، سواء ممن يعشون داخل الوطن، أو ممن يعيشون في الشتات، وسواء كانوا لاجئين في داخل وطنهم، أو مقيمين في قرى ومدن آبائهم وأجدادهم، فالنكبة ما زالت حاضرة بقوة في حياتهم اليومية،

النكبة لم تستثن أحدًا من شعبنا، فلكل جزء من شعبنا نصيبه منها.

هدم البيوت داخل القرى والمدن العربية في مناطق 48 وفي منطقة القدس ومحيطها، وحصار مسطحات البناء، لمنع التكاثر والتوسّع الطبيعي للعرب داخل إسرائيل ومنطقة القدس، يقول إن النكبة مستمرة وتتفاقم.

القانون الذي خفّض من مكانة اللغة العربية في إسرائيل، وقانون القومية الذي يضع العرب درجة أقل من اليهود، يعني أن النكبة ما تزال مستمرة وتتداعى.

العنف وجرائم القتل والفوضى التي لا تعالجها السلطات، وتترك وتدعم بعض العصابات لتسيطر على الحياة بين العرب، يقول إن النّكبة مستمرة.

ترحيل سكان القرى العربية غير المعترف بها في النقب، ثم هدم منازلهم، هو أحد وجوه النكبة المستمرة.

حصار قطاع غزة وفصله عن بقية أبناء شعبه، والاكتظاظ السّكاني والصحي والخدماتي كله فيه، والبطالة، وغياب الأفق لمستقبل أفضل، هو نكبة مستمرة يعيشها سكانه في كل ساعة ولحظة.

الحواجز في الضفة الغربية وتقطيعها، وقطع المستوطنين المستمر لأشجار الزيتون، ومصادرة وضم المزيد من الأرض، والاعتداءات السافرة على الناس وأملاكهم، والحؤول دون قيام كيان فلسطيني مستقل هو استمرار للنكبة المتفاقمة.

الاعتداء على حرمات البيوت في الضفة الغربية وعلى الفلاحين، واستشهاد الناس من كل الأجيال والشرائح، وآخرهم الطفل علي أيمن نصر أبو عليا ابن الثلاثة عشر عامًا من قرية المغير قرب رام الله على يد جنود الاحتلال، يقول إن النكبة مستمرة.

النكبة ليس ما حدث في العام 1948 فقط، فقد مرت النكبة بكفر قاسم عام 1956 في مجزرة رهيبة في محاولة لطرد سكان المثلث الجنوبي.

وفي حرب حزيران عام 1967 استمر هدم القرى العربية فمُسحت قرى اللطرون وطُرد سكانُها، واحتُل ما تبقى من فلسطين، وهُجّر المزيد من الفلسطينيين هجرة ثانية وثالثة، وزاد عدد مخيمات اللجوء، ومنذ النكبة الأولى وحتى اليوم لم تتوقف الحملات العسكرية على الشعب الفلسطيني، وما زالت مستمرة، إضافة إلى تهجير مئات آلاف السوريين من الجولان وغيرهم من العرب.

السجون الصهيونية ما تزال مكتظة بآلاف من طلاب الحرّية، وما تزال هناك مقابر أرقام.

إنكار النكبة ووصفها بأنها كذبة عربية، هي ليست عنصرية فقط، بل هو غباء سياسي، ودعوة لاستمرار الصراع لأجيال قادمة.

أما العرب الذين يردّدون مقولات صهيونية، مثل أن الفلسطينيين باعوا وطنهم، وأن القيادة الفلسطينية هي المسؤولة عن ما جرى ويجري ويبرّئون الحركة الصهيونية من النكبة وإسقاطاتها، فإن هؤلاء أعداءٌ لشعوبهم قبل أن يكونوا أعداء لشعبنا، وإذا كان شعبنا الفلسطيني قد نُكب بالصهيونية وحلفائها في العالم، فإن الشعوب العربية منكوبة في أنظمة من الخردة التي لا ينفع معها أي إصلاح ولا نصيحة ولا مجال سوى اقتلاعها، بحيث أن الواقع أثبت بأن المعادلة الصحيحة هي أن شعبنا في فلسطين وشعوبنا العربية كلها في خندق واحد في مواجهة الاحتلال الفاشي لفلسطين، وحلفاء هذه الفاشية من العرب وغيرهم سواء كان هذا التحالف في العلن أو في الخِفية.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص