بين محاربة نهج منصور عباس وبين حذو حذوه

بين محاربة نهج منصور عباس وبين حذو حذوه

تجاوزا للدوافع والأسباب والذرائع، فإن الزفة الإعلامية الإسرائيلية التي رافقت تفكيك القائمة المشتركة، وإقصاء التجمع الوطني الديمقراطي، هي بقدر ما كشفت عُمق العداء الذي تكنّه المؤسسة الإسرائيلية وجنرالات السياسة والإعلام -المتحكمين فيها- للتجمع؛ أظهرت أيضا مدى الترحاب والتهليل والاحتضان الذي حظيت به قائمة "الاعتدال" بجناحيها؛ الجبهة والحزب الشيوعي الإسرائيلي بقيادة أيمن عودة، وحركة أحمد طيبي، العربية للتغيير، على طريق تأهيلها أُسوة بقائمة منصور عباس، لاستيفاء عدد الأصابع اللازمة لمنح الثقة لحكومة لبيد المأمولة.

ولأننا لا نستطيع أن نرصد في هذه العُجالة عشرات التقارير المصورة والمكتوبة التي هللت لقائمة الاعتدال الجديدة، وتنفست الصعداء لانزياح حجر العثرة (التجمع)، الذي كان يحول دون انخراط "القائمة المشتركة" في اللعبة السياسية الإسرائيلية حتى النهاية، ودعم حكومة برئاسة يائير لبيد (من الداخل أو من الخارج)، سنكتفي بالإشارة إلى مقالين "تمثيليين" هامين؛ الأول، هو افتتاحية صحيفة "هآرتس" التي جاءت تحت عنوان: "الآن دور عودة والطيبي"، وقد افتُتح بالقول إنه "آن الأوان لاستكمال التغيير النموذجي المتعلق بمشاركة الجمهور العربي في الحكومة، وإسقاط جدار الفصل، الذي أُقيم لإبقاء الأحزاب العربية خارج اللعبة الائتلافية عن طريق توسيع الصدع الذي أحدثه، بجرأة، رئيس القائمة العربية الموحدة، منصور عباس".

ولكي تقنع "هآرتس" جمهورها الإسرائيلي بـ"حُسن نوايا أقطاب قائمة الاعتدال الجديدة"، تنوّه إلى أن قرار التجمع (تفكيك المشتركة بحسب زعمها) ينبع أساسا من إصرار عودة والطيبي، الحفاظ على خطٍّ متصل من الرسائل التي تفيد بأنهما لا يسقِطان من حساباتهما، دعم الكتلة المناوئة لنتنياهو... وأن تدعو لبيد وصحبه إلى اعتبار هذا الإصرار من قِبل عودة والطيبي، والذي تسبب بانفصال التجمع، اعتبارَه بمثابة يد سياسية ممدودة، وإعرابا عن استعداد للسير في الطريق التي شقّها منصور عباس.

وإن كنا نختلف مع "هآرتس" حول هوية من شقّ الطريق، فإن الرجلين (طيبي وعودة)، قد كرّرا، فور خلع لجام التجمع وبشكل صريح، تصريحات منصور عباس السابقة، حول "بيضة القبان"، و"لسان الميزان"، والتي سبق أن قادت الأخير إلى حضن حكومة بينيت - لبيد - غانتس.

وللمفارقة، فإن الصحيفة "روَّست" افتتاحيتها تلك، بإعلان ما يُسمى بـ"مشروع الانتصار الإسرائيلي"، وهو يظهِر عضوي الكنيست، أيمن عودة وأحمد طيبي، وهما يتلفعان بالعلم الإسرائيلي. والمشروع المذكور أقيم عام 2017 بمبادرة معهد أبحاث مجموعة الشرق الأوسط، الذي يرأسه بروفيسور دانييل بيبس، وتتلخص فكرته الرئيسية في ضرورة دفع الفلسطينيين إلى التسليم بهزيمة كفاحهم، وإلقاء سلاحهم، ومن ثم فرض الحلّ الإسرائيلي عليهم.

في السياق ذاته، نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في موقعها الإلكتروني "واينت"، مقالا للباحث في معهد الأمن القومي الإسرائيلي، دورون ماتسا، تحت عنوان: "عودة والطيبي في أثر منصور عباس"، والذي يرى فيه، أن انقسام المشتركة، والقطيعة بين التجمع الوطني وبين حزبي الجبهة والعربية للتغيير، يشير إلى تحوّل الموديل البراغماتيّ – النفعيّ لمنصور عباس، إلى "عامود السحاب"، أو "عامود النار" الذي تعرف من خلاله السياسة العربية، وإلى أن أيمن عودة وأحمد طيبي يحاولان -وإن ببعض التأخير- إغلاق الفجوة الناشئة بين القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، بواسطة الدمج بين عناصر الاعتدال، وبين التوجُّه الذي يعطي الأفضلية للقضايا المدنية على الهوية الوطنية.

ويشير المقال إلى أن الطريق للحاق المشتركة بالموحدة، كانت تمرّ بالضرورة بإزالة "حدبة" التجمع، الذي يتماثل مع سياسة الهوية العربية، ويرفع مطلب تحويل إسرائيل إلى دولة كل مواطنيها.

ولا غرو أن يرى الكاتب هذا الانزلاق الذي يفضي إلى انكماش السياسة العربية داخل قوقعات البراغماتية والنفعية، بمثابة انتصار للمشروع الصهيوني، أسوة بمشروع الانتصار الإسرائيلي الذي أظهرهما يتلفعان بعلم إسرائيل.

إلى ذلك، شتّان ما بين محارَبة نهج منصور عباس وإسقاطه، وبين منافسته وحذو حذوه، والتحوّل إلى "بيضة قبان" أخرى ترجِّح كفة حكومة لبيد.

بودكاست عرب 48