رمضان غاضب...

رمضان غاضب...

المناسبات الدينية والوطنية والاجتماعية، فرصة لمنح الناس دفعة من التفاؤل، وشحنهم بالأمل بغدٍ وحياة أفضل.

والصيام من أهم المناسبات الدينية، عرفته شعوب وأمم وديانات كثيرة قبل الإسلام، فقد جاء في الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كُتِب على الذين من قبلكم".

الصيام في تاريخ الشعوب أنواع، منه صيام عن الطعام والشراب وهذا أسهله، ومنه صيام عن الكلام، والأهم هو الصيام عن أذية الناس، سواء كان في الكلام أو في الفعل.

لو كان رمضان قادرًا على التعبير، لأعلن عن حزنه لواقعنا، وعن تحوّل الصيام إلى طقوس تكاد تخلو من المضمون، فالغيبة والنفاق وأكل حقوق الآخرين من ذوي قربى أو غيرهم، بات من صميم حياتنا اليومية. إلا أن أكثر من يقلق رمضان ويغضبه هو تغوّل عصابات الإجرام المنظّم، التي باتت أهم عامل هدم وتثبيط لعزيمة مجتمعنا وتخريبه من داخله روحيًا ونفسيًا وماديًا. هذه العصابات نفّذت منذ بداية العام نحو خمسة وعشرين جريمة قتل، وتسببت بعشرات الجرحى واليتامى والثواكل، والخسائر المادية الكبيرة، وهي تلتقي موضوعيًا مع أعداء شعبنا، وعلى رأسهم عصابات "تدفيع الثمن"، فهم لا يختلفون عنها بشيء، بل هم أخطر منها لأنهم يضربون مجتمعنا من داخله؛ إنهم حصان طروادة بيننا، إنهم أولئك الذين يخربون القلعة من داخلها، والحقيقة أننا بتنا لا نعرف من هو أكثر عدد الضحايا برصاص الاحتلال أم برصاص عصابات الإجرام.

تلتقي نتائج ما تقوم به مع عصابات تدفيع الثمن من غلاة اليمين المتطرف والفاشيين الذين يهاجمون الفلسطينيين، سواء في القدس بهدف التطهير العرقي، أو في الضفة الغربية والنقب للاستيلاء على الأرض، أو في الكمّانة وقبلها الجش وكوكب أبو الهيجا وطمرة والطابغة في الجليل وغيرها؛ لزرع الإحباط بين الناس، ودفعهم إلى استسهال الهجرة عن الوطن وتركه للغزاة الفاشيين.

عصابات الجريمة، زرعت الخوف والإرهاب في مجتمعنا، حتى بات أحدنا يخشى رصاصة طائشة أو مقصودة، وصار يهرع إلى الهاتف كي يطمئن على أحبائه، بعد سماع إطلاق نار في ناحية ما من بلده.

هذه العصابات تخدم موضوعيًا النظام العنصري الذي يعمل كل ما في وسعه على تخريب مجتمعنا، واستنزاف طاقاته وتشتيت جهوده، وزرع الصراعات الدموية بين أبنائه، لأنه كلما كان مجتمعنا أضعف، أصبح أسهل على الاحتلال وعلى نظام الأبرتهايد أن ينفّذ مخططاته دون مواجهة عقبات أو قوى تتصدى له، بل وتُجبر البعض على اللجوء إليها كي يحمي نفسه منها، لعدم جدِّية الشرطة في التعامل معها، وبتخطيط واضح وإستراتيجية تفريغ فلسطين من سكانها وأهلها الأصليين، وهذا لن يتم إلا من خلال برنامج طويل المدى من التضييق وزرع اليأس بشتى الطرق، ومنها نشر الفوضى وفقدان الأمن والأمان لدى الناس.

هذه العصابات تريح النظام الفاشي من كثير من المساءلات حول جرائمه التي ينفذها بحق أبناء شعبنا، فهي تُظهر وحشيتنا تجاه بعضنا بعضًا، إذ إنه لم ينجُ من رصاصها كبيرٌ ولا صغير ولا رجل ولا امرأة، فجعلت من حيواتنا رخيصةً جدًا، وسواء قصد رؤوس هذه العصابات أم لم يقصدوا ذلك، فهم وبعض المتواطئين معهم من رجالات مجتمعنا الذين يرتبطون بهم لمصالح ذاتية، أكثرها متعلق بالصراع على السلطة المحلية؛ يخدمون النظام العنصري الفاشي بل هم أخطر من الفاشيين أنفسهم على مجتمعنا.

الفيديو الذي نُشر في موقع "عرب 48"، والذي يتحدث فيه زوج المغدورة سهى منصور من الطيرة، ويشرح من خلاله تسلسل الأحداث الأخيرة قبيل مقتل زوجته، يلخّص الحقيقة، بأن الشرطة التي يلجأ بعض الناس إليها لحمايتهم من هذه العصابات، ليست جدية في محاربة الجريمة، بل إنها متواطئة معها، ويظهر أن الناس فقدوا الثقة بها، وباتوا يخافون من الإدلاء بشهاداتهم أو بتقديم شكاوى ضد هذه العصابات، فقد باتوا يعرفون أن النتيجة ستكون وبالا عليهم.

لا يمكن أن نعتمد في مواجهتنا للجريمة المنظّمة على الشرطة، ولا أن نعلق آمالا على السُّلطة الفاشية، لأن الشرطة تمثل نظامًا يعمل على جعلنا مجموعات وأفرادًا خائفين ومشتتين ومحبطين.

إن مواجهتنا للجريمة المنظّمة، هي جزء لا يتجزأ من صراعنا ضد النظام الفاشي والعنصري، لأن هذه العصابات باتت عصاه التي يضرب مجتمعنا بها، وبمعنى آخر، فإن دورها يشبه دور جيش لبنان الجنوبي في مرحلة ما من تاريخ الصراع، وتمثل ما مثّله المجنّدون المرتزقة والعملاء لقوى الاحتلال في كل زمان ومكان من تاريخ الشعوب.

اقرأ/ي أيضًا | إعدام ميدانيّ

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص