"ثغثغة دامية".. إعلان "حقوق" الشاعر / د. طلعت شاهين

عندما كنت أتجول في معرض القاهرة للكتاب في دورته الأخيرة، ورغم أنني انتقلت خصيصًا إلى القاهرة من مدريد لألتقي بالأصدقاء، خاصة العرب منهم الذين لا نراهم إلا في مثل هذه المناسبة، فقد هالني الفراغ الذي كان يعيشه المعرض، وتجولت من "خيمة إلى أخرى"، بعد أن حلت الخيام محل القاعات المبنية بالطوب والزجاج نظرًا لمشروع تجديد قاعات أرض المعارض. خلال هذا التجول لازمني الإحساس بأن "الكتاب العربي" هو الآخر أصبح في "مخيمات" كاللاجئين، هربًا من حرب طاحنة أو احتلال غادر، فثورات الربيع العربي لم تفلح في تخفيف هذا الإحساس العابث، خاصة أنه خلال تلك الأيام شهدت مصر أحداث بورسعيد والسويس، وثالثتهما الإسماعيلية، التي تكمل منظومة النضال المرتبط في الوجدان الشعبي المصري بقناة السويس

عندما كنت أتجول في معرض القاهرة للكتاب في دورته الأخيرة، ورغم أنني انتقلت خصيصًا إلى القاهرة من مدريد لألتقي بالأصدقاء، خاصة العرب منهم الذين لا نراهم إلا في مثل هذه المناسبة، فقد هالني الفراغ الذي كان يعيشه المعرض، وتجولت من "خيمة إلى أخرى"، بعد أن حلت الخيام محل القاعات المبنية بالطوب والزجاج نظرًا لمشروع تجديد قاعات أرض المعارض. خلال هذا التجول لازمني الإحساس بأن "الكتاب العربي" هو الآخر أصبح في "مخيمات" كاللاجئين، هربًا من حرب طاحنة أو احتلال غادر، فثورات الربيع العربي لم تفلح في تخفيف هذا الإحساس العابث، خاصة أنه خلال تلك الأيام شهدت مصر أحداث بورسعيد والسويس، وثالثتهما الإسماعيلية، التي تكمل منظومة النضال المرتبط في الوجدان الشعبي المصري بقناة السويس.

لم يخفف من الإحساس بتلك اللحظة السوداوية تطلعي للقاء جمهور نغيب عنه ولا نراه إلا في هذه المناسبة، فكان الإحساس أقرب إلى الإحساس بالفاجعة عندما لم أجد في الندوة التي شاركت فيها عن "آفاق الترجمة الأدبية" سوى بعض الزملاء من الصحافيين، وهم على أي حال قلة، وغاب الجمهور الذي اعتدنا رؤيته في دورات سابقة من عمر هذا المعرض.

للخروج من إحساس الإحباط تجولت بين "مخيمات الكتاب" بحثًا عن جديد يمكن أن يضيء أمامنا أملًا يجعلنا نأمل في مستقبل هذا الكتاب، فعثرت على بعض الكتب التي تمنحنا انفراجة أمل، وإن كانت قليلة، من بينها "ثغثغة دامية"، المجموعة الشعرية الأولى للشاعر اليمني الشاب مروان كامل، الصادرة عن "دار سنابل للكتاب" بالقاهرة، والتي تحتوي، ليس على أشعاره فقط، بل على شيء يكاد يشبه "البيان" الذي يريد للعالم، قراءً ومبدعين، أن يتعرفوا عليه من خلاله.

يبدأ مروان كامل مجموعته بإعلان "حقوق" يكتسبها بقوة الإبداع:

من حقي أن أصدر مجموعة شعرية

ومن حقي أن أعرضها على شاعر مجيد لأخذ رأيه أولًا ونصائحه وأي اعتراضات

ومن حقي أن يكتب لها مقدمة أديب مرموق

ومن حقي على الكُتاب أن يقولوا لي ماذا أفعل الآن ومن أين أبدأ

من حقي أن أطلب المساعدة.

أو كما يقول فتحي أبو النصر في تقديمه لهذه المجموعة الشعرية: "إن هذا الفتى، ولتسمحوا لي أن استخدم هذا الوصف، فهو لا يزال صغير السن ولكن طموحه لا يمنعه من ولوج تجربة نشر إبداعه مبكرًا، لأنه لا يريد أن يحكم على نفسه بشيء، بل يريد أن يضع ما يبدعه بين يدي من يستطيعون نصيحته أو مد العون له باعتبار أن تلك الأشياء من حقوقه الأصيلة، حتى لو كان شاعرًا رديئًا."

لأنه، وإن كان هذا الشاعر يرى أن له حقوقًا على غيره من المبدعين، لكن هذه الحقوق التي يعلنها ويطالب بالحصول عليها من المحيطين به لا تمنعه من أن يعلن أنه مبدع يجب أن تكون له مكانته بين المبدعين في وطنه الصغير "اليمن"، ووطنه الكبير "الدول المتكلمة بالعربية"، بل ويطالب بأن يكون من حقه أيضا أن يصبح كاتبًا رديئًا:

"من حقي أن أُصبح حتى كاتبًا رديئًا."

وبإعلانه هذا الحق، فهو يرى أن النقاد يمكنهم أن يكونوا غير راضين عن الحرية التي يمنحها لنفسه لكسر جميع القواعد التي يرى فيها قيدًا عليه، لذلك في قصيدته "الواحد المفقود" يقول:

أيها النقاد سأكتب كيفما شئت.

سأكتب بريش طائر لا يزال حيًّا، لا علاقة لكم

سأكتب بطبشور أسود على السبورة، لا علاقة لكم

سأكتب رسالتي مباشرة على صندوق البريد، لا علاقة لكم

خلقت في الفوضى، وحروفي عفيفة.

حذار أن تزعجوني.

والحقيقة أنه يمارس حريته في الكتابة كما يريد، فهو ينقر قصائده بأصابعه مباشرة على "الكيبورد" مستخدمًا ما تمنحه إياه شاشة جهاز الحاسب الشخصي، وربما مستخدمًا "الآي باد" أيضًا، ومن هنا فإن قصائده فيها الكثير من عناصر الحرية التي تمنحها له تلك الأدوات الجديدة على الإبداع.

لذلك، فإن كتاباته كما يقول صديقه فتحي أبو النصر في تقديمه: "كتابة تجريبية غير منضبطة، تراهن على حريتها خارج النسق المعتاد، كما أنها ذات خصائص صادمة تعيد تشكيل حال الكتابة الشعرية وفقًا لتقنيات الآن، عبر تداخل المخيلة والكمبيوتر من ناحية أخرى. بمعنى إنها كتابة طازجة من دون إنفاذ المعايير التحريرية الصارمة عليها، كونها تنبع من الانفعال التلقائي على الوورد.. الوورد باعتباره معبدًا للملاعين المستقبليين".. من هنا يمكن أن تكون تلك الكتابة، وبشكل خاص في الشعر، صادمة للذائقة التي اعتادت على الكتابة التقليدية.

لذلك على قارئ أشعار أو نصوص مروان كامل أن يتعامل معها بكل ما تحويه من جماليات جديدة نابعة عن التجريب في وسائط الاتصال الحديثة، وكثيرًا ما يلتقي بتلك الإبداعات على صفحات وسائل الاتصال الاجتماعي، فهو شاعر "فيسبوكي"، فهو دائم الحضور في هذا المكان.

بالمقابل فهو شاعر مشاغب، وجريء، ولممارسة حقوقه في التجريب يمكنه أن يقف ليعارض شاعرًا بقامة "أدونيس":

توتر مستقر ولطيف وأشياء داخلي تتحدث لغة أعجمية

لا أنا بالثابت ولا المتحول يا أدونيس

ولا وسط؛ في يساري الملتزم، وفي يميني الحديث

أنا المنزعج من كل الأرض ويعجبني كل شيء في هذه اللحظة

وأكره نزوتي هذه بأكثر مما تتخيل.

وله أيضًا معارضة لمحمود درويش، ولكنه رغم محاولاته الهروب من القصيدة السابقة على جيله، فهو يرتبط مع سابقيه من شعراء العربية في العقود الأخيرة اهتمامه باليومي والعادي من تفاصيل الحياة التي تبدو صغيرة لا تلفت النظر، ولكنه يضمنها أشعاره لأنها جزء من ممارسته للحياة:

لست شاربًا ولا زالت معدتي على وليمة الأمس هذه إلى الآن:

طفر المال في آنية الرز بِعصاتي العوز التهمته

حساء الحسرة الدافئ

معكرونة الملل بلا شوكات

"سلتة" الخوف وهي تفور

رغيف الشهادة الثانوية

ضان الجنون المشوي

مشروب العواء الغازي للهضم.

وجشأ فِجل القهر الشبعان هذا.

يعد الشاعر اليمني الشاب مروان كامل بأنه شاعر الاستمرارية، فهو ينام ويصحو متنقلًا بين لحظات الإبداع الشعري منذ الخاطرة وحتى اكتمال القصيدة:

ماذا فعلت بالخاطرة؟!

* جاءتني قبل النوم بلحظات فحشدت لها ألف لعنة وغفوت.

ماذا فعلت بالقصيدة؟

* تزاحمت الهواجس أثناء الخروج وتشاجَرت مع الصور.. فألغيتها، وأغلقت الباب.

والحلم؟!

* عقدت من أجله صفقة مع الكذب.

من تبقى معك إذن؟!

التعليقات