عن مظاهرة حيفا: عنفوان الأجيال الشابة في مواجهة آلة القهر وذهنية المجزرة

عن مظاهرة حيفا: عنفوان الأجيال الشابة في مواجهة آلة القهر وذهنية المجزرة

مظاهرة حيفا، الليلة الفائتة، هي مظاهرة لافتة، حتى حسب معايير النشاط اللافت والمتواصل لأنشطة الحراك في حيفا. في الطريق شاهدت مواقف السيارات الغاصة بالسيارات في الشوارع الفرعية المحاذية لجادة الكرمل، وكانت حركة الناس المتسارعة في الطرقات وهي أشبه بحركة جريان تدفق الينابيع التي تبعث الحياة والتي لا تترك فسحة مكان إلا وتحوّلها إلى مسار وتيار، وكلها كانت باتجاه واحد – نحو ساحة الأسير، وتبدأ بإغلاق الشارع الصاخب بالحركة. وإذ عادة ما يبدأ التجمع في الوقت المحدد والمعلن للمظاهرة، فقد كان الحضور من قبل وكانت الإرادة والتحدي سبّاقتين.

وإذ ذكرت آنفا مفردة "الناس"، فهذه الجموع من الناس تشكّلت من الصبابا والشباب وغالبيتهم الساحقة في سنوات العشرين، كانت مظاهرة بروح وحضور جيل جديد، يواصل المسيرة ويبني انطلاقته على مقاس أحلامه الكبيرة والتي لا يحدّها حد.

كانت الشرطة وأجهزة الأمن الإسرائيلي وبكميات كبيرة بكامل عتادها. وكل ما شاهد تحركاتها منذ بداية المظاهرة يدرك أنها انتظمت من أجل القمع. الشرطة في تعاملها مع العرب الفلسطينيين ليست مشغولة بالنظام العام بل هي الطرف الوحيد الذي ينتهك النظام العام ومسيرة الحياة الفلسطينية. وقد يكون من الخطأ استخدام مصطلح "الشرطة" بالمفهوم الوظيفي المدني، بل كانت وحدات قمع أقرب إلى العسكرية وفي ذهنها انتقام.

إنه انتقام ليس من أجل الانتقام الثابت في ذهنيتهم فحسب، بل ظنا بإمكانية ترهيب الأجيال الناشئة بالكفاح الشعبي، والتي هي أقل من يكترث لترهيب الدولة وأجهزتها الأمنية.

في مثل هذه الحالات من المفيد أن نلتفت إلى كيفية عملهم، فالمدججين بالزي الشرطي بالهراوات والقنابل الصوتية والكاميرات المثبتة في خوذهم ولا ندري ماذا أيضا في جعبتهم، فإنهم المنفذون للأوامر والذين يبطشون ويوجههم قائد الشرطة تكتيكيا. أما صاحب القرار فكان الاستخبارات سواء المتوجدين ميدانيا أم الذين يجلسون في مقر القيادة ويشاهدون ما يجري ويوجهون شرطييهم. فالاستخبارات هم الذين أعطوا الأوامر لمن ينبغي اعتقاله والبطش به. وحين تكون الاستخبارات باللباس المدني طبعا هي سيدة الموقف القمعي، فمن الصعوبة أن نجد أية تصرفات وكأنها عن طريق الصدفة. وما شاهدناه في قمع المظاهرة كان بروح عقلية تصعيد متدحرج قد يتحول إلى عقلية مجزرة في حال لم نردع قمعهم.

لقد جرى استهداف المحال التجارية من مقاه ومطاعم ألقيت عليها وعلى روادها من عائلات وأفراد قنابل صوتية انفجرت وشتتتهم بعد أن انتهكت هدأتهم، وفي هذا كان مسلك استخباراتي جرى استخدامه في سنوات الثمانين والتسعين في وادي النسناس، في مسعى لتأليب عدد من أصحاب المحال ضد المظاهرات والإضرابات تحت شعار "تظاهروا خارج السوق"، و"لماذا تتظاهرون فقط في منطقة سوق وادي النسناس". إنّ دق الأسافين في حال نجح يكون مؤلما، لأنه يحول المواجهة إلى داخلية بيننا، لكن هذا النموذج التفسيخي المخطط له، لن يكون حصرا على حيفا بل سيجري تعميمه في الناصرة ويافا وفي كل بلداننا وتجمعاتنا. فالحذر الحذر من أن تنال الدولة وأجهزتها من وحدتنا الكفاحية، لكن فات الاستخبارات أمرين، أحدهما أن الكثير من أصحاب المقاهي والعاملات والعاملين فيها حيّوا المتظاهرات والمتظاهرين وكانت جوارحهم معهم. والكثيرين منهم تركوا أعمالهم وخرجوا للتصفيق للمظاهرة وبالأحرى للإرادة التي هي لسان حالهم هم أيضا. ثم إن جمهور المظاهرة هم رواد هذه المحلات وجزء من روح المكان الجميلة. تحية إلى النادلين والنادلات، وإلى أصحاب المحال الذين رفضوا أن يبلعوا الطعم الاستخباراتي.

وإلى كل الذين نادوا بإقامة مراكز شرطة في البلدات العربية أو رحبوا بها واستبشروا خيرا بالقضاء على الجريمة، من الجدير أن يلتفتوا إلى جريمة الشرطة وإلى رؤوس من تصوّب هراوات الشرطة، وقنابلها، الصوتية حاليا. هكذا في حيفا والناصرة وأم الفحم وفي كل البلدات العربية الفلسطينية. إنها أجهزة قمع تزداد وحشيتها كلما زاد عنفوان جماهير شعبنا الذي تخيفهم.

تبقى هذه المظاهرة كما كل أخواتها في كل بلداتنا هي دعما للقدس بأهلها وبقائهم وصمودهم وبمقدساتها في مواجهة مخططات التطهير العرقي الاحتلالية. فما يجري في أي موقع من الوطن هو شأننا جميعا ومسؤوليتنا جميعا.

التحية كل التحية إلى أولئك الشابات والشباب وإلى كل من شارك في كل حراكات شعبنا، فالتجربة المتراكمة واشتداد بأس الأجيال الصاعدة وإرادتها المصقولة بالكفاح واعدة وماضية نحو الحلم، والتحية الخاصة هي للمعتقلات والمعتقلين وللجرحى، ففي النضال يُدفع ثمن وفقط فيه تُكسب كرامة شعب.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص