صواريخ المقاومة؛ ما لها وما عليها

صواريخ المقاومة؛ ما لها وما عليها

هذه المرة مثل سابقاتها، أثارت صواريخ المقاومة تساؤلات حول جدواها، وهل كان توقيت إطلاقها صحيحًا، ومن الذي يربح ومن الذي يخسر، وماذا يمكن أن تحقق أو تُفسِد؟

خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت تلوح في الأفق انتفاضة شعبية، انطلقت من حي الشيخ جراح، وتصاعدت في رمضان ومع اقتراب قرار المحكمة بشأن البيوت التي يُصِرُّ المستوطنون على طرد سكانها واغتصابها.

وصلت الذروة مع ليلة القدر، ومحاولات منع الوافدين من فلسطينيي الداخل الوصول إلى القدس، ثم التحام أهالي القدس بالوافدين من خلال الحضور بسياراتهم لتوصيلهم، متزامنا مع محاولات المستوطنين المستمر اقتحام حَرم المسجدين.

موجة الغليان والمواجهات الشعبية ارتفعت وصار صداها يتسع في كل فلسطين التاريخية، ثم بدأت تظهر بوادر تحركات داعمة ومحتجّة في العالم العربي والعالم الواسع، وذلك لأنها القدس التي يعرف الجميع ما تعنيه بالنسبة لمئات الملايين من البشر، وقد ارتبطت قصة الحي المهدد بالتهجير باسم القدس والأقصى مما أعطاها زخمًا قويًا.

حتى الأنظمة المُطبِّعة والتي لها اتفاقات سلام وتغضّ الطرف عن كل ما يجري في فلسطين، لا تستطيع أن تغمض أعينها وتتجاهل ما القدس، وذلك نتيجة حساسية الأمر دينيا والذي يمسُّ العقيدة.

عندما يصل العدوان إلى المقدسات ومحاولة احتلالها على يد المستوطنين، لا يستطيع أي متواطئ الادعاء الوقح بأن الفلسطينيين باعوا بيوتهم وأراضيهم لليهود! فلا أحد يستطيع أن يبيع مسجدًا أو كنيسة، ورغم محاولات دولة الاحتلال شراء البيوت في القدس بشتى الطرق والخدع والضغوطات والإغراءات المباشرة وغير المباشرة، ونجاحها في بعض المواقع، إلا أن القدس في معظم بيوتها ومتاجرها عربية وليست للبيع، ومن يبيع يعتبر خائنًا.

الحراك الشعبي في القدس في زمن كل الخذلان والتساقط، قال إنه بعد أكثر من نصف قرن على احتلال القدس وإعلان توحيدها، فإن أهلها ما زالوا رافضين للاحتلال، وإن الجيل الصاعد هو جيل رفض وغضب رغم كل محاولات التدجين والتخريب.

في ذروة هذا الحراك الذي كان مرشحا للتصاعد، تدخّلت صواريخ المقاومة، وعندما يقعقع السلاح وتهدر الطائرات تخفت الأصوات العزلاء وتتراجع الحراكات الشعبية.

فتح جبهة قطاع غزة تعني جولة أخرى من الصواريخ والغارات والقصف المتبادل، وبغض النظر عن الفترة الزمنية التي سوف يستغرقها، فبعد بضعة أيام سيتوقف إطلاق النار، وفي الوقت ذاته سيكون الحراك الشعبي قد تراجع كثيرًا.

وراء هذا التصعيد قبل قصف القدس وبعدها يقف نتنياهو الذي رأى أن فرصته في البقاء كرئيس حكومة باتت ضئيلة جدًا، وبأن خلط الأوراق خصوصًا في القدس هو ما بقي له، بهذا يحرج الأطراف الساعية إلى تغييره، وما يسمى حكومة التغيير، ويعيد بهذا إلى الأذهان دخول شارون الاستفزازي عام 2000 إلى باحات الأقصى، الأمر الذي أدى إلى اشتعال الانتفاضة الثانية.

نتنياهو أكثر المعنيين بتفاقم المواجهة العسكرية، لأنّه يرى فيها طوق الخلاص الأخير بالنسبة له.

بهذا يُحرج كتلة الأحزاب التي تريد وضع حد لوجوده كرئيس حكومة، ويضيّق مجال المناورة أمامها وأمام الكتلتين العربيتين اللتين يجري الحديث عن دعمهما لحكومة بينت-لبيد مباشرة أو بشكل غير مباشرة، ويأمل نتنياهو بأن يجعل بعض مركبات أو أفراد من الكتل المعارضة له خصوصًا من كتلتي ساعر ("ييش عتيد") وبينيت ("يمينا") أن تعيد حساباتها وأن تحِنّ إلى التحالف معه وتعود إلى بيتها الأول، الليكود.

من جهة أخرى فإن أصحاب القرار في المقاومة لم يستطيعوا ضبط أنفسهم أكثر بإزاء ما يجري في القدس، لأنها قضية مركزية وفي لبِّ العقيدة، ولسان حالهم يقول: إذا لم تنطلق الصواريخ الآن فمتى تنطلق؟

الصواريخ على القدس في لحظات الاحتفال بذكرى "توحيدها" حملت رسالة، قالت إن هناك من له رأي آخر في ما يجري ولا يكتفي بالاستنكار والتنديد، وقالت للمقدسيين إنهم ليسوا وحيدين في نضالهم في مواجهة تهويد المدينة، وإن هناك من هو مستعد لأن يفعل أمرًا ما بإمكانياته المتواضعة مهما كانت النتيجة مكلفة، وبأن هناك من لا يكتفي بأن يُحذّر وبأن يُعبِّر عن قلقه، بل إنه بعتاده المتواضع جدًا قادرٌ على شلّ الحياة الطبيعية لملايين الإسرائيليين، ويذكِّر العالم والأمة العربية والإسرائيليين، بأن ما بدأ عام النكبة لم ينته بعد، وأن إسقاطاته ما زالت مستمرة من دون حلّ، وبأن الأمور مرشحة دائمًا وفي لحظة ما للعودة إلى مربّعها الأول.

أخيرًا قالوا في المثل "الرّقص على القاعدين هويّن"، فما بالكم عندما تكون هذه رقصات دماء وموت.

اقرأ/ي أيضًا | دعونا نعيش "زهقنا من السِّياسة"

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص