"انقلاع" ترامب فألُ خير...

"انقلاع" ترامب فألُ خير...

رفَضَ ترامب التسليم بخسارته أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، كما أعلن رفضه حضور مراسم تسليم الرئاسة إلى الرئيس المُنتخب، وتصرَّف كرئيس عصابة انقلابية من العالم الثالث، أو مثل بعض رؤساء مجالس في قرانا العربية، الذين يرفضون تهنئة الرئيس المنتخب، ويجُرّون حمائلهم إلى العنف، إرضاءً لنرجسية وأوهام عَظَمة لدى بعضهم، على حساب سلامة مجتمعهم، فهم مستعدون للتضحية بدماء وأموال الآخرين، ما دام هذا يكفل لهم تحقيق البقاء في موقع القرار وكرسي السُّلْطة.

لم يُعبِّر ترامب عن أسفه، أو رفضه القاطع بعد اقتحام أنصاره لمبنى الكونغرس، بل إنّه وبتأخير كبير، وبعدما خشِي الوقوع تحت طائلة القانون، قال إنه يرفض ما جرى من عنف، ولكنَّه تحدّث عن وجوب إعادة التفكير في طريقة الانتخابات في الولايات المتحدة، وبمن يحق لهم التصويت أو لا يحق لهم.

قصد ترامب أن يقول، إن صوت المهاجر الجديد ليس شرعيًا، حتى ولو بات مواطنًا يحمل جواز سفر أميركيًا.

لسوء حظ ترامب، أنه لا يوجد صراع قومي في الولايات المتحدة، ولا أقلية قومية يُحرِّض ضدها لكسب الشعبية، فجميع المواطنين أميركيون، يتحدثون اللغة نفسها، وجيشهم واحد، واقتصادهم واحد، وجميعهم منصهرون في بوتقة واحدة، اسمها الولايات المتحدة الأميركية، ولهذا اشتغل على تفوُّق العرق الأبيض على غيره من الأعراق الملوَّنة.

رغم عنصرية ترامب المعلنة على رؤوس الأشهاد، رأينا بعض المُلوّنين والسُّود يرفعون لافتات مؤيدة له في مهرجاناته الانتخابية ويرفعون صوره، ويدافعون عن سياسته، فأثاروا اشمئزاز كل من رآهم، إذ كيف يدعو إنسان لنصرة من ينظر إليه كعرقٍ أدنى بسبب لونه أو أصوله؟ كيف يمكن أن تدعو الى التصويت لمن يحتقرك، بل ويحتقر عِرقك كله؟

واضح أن لأمثال هؤلاء، مصالح من الربح المادِّي، وواضح أن هؤلاء يعانون من عُقدة نقص أمام تفوُّق الرجل الأبيض، ويرون أنفسهم صغارًا أمامه، وأنهم لا يستحقّون المساواة الكاملة كما هم من دون تغيير جلودهم، بل يبحثون عن مُبرِّرات كي يوهموا الآخرين بأنهم متصالحون مع أنفسهم، وعادة ما يصبّون غضبهم وإحباطاتهم على أبناء جلدتهم، فيستأسدون عليهم، ويتّهمونهم بالعجز والفساد والانشغال بقضايا بعيدة عن مشاكل الناس، حتى عندما يصفهم واحد من أبناء "الجنس المُتفوِّق" بأنهم منافقون وكاذبون، فهم يُصرُّون على الدفاع عن موقفهم الانتهازي الانبطاحي.

في الوقت ذاته، فإن ترامب ورغم عنصريته، لا يمانع في الحصول على أصوات من ينظر إليهم كجنسٍ أدنى.

هذا النموذج الترامبي، نراه في بيبي نتنياهو وغيره من قادة أحزاب، لا يرون بالعرب مواطنين متساوي الحقوق، ولا يرونهم كأقلية قومية لها كرامتها وخصوصيتها ولغتها وثقافتها التي يجب احترامها، فيشهرون تبريرات لعنصريتهم، يدّعون فيها بأنهم ليسوا معادين للمواطنين العرب، بل إنهم فقط ضد ممثليهم في الكنيست، وبعبارة أخرى فالصوت العربي مشروعٌ ومَرضِيٌ عنه، شرط أن يصبّ في صالح حزب صهيوني، وهذه أكثر من مجرَّد عنصرية، إذ أنها نظرة سيّد إلى عبيده.

فِكر ترامب، قريب إلى حد كبير من الفكر النازي المؤسَّس على تفوُّقِ العرق الأبيض، والنظر إلى الملونين بفوقيَّة، إلا أن الدَّولة العميقة، والديمقراطية الراسخة منذ قرون في الولايات المتحدة، هزَمَته، فلم يستطع مواصلة التَّصرف كرئيس انقلابي في دولة من دول العالم الثالث، رغم أنه حصل على ثلاثة وسبعين مليونًا من الأصوات.

يعتبر "انقلاع" ترامب عن السُّلطة، ضربةً لأصدقائه في العالم، وعلى رأسهم بيبي نتنياهو وحلفاؤه من أصحاب قانون القومية، ويهودية الدولة، والتوسُّع والضمّ بلا حدود.

كذلك فهي ضربة لمحمد بن سلمان، المتورِّط في قتل ونشر وتقطيع الصحافي، جمال خاشقجي، وهزيمة لدكتاتوريين عرب وغير عرب، رأوا فيه حليفًا متسامحًا مع جرائمهم بحق شعوبهم.

صحيح أن التبديل لن يكون عميقًا في السِّياسة الخارجية الأميركية، ولكنْ هنالك فرقٌ بين من اتخذ من العربدة والاستقواء نهجًا لابتزاز الموقف السيّاسي والاقتصادي، وبين من يؤمن بالتّفاوض للتوصّل إلى حلول للنزاعات الدولية بطرق سلمية.

وعلى الصعيد الداخلي، فهنالك فرقٌ بين من يرى أن الحُرِّية والكرامة الشّخصية والمساواة يجب أن تكون مضمونة لكل مواطن في بلاده، ويدخل في إدارته ملونين بغض النظر عن عرقهم وأصلهم وجِنسهم، وبين نرجسيٍ مريض بعنصريّته.

وعلى صعيد قضيتنا الفلسطينية لن نعيش في وهمٍ بأنَّنا على أبواب دخول مرحلة جديدة، ولن تكون هذه البشرى الكبرى التي ينتظرها شعبنا وشعوب العالم المقهورة منذ عقود، ولكن لا شكّ في أن انقلاع ترامب عن السُّلطة فأل خير، وفيه رمزيةٌ أو إشارة تُنْبئ بإمكانية هَزْم العنصرية والعنصريين والفاشيين، وأصحاب أفكار التفوّق العرقي، في فلسطين وفي كلِّ أرجاء العالم ولو بعد حين.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص