سينما الانشراح: عشق وغزل في عداد الكوميديا

نادية لطفي وعبد الحليم حافظ في فيلم "خطايا" (1962)

 

أتاح لي برنامج "سينما الانشراح" مؤخّرًا، الّذي أشرفت عليه "جمعيّة الثقافة العربيّة"، مشاهدة فيلم "الخطايا" للمخرج حسن الإمام، وهو مُنتج عام 1962، أي قبل أن أولد بسنوات، وتشارك فيه نخبة من فنّاني الزمن الجميل، مثل عبد الحليم حافظ، وناديا لطفي، وحسن يوسف، وعماد حمدي، وقد سبق أن شاهدت الفيلم وحدي على شاشة التلفاز.

 

على جدار عمارة قيد الترميم في "الهَدار"

ما أثار انتباهي في تنظيم عرض فيلم "الخطايا" في "سينما الانشراح"، الطريقة العفويّة الّتي جلسنا بها، في الساحة الّتي جرى فيها العرض؛ في المقدّمة جلس كبار السنّ من نساء ورجال تجاوزوا الخمسين، قسم منهم جاء بمفرده وقسمٌ أزواجًا، وفي الصفّ الثاني جلس الجيل الثاني، أي جيل الأربعينات، أمّا جيل الشباب والصبايا، جيل العشرينات والثلاثينات، فعلى المدرّج جلسوا.

على الرغم من أنّي أحبّ مشاهدة الأفلام، ولا سيّما في صالات العرض، إلّا أنّ هذه التجربة الاستثنائيّة كان لها وقع آخر وطعم آخر. لم أتخيّل أنّه يومًا سأشاهد فيلمًا عربيًّا، في وسط حيّ "الهدار"، في حارة سكنيّة، على جدار عمارة سوف تُرمَّم قريبًا؛ لتصبح صرحًا ثقافيًّا لـ "جمعيّة الثقافة العربيّة"، ولنا نحن فلسطينيّي أراضي 48.

 

جانب من جمهور أحد عروض "سينما الانشراح"

 

تزامن عرض الفيلم مع عيد الفطر، ما منح العرض رونقًا آخر؛ فلم تكفّ الألعاب الناريّة عن إضاءة العرض بألوان زاهية وأصوات الفرح. مشهد آخر هو للجيران الّذين يطلّون من النوافذ والشُّرَف، لكي يشاركوا لبضع دقائق مقاطع من الفيلم، خاصّةً عندما كان عبد الحليم يغنّي.

 

بالأسود والأبيض: أفلام كألوانها

لا أخفي هوسي بالأفلام القديمة بالأبيض والأسود، على الرغم من سذاجتها أحيانًا، وتركيزها على الطبقة الأرستقراطيّة أو الفقراء المدقعين، وكأنّه لم يكن ثمّة طبقة وسطى في المجتمع. ما ميّز أغلب الأفلام باللونين الأبيض والأسود، أنّها فعلًا كانت كألوانها بيضاء وسوداء؛ الخير والشر، وعلى الأرجح ينتصر الخير، الفقر والغنى، الشرّير والطيّب، قصص الحبّ العذريّة السامية الّتي تذكّر بقيس وليلى وروميو وجولييت، التفاني في الحبّ والإخلاص، العشق المجنون، الحرب الضروس لكي يحتلّ العاشق الولهان قلب حبيبته، أو حربه اللامتناهية لكي يُقنعه أهله بالزواج بفتاة أحلامه أو إقناع أهل المحبوبة.

كلّ شيء في أفلام اللونين كبير؛ البيوت كبيرة فخمة تُذكّر بالقصور أكثر منها بالفيلات الأنيقة، أو فقيرة مُعدَمة، الأثاث جميل وأصيل وأنيق، تتخلّله طاولات مدوّرة في المدخل، عادةً تتوسّطها زهريّة من الورود المنسّقة بعناية - كم تمنّيت أن أرى ألوانها – أو يمكن أن نشاهد بطلة الفيلم تقطف الأزهار من حديقتها الغنّاء لكي تزيّن منزلها. مثل هذه المشاهد حُرمنا من مشاهدتها في أفلامنا العربيّة المعاصرة بعامّة، وفي السينما المصريّة بخاصّة.\

لربّما كانت إمكانيّة التصوير والتوليف - لندرتها وتكلفتها الباهظة، لأنّ الأفلام كانت تُصوَّر بنظام الفيلم، وكانت تُقَصّ باليد، وتُركَّب المشاهد يدويًّا قديمًا - لربّما أجبرت المخرجين على بناء كادر جماليّ، وتميّزت ببهاء الصورة، وبناء تفاصيل رقيقة وجميلة.  

 

شاشة بعيدة عن الواقع

ثمّة ادّعاء فيه صحّة، بأنّ الأفلام القديمة كانت بعيدة عن واقع الشارع المصريّ وهمومه، أمّا أفلام اليوم فأكثر اتّصالًا بالواقع، تحاول نقله ونقل معاناته، ونقل الحارة المصريّة "والبيئة" كما يسمّيها المصريّون، ولربّما أفلام يوسف شاهين القديمة من الأفلام القليلة الّتي حاولت محاكاة الواقع.

ثمّة نظريّات جمّة حول دور السينما في تجسيد الواقع، وتجميله أحيانًا، أو الهروب منه؛ فالمواطن البسيط لا يريد أن يرى مأساته، بل يريد الهروب منها، والعيش في عالم الخيال ساعة وبعض الساعة، حين يشاهد فيلمًا سينمائيًّا.

 

صحيفة وبرنامج "سينما الانشراح"

 

مثل هذه النظريّات لم يقتصر على الشارع المصريّ فقط؛ ففي منتصف السبعينات وبداية الثمانينات، أنتج التلفزيون الأمريكيّ مسلسلات عدّة بعيدة جدًّا عن واقع الشعب الأمريكيّ، وتقتصر فقط على الطبقات الغنيّة، كمسلسل "دالاس" الّذي أُنتج في عام 1978، واستمرّ عرضه حتّى مطلع عام 1991، واستمرّ طوال 14 موسمًا، في 357 حلقة. رافق المسلسل المشاهدين 14 عامًا متواصلة، شاهدنا خلالها قصّة العائلة المالكة الّتي تملك آبار النفط في تكساس. وعلى الرغم من الغناء الفاحش لهذه العائلة، والقصور الّتي سكنوا فيها، وقصص الخيانات والمؤامرات؛ إلّا أنّ هذا المسلسل اعتُبر من أنجح المسلسلات التلفزيونيّة، ولاقى رواجًا عاليًا، وتُرجم المسلسل إلى لغات عدّة، كانت العربيّة إحداها.

مسلسل أمريكيّ آخر عنوانه "الجميلون والشجعان"، بدأ إنتاجه عام 1987، وما زال يُعرض حتّى اليوم، وهو عبارة عن 147 موسمًا، وعدد الحلقات الّتي بُثَّت حتّى الآن 7980 حلقة. يحكي المسلسل قصّة عائلة فوستر، الّتي تملك دارًا لتصميم الأزياء، وخيانات وقصص حبّ متفرّعة ومتشابكة داخل العائلة.

إنّ الّذي ميّز "دالاس" و"الجميلون والشجعان" تناول الثراء الفاحش، والطبقة البرجوازيّة، والبيوت الجميلة، والملابس الفاخرة، والنساء الشقراوات الجميلات، ووسامة الرجال.

لربّما هذان المثلان يجسّدان هوس المواطن العاديّ، بمشاهدة ما لا يملكه وما يتمنّى امتلاكه. ثمّة مَنْ يعتقد أنّ إنتاج مثل هذه المسلسلات، ما هو إلّا سياسة تجهيل للمجتمع الأمريكيّ، وإبعاده عن مشاكله وهمومه، وما هو – أيضًا - إلّا وسيلة استهلاكيّة؛ لكي تجعل المواطن العاديّ – ولا سيّما النساء -  مهووسًا بالموضة وقصّات الشعر، وتحاول النساء تقليد البطلات بطريقة لبسهنّ ومكياجهنّ.

 

أين ذهبت الرومانسيّة؟

عودةً إلى فيلم "خطايا وتلقيّه من قبل الجمهور المشارك في عرض حيفا، فإنّ هذا الجمهور لم يتوقّف عن الضحك عندما كان عبد الحليم يغازل معشوقته ناديا لطفي. إنّ الغزل البريء وكلام الحبّ المعسول، أصبح اليوم في عداد "الكوميديا". راقبت الجمهور بشغف، لأحدّد إن كان الجيل الجديد هو مَنْ يضحك من الغزل، لكن المفاجأة أنّ الجميع ضحك للكلام المعسول.

وفي مشهد تبادل الرسائل بين عبد الحليم وناديا لطفي بواسطة الخادمة، لم يتوقّف الجمهور عن الضحك والتهامس، وتشبيه الرسائل المكتوبة يدويًّا برسائل الواتساب اليوم.

 

 

لم يعد بمقدورنا مشاهدة فيلم، إلّا لربطه ومقارنته بواقعنا اليوم، لم يعد باستطاعتنا تحمّل جرعات العشق البريء الساذج الأفلاطونيّ؛ فأصبح مضحكًا. تساءلت: "هل الحياة السريعة والعمليّة الّتي نعيشها اليوم أفقدتنا الرومانسيّة؟ أم فقدنا قدرتنا على الحبّ، والعشق الّذي يتحدّى الحدود؟".

لا حاجة اليوم إلى كلمات الغزل، هل يكفي أن نرسل "سمايلي"، أو وردة عبر الواتساب أو الفيسبوك، لكي نغازل ونبدي إعجابنا بالطرف الآخر؟ في الأفلام القديمة، كان العشّاق يموتون أحيانًا من الحبّ، كانوا يمرضون ويعانون ويبقون مخلصين للعشيقة.

لا أعرف إن كانت الأفلام القديمة صادقة بنقل مشاعر تلك الحقبة التاريخيّة أو لا، أو كانت تغالي في الدراما الإنسانيّة؛ لكي تجذب المشاهد البسيط، أو أنّها الحقيقة، بصرف النظر عن مدى حاجتنا إلى عودة الرومانسيّة إلى أفلامنا، الّتي خلت تمامًا منها، ومدى حاجتنا إلى عودة الحبّ الجارف والعشق والغرام إلى حياتنا.

 

 

سها عرّاف

 

 

كاتبة ومخرجة وصحافية فلسطينية. كتبت سيناريو وأخرجت عددًا من الأفلام، من ضمنها "نساء حماس" و"فيلا توما"، وقد حصلت على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، أبرزها جائزة أفضل مخرجة امرأة في "مهرجان المرأة الدولي للسينما والتلفزيون - لوس أنجلوس" لعام 2014.